حفل تأبين الدكتور شوقي أبوخليل-كلمة دار الفكر

الأربعاء, September 29, 2010
كاتب المقالة: 

  وكانت دار الفكر في حياة شوقي شيئاً مهماً أساسياً، وحين تعهد إليه الدار بعمل يقوم به على أحسن وجه وخصوصاً في تقويم الكتب التي تأخذ بها رأيه، ينظر إليها بمنظارين، الأول بما يفيد الكتاب الأمّة وينفعها، والثاني بما لا يؤثر في صورة دار الفكر ولا يضر بها.. وعندئذ يوافق على الكتاب أو يرفضه مع الأسباب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مدرسة شوقي

ما كنت أحسب أن سأقف في هذا الموقف أتحدث عن صديقي وشريكي في أعمال البحث والتأليف الدكتور شوقي أبو خليل وأذكر مناقبه.

كانت صلتي به صلة فريدة قلما تكون بين صديقين في زمن كهذا، وفي صلة كهذه، عرف كل واحد منهما ما في ذهن الآخر وعقله، وأيقن كيف ستكون ردّة فعله في كل ما يأخذ ويدع وطريقة تفكيره ومواقفه بله كلماته التي يعبر بها عما يريد. وكان بيننا لغة مشتركة خاصة.

من دار الفكر انطلقنا، وفي دار الفكر كان عطاؤنا.. وفيها تنفسنا ، وبها عشنا جواً نظيفاً من الفكر النير والغيرة العلمية والأمانة والحب والاندفاع، أربعة عشر عاماً كنا معاً في كل يوم نجتمع في الدار، لا يكاد يتخلف أحدنا عن الآخر، وإذا غاب واحدنا ذات يوم غياباً غير معروف بادر الآخر فسأل عنه بلهفة وخشية. ربطتنا صداقة من نوع عالٍ جداً هي صداقة  الفكر وصداقة القلب وصداقة العلم،ورباط العمل المشترك الذي لم نختلف عليه يوماً واحداً.. وكانت الرابطة تنمو مع الأيام..

وكانت دار الفكر في حياة شوقي شيئاً مهماً أساسياً، وحين تعهد إليه الدار بعمل يقوم به على أحسن وجه وخصوصاً في تقويم الكتب التي تأخذ بها رأيه، ينظر إليها بمنظارين، الأول بما يفيد الكتاب الأمّة وينفعها، والثاني بما لا يؤثر في صورة دار الفكر ولا يضر بها.. وعندئذ يوافق على الكتاب أو يرفضه مع الأسباب

وكان شوقي في مهمته بالدار مدرسةً، يمكن أن تكون نبراساً لكل طالب علم يتوخى في حياته النجاح والتألق، مدرسة عنواناتها الإخلاص للعلم وفيه، والحرية في الفكر، والصراحة في القول، والأمانة في الأداء، والتنظيم في العمل، عنوانات خمسة كانت سرّ نجاحه، ما زاح عنها يوماً، ولا تزحزح، وكان يقاتل من أجلها أحياناً إذا لزم الأمر.. ولهذا فقد راجت مؤلفاته وانتشرت. يضيف إليها أمراً مهماً أنه كان ينتقي الموضوعات الساخنة، ويعرضها عرضاً فريداً بأسلوب شيّق، لذا فلم يكن يؤلف كتاباً إلا ويُكتب له فيه التوفيق.. ولا يلقي درساً إلا ويستحوذ على طلابه أو جلسائه ويبهرهم في كل ما يقول. يمتح في ذلك من مخزونه الثقافي الواسع أكثر.

وتمتع شوقي بصفات اجتماعية ونفسية حميدة؛ منها أنه كان  لا يعرف المواربة أو بعبارة أصح لا يعرف النفاق ولا الرياء، ولو كان مما يسمى النفاق الاجتماعي؛ ما عهدته يقول شيئاً في الخفاء ويستحيي أن  يذيعه في العلن. فكم من مرة كان يُسِرَّ إلي بشيء كنت أظنه للاحتفاظ، فإذا هو يصرح به على الملأ. ربما نكون في حديث خاصّ بيننا ، ويدخل علينا في أثنائه داخل، فيتابع فيه دون تريّث.

وإذا كان هذا ديدَنه عموماً، فإنه كان في المهمة الموكلة إليه في النشر أشدَ صراحة. فربما أتاه كتاب لمؤلف فوجد فيه هفوات وسقطات فعندئذ يبادر إلى النصح لصاحبه، لا يمنعه مكانة الرجل الاجتماعية ولا العلمية لأنه يشفع كلامه بالحجة.. وقد يجادل بعضُ المؤلفين تلقاء ما يفجؤهم به الدكتور شوقي، وحينذاك يتكلم معه كلام لجان المناقشات في الأطروحات الجامعية، يجادله بجدال العلم الذي يقفه عند حده.

ومن هنا رأى بعضهم فيه حدّة وشدّة، هي حدّة الحق وشدّة العلم.. لكن الرجل في حيواته الأخرى كأصفى ما يكون صفاء وألين ما يكون ليناً، إذا أخذ نفسه فيما يأخذ به المرء نفسه في حياته الاجتماعية؛ يمتعك بطرائفه وفكاهاته ولطيف تعليقاته، ويقبل منك مثل ذلك، ويحتملك مما يصدر عنك ما شاء الله له أن يحتمل. ذلك لأنّ عاطفة الوفاء المستحكمة في قلبه تدفعه إلى مثل ذلك ويرى في أصدقائه صورة نفسه فيفرح لفرحهم، ويتألم لألمهم ويحتمل سقطاتهم..

ومن اجتماعيات شوقي رقة في قلبه كان يتأثر كلما سمع بخبر مزعج بحق الأمة، سالت عيناه لأحداث العراق، بكى من أجل غزة، أرقته أحداث لبنان.

ولم تكن رقة نفسه للأمة فحسب، بل كانت للأفراد، يمد يد المساعدة لمن يحتاج  حاجة حقيقية، فربما سعى بشراء بيت لأسرة، أو عمارة منـزل لرجل مضطر، ولئن كان لا يملك في يده ما يدفعه له، سارع فدّل على مساعدته، وحصَّل له الكفاية..

كلام كثير في جعبتي عن الرجل، ما أرى هذه الكليمات تعبر عنه وإنما هي عنوانات من أجل الذكرى، لأن لجام الوقت يمنع من الاسترسال.

 رحمك الله يا شوقي، وسقا الله تلك الأيام ، التي جاء بعدها أوقات وضعت في الحلق غصة وفي القلب لوعة.

جزاك الله خيراً كفاء ما قدمت وما أعطيت.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكـة سـامر

بـلى نحـن كنا أهلـها فأزالـنا

صروف الليالي والجدود العواثر

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.