حمى الاستهلاك ... رؤية نقدية في حوار مع الآخر

الاثنين, June 12, 2017
كاتب المقالة: 

تحدث فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب،إمام وخطيب المسجد الحرام في خطبة الجمعة الماضية، عن داء الإسراف الذي ذمّه القرآن الكريم في ثلاثة وعشرين موقعا ونظيره التبذير، وهما من التصرفات المشينة التي نهى المولى عز وجل عنها كما في قوله تعالى ((وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ))، وقوله عز وجل((.. وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ..))، وتطرق فضيلته إلى أن من أخطر صور الإسراف هدر المياه والكهرباء. والحقيقة أن الإسراف والتبذير لا يقتصران على إضاعة المال، وهو المفهوم الشائع، بل يشملان موارد أخرى مثل الماء كما هو واضح في نهي الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام عن الإسراف في استعمال الماء وإن كان الواحد على نهر جار.ومن المناسب في العصر الحالي أن يتسع مفهوم الإسراف والتبذير ليشمل استهلاك كافة الموارد الطبيعية؛ مثل المحيطات والبحار والأنهار والغابات والمراعي والسهول والصحاري والهواء النقي والفضاء وأشعة الشمس والثروات الحيوانية والنباتية وأنواع الحياة الفطرية ومصادر الطاقة الأحفورية والمتجددة والثروات المعدنية، بل حتى صحة الإنسان ووقته وطاقته الجسمية والفكرية. وبالإضافة إلى ما يؤدي إليه الإسراف من استنزاف لهذه الموارد وضياعها فإنه أيضا يشمل ما يصيبها من تلويث وتلف بواسطة النفايات والسموم التي يلقيها الإنسان في الكون.ومن المناسب أن يتم الربط بوضوح بين ضياع هذه الموارد وطريقة الحياة المادية المترفة التي يعيشها الإنسان الحاضر، خاصة في الدول الغنية التي أصبح من مظاهرها الأساسية التمادي في الاستهلاك بما يتجاوز حاجة الإنسان الفعلية حتى صار الإسراف في الشراء والاستهلاك مرضا شائعا، بل إدمان يصعب التخلص منه. وقد تم اختراع مصطلحات جديدة لتسمية هذا الوباء مثل مصطلح الأفلونزا "Affluenza " في اللغة الإنجليزية، ومعناه وباء الترف الناتج عن الوفرة وما يصاحبه من إسراف جائر في الشراء والاستبدال وما يعقب ذلك من إتلاف ورمي، وكل ذلك يندرج تحت ما يسمى (حمى الاستهلاك).أعادني الحديث عن الإسراف والتبذير في خطبة الجمعة إلى كتاب (حمى الاستهلاك) للكاتبة سحر سهيل المهايني العظم، الذي يحوي ترجمة لكتاب (الأفلونزا) لـ: جون دو جراف، وديفيد وان، وتوماس نايلور، وقد تعدت الكاتبة نطاق الترجمة بإدراجها حوارا وهميا مع المؤلفين لتقديم وجهة النظر الإسلامية التي تتماشى مع دعوتهم لمجتمعهم الأمريكي إلى التخلص من مرض الاستهلاك المستشري فيه، واستفاضت في إدراج عدد كبير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تؤكد وفرة ما يقدمه الخطاب الديني الإسلامي في هذا الموضوع الحيوي، مثل قوله تعالى ((أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ))، وقوله ((قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا..))، وقوله ((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ))، وقوله ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ..)). كتاب (حمى الاستهلاك) أو (الأفلونزا) يشمل ثلاثة أقسام، القسم الأول يستعرض العوارض المرضية، والقسم الثاني يستعرض أسباب هذا الوباء، أما القسم الثالث فيختص بالعلاج. أما العوارض فتشمل حمى التسوق وازدياد المجمعات التسويقية في أعدادها وضخامتها، طفح المديونيات والإفلاسات بسبب ثقافة "اشتر الآن وادفع لاحقاً" مع الاستخدام المفرط لبطاقات الائتمان، انتفاخ التطلعات، ضغط الإفراط حينما يأخذ الاستهلاك طابع الإدمان، الآثار النفسية لفرط الاستهلاك والحرص على الماديات، أثر ثقافة التغيير والاستبدال المستمرين على العلاقات الأسرية والاجتماعية، استنزاف الموارد الطبيعية، فرط الإنتاج الصناعي لمواد كيميائية غير مأمونة العواقب. ومن الإضافات التي أدخلتها الكاتبة، حديثها عن البذخ الزائد في الأعراس في الدول الشرقية، وعن استغلال بعض المسلمين بطريقة سيئة لمفهوم تعدد الزوجات المشروع في الإسلام.أما عن أسباب الوباء فيرجع الكتاب ذلك إلى "الخطيئة الأولى" وهي الطمع، وإلى حب التفاخر على الآخرين، وإعطاء أكبر قيمة للماديات.وقبل الحديث عن العلاج يقدم الكتاب خمسين سؤالا إلى القارئ لتأكيد الإصابة بمرض (الأفلونزا) أو نفيها. أول هذه الأسئلة: هل تذهب للتسوق كعلاج إذا ما انتابتك حالة من الضيق، الملل؟ وثالثها: هل تحاول لفت أنظار أصدقائك من خلال الحديث عما تملكه أو عن مكان عطلتك؟ ومنها: هل غالبا ما تتسوق عن طريق الدين أو بالتقسيط؟العلاج يكمن في تغيير نمط معيشتنا وطرق التصنيع والنتاج نحو أنماط أقل تلويثا وأكثر استدامة، بعد رسوخ اقتناعنا التام بحجم الضرر الكبير الذي يوقعه نمط الحياة الاستهلاكي على كوكب الأرض وما أنتجه من كوارث ضخمة مثل الاحتباس الحراري والتلوث المائي وغيرها. حمى الاستهلاك لم تتجاوز مجتمعاتنا العربية والإسلامية بل انتشرت فيها انتشار النار في الهشيم، ومن المفيد لهذه المجتمعات الاطلاع على التجربة الغربية في الإصابة بهذه الحمى والاستفادة من الدروس المكتسبة للوقاية من مثل هذه الإصابة أو علاجها.

المصدر: 
جريدة عكاظ
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.