حوار مع الباحث اللغوي السوري الدكتور مازن مبارك

الأحد, December 18, 2016
كاتب المقالة: 

من يرى الخطأ تطوراً لا يعرف الفرق بينهما..الباحث اللغوي السوري مازن مبارك: لا بد من وجود سياسة لغوية يخطط لها في جملة ما تخطط له الدول من سياسات اقتصادية واجتماعية

يعتبر د. مازن مبارك (مواليد دمشق 1930). احد أهم الباحثين في اللغة العربية، عمل أستاذا في عدد من الجامعات العربية (دمشق ، الجامعة اللبنانية ، جامعة الرياض ، جامعة قطر ، كلية الدراسات العربية والإسلامية بدبي).. له عدد كبير من الكتب تحقيقا وتأليفا منها: الرماني النحوي ، النحو العربي (في تاريخ النحو والعلة النحوية) ، مقالات في العربية ، نظرات وآراء في العربية وعلومها ، الإيضاح في علل النحو للزجاج، الحدود الأنيقة للشيخ زكريا الأنصاري ، أشهر الأمثال للشيخ طاهر الجزائري..... وغيرها. التقيناه في مكتبه في مجمع اللغة العربية في دمشق وكان الحوار التالي..

* كثر الحديث حول مصطلح اللسانيات والتطبيقات الألسنية التي تتفرع من ذلك؟

** اللسانيات من جملة المصطلحات التي دخلت ساحتنا الثقافية في العصر الحديث, والاسم نفسه يدل على الاشتراك بين اللغات في ساحة الدرس اللغوي صوتيا ونحويا وصرفيا ودلاليا, وكان هذا جديرا بعلم اللغة العام أو علم اللغة المقارن, وأنا مازلت ادرس اللغة العربية تحت مسمى "فقه اللغة".

ولا أرى مانعا من أن يفيد الدرس العربي اللغوي لكل ما تقدمه اللسانيات من تطبيقات, وان كنت رأيت في بعض ما كتبه اللسانيون العرب في البلاد المغاربية جهلا بخصائص العربية وجورا عليها, وأعجبت بمن أحسن الإطلاع على اللسانيات واختار في التطبيق ما تفيد العربية منه علما وتعليما.

* تواجه العربية تحديا كبيرا ذلك أن التطور الشامل والسريع للعلوم يغرق العربية بطوفان من المصطلحات والمفاهيم ومع هذا فإننا نخطو ببطء شديد؟

** دعونا إلى تعليم العلوم بالعربية منذ خمسين سنة لتصبح العربية لغة علم, ولتدخل الأمة كلها عصر العلم, فتردد الجامعيون ولم يستجب القادة, وهم لو فعلوا لكان الوضع اليوم أحسن بكثير مما هو عليه. وصحيح أن تعريب المصطلحات بطيء ولكن هذا لا يمنع من جعل المادة العلمية الدرسيَة باللغة العربية. لو عربنا العلوم لأصبحت لغة عالمنا بخطبائه وأعلامه لغة عقل وعلم لا لغة شعارات وعواطف إن اللغة العربية تفرض أسلوبا علميا وعقلية علمية.

* ما الخطوات العملية في هذا الميدان وهل يمكن تطوير اللغة دون تطوير العلم والثقافة تطويرا شاملا؟
** إن اللغة جزء من حياة الأمة, متصلة بها, متطورة معها ترقى برقيها وتتخلف بتخلفها, ولابد أن توضع سياسة لغوية تخطط الدول العربية لها في جملة ما تخطط من سياسات اقتصادية واجتماعية. لطالما تمنيت أن تبادر الجامعة العربية إلى إنشاء مجلس قومي أعلى للغة العربية, لأن الموضوع اللغوي ليس موضوعا قطريا ولا سياسة محلية ولكنه موضوع قومي وحدودي عام شامل للعرب من المحيط إلى الخليج.

* التبسيط والتيسير له دعوات كثيرة في النحو والصرف والكتابة ما الحدود التي يمكن أن نسلكها في هذا الميدان تقريبا دون أن نبتعد عن الأساليب أو نجور عليها؟
** هذه الدعوات التبسيطية في النحو وغيره انبعثت منذ قرن وأكثر, ومازالت تتعالى مؤذنة بأن ذلك أصبح من الأمراض المزمنة عندنا, وما أكثرها! لابد من تجديد يساير عصرنا ولا يقطع أصلنا وذلك يكون: بالتفريق بين ما نعلمه للطلاب العامة وما نعلمه للطلاب المختصين باللغة العربية. وبتخفيف المناهج النظرية في النحو بين المستويين الابتدائي والإعدادي. وبالاستغناء عن كل ما لا يفيد في النطق من موضوعات النحو. وإهمال الجزئيات كإعراب صيغتي التعجب وتوابع المنادى وغير ذلك. أن نستعمل اللغة التي نعلم بها الطلاب قواعدها, لان القواعد للفصيحة, والألسنة للعامية!!
* تخضع كل اللغات للتغيير والتبدل والتطور والعربية واحدة من هذه اللغات. ويرى البعض إن ما يعتبر من الأخطاء الشائعة هو شكل من أشكال التطور اللغوي سواء أكان ذلك في الدلالة أو في الصيغة أو الأسلوب ؟

** إن من يرى الخطأ تطورا لا يعرف الفرق بينهما, وقد كتبت في مجلة الفيصل منذ ربع قرن مقالا عنوانه "اللغة العربية بين التطور المفروض والخطأ المرفوض" ولو أننا جعلنا كل خطأ تطورا, وكل خطأ مشهور جعلناه خيرا من الصواب المهجور, لقضينا على اللغة ورفعنا السدود بين الخطأ والصواب وهدمنا الحدود بين الضلال والهدى, وما من امة في الدنيا تقف من لغتها هذا الموقف المعيب المهين.

أما التطور الدلالي فهو مقبول في الحدود المعروفة في أسباب تطور دلالة الألفاظ من خاص إلى عام, أو العكس, ومن الراقي إلى الوضيع, أو العكس, وغير ذلك من الأسباب.
* يهاجم بعضهم التراث الشعبي دراسة وإبداعا بحجة أنه يتضمن إحياء للعامية مع أن المطلوب هو حفظ التراث الشعبي لا إحياء للعامية. ما رأيكم ؟

** لا يجوز أن نقبل تدوين العاقبة باسم التراث الشعبي, وما لابد منه أن نلجأ إلى حفظه كما تحفظ الوثائق التاريخية, يتاح الإطلاع عليها للدارسين, وأما نشرها وتداولها فمرفوض, ولو أن تراث ما من تراث أمتنا يفرقنا إذا أحييناه, ويقضي على وحدتنا إذا عاش فدفنه أولى من حياته.

* ما دور وسائل الإعلام الجماهيرية في نشر لغة عربية صحيحة؟

 ** لو صدقت نية الإعلام ووسائله لكان أعظم مدرسة واكبر جامعة لنشر الوعي اللغوي, وإذاعة اللغة العربية الصحيحة التي تحبب السامعين بانطلاقها ودقتها وبيانها وحلاوتها

المصدر: 
صحيفة الوطن العمانية
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة