حواس حروف الطائي في "مدينة الكلمات"

الأحد, May 7, 2017
كاتب المقالة: 

مدينة الكلمات تشبه امبراطورية مترامية الأطراف، قاطنوها عبارة عن حروف تجتمع في كل مرة بطريقة ما، تفرض نفسها على الكاتب، ويفرض الكاتب على هيكلها النهائي ما يريد قوله، إلا أن مركز استقطابها يبقى محددا في نقطة واحدة، بإمكان المرء استشراف آمادها وليس بإمكانه إبعاد النقاط في محاولة الوصول إلى مركز الاستقطاب والتفاعل معه.

وضعت هذا العنوان (حواس حروف في مدينة الكلمات) ليكون الإطار الذي أقرأ فيه بعض جوانب سلسلة إصدارات عبدالحميد الطائي التي أعدت قراءتها أكثر من مرة، فأضطر مرة للتوقف عند كلمة لأربطها بالموضوع الذي وردت فيه، ومن ثم أعود بها إلى القالب المعرفي ضمن الكتاب، وبعد ذلك أرسم طيفًا شفيفًا لذلك العنوان، الذي اختاره الطائي لسلسلة كتاباته (حواس حروف) والتي بدأت في كتاب (لاتح) الذي صدر عام 2008, وفي الإهداء الخاص بي كتب الطائي (في البداية كان الحرف). وعلى الغلاف الأخير من الكتاب يطرح سؤالًا في عدة كلمات:

(حِينَ يُولَدُ حَرْفٌ،

تَكْتَمِلُ الْكَلِمَةُ.. وَحِينَ

تَكْتَمِلُ الْكَلِمَةُ

تُولَدُ الْجُمْلَةُ..

مَا الْجَدِيدُ فِي ذَلِكَ؟)

 

عند ذاك على المرء أن يبحث عن جواب ضمن صفحات وكلمات الكتاب، فتضطر العودة لتتأمل الصورة والمعنى, ماذا قال الكاتب؟ وماذا أهمل متعمدًا؟ وماذا لامس من الحروف؟ وماذا قال في صمته؟ لكي تحصد ألف جواب وتضعها في بيدر واحد، ومن ثم تخرج سنبلة واحدة تراقبها بالدقة المتناهية، لأنك لا تستطيع أن تهمل بذرة واحدة من ذلك البيدر، إذ إن كل ثمرة عقلية تتجسد في بيدر المعرفة، لذلك فإن العقل يتأثر بما يجد من حواس حروف في محيط المفردة والجملة والإيقاع البصري، الذي يلازمها، وأجد في الكثير من كتابات الطائي ما قاله الفيلسوف (أندريه لالاند): فمن العقل أن تصير على بصيرة وعدل، ومن العقل أن تنزل بنفسك منزلة المنصف النزيه، ومن العقل أن تحكم بين الناس وبين نفسك كما تحكم بين شخص وآخر. وفي هذا الزقاق من (مدينة الكلمات) يقول الطائي:

(لا تُعَادِ صَانِعَ

مَعْرُوفٍ، كُن مَعَهُ

مُتَسَامِحًا).

وفي زقاق اخر يقول:

(بُيُوتٌ عِمَادُهَا عِلْمٌ،

لا تَنْهَارُ.. بِكَبْسَةِ أَزْرَارٍ).

 

أزقة متململة أخرى

في مدينة كلمات الطائي تجد أزقة زاخرة بالتأمل والهدوء، وأخرى صاخبة وثالثة متململة، تصادفك في شوارعها شبه ومضة تتوزع على الكثير من المحطات التي حرص عبدالحميد الطائي على الوقوف عندها، مشيعًا عربات قطاراتها المسافرة إلى البعيد بنظرات تأملية مستغرقة بالبحث بين الثنايا وفي الذؤابات.

من اللافت أنه يكتب عن (الثورات العربية) قبل عدة أعوام من بدء ربيعها المتداول الآن، هذا العنوان الذي يملأ صفحات الصحف وأخبار الفضائيات وأسطر المقالات والتعليقات، وتحت عنوان (الثورات العربية) يقول:

(صَوْبَ السُّهُولِ..

غَارِقَةً فِي وَهْمِ مَوْجَةٍ

قَدْ يَأْتِي بِهَا الْجَبَلُ

السَّاكِنُ بِمَوَدَّةِ أَهْلِهِ).

 

أستطيع القول إن كاتبًا أو مفكرًا أو باحثًا عربيًّا أو أجنبيًّا, لم يقرأ الواقع في الوطن العربي من نافذة (الثورات أو ما يسمى الربيع العربي), ولا أذكر أنني قرأت هذا العنوان خلال السنوات الماضية إلا في الكتابات التي تتحدث عن الماضي, ويأتي ذكره في سياق الحديث عن الثورات القديمة والانقلابات العسكرية التي يطلق عليها البعض بـ (الثورات) التي شهدتها بعض الدول العربية ابتداءًا من انقلاب حسني الزعيم في سوريا في الثلاثين من مارس (آذار) عام 1949, وبعدها ثورة يوليو في مصر عام 1952 وسلسلة الانقلابات والثورات اللاحقة التي حدثت في العراق وسوريا وليبيا والسودان وتونس وغيرها من الدول العربية. توقفت عند هذه النقطة بالذات وأعدت قراءة النصوص التي سبقته، ووجدت أن الطائي ينبش في العمق من خلال المفردة وأدواته في ذلك, الحروف والكلمة والجملة القصيرة, يلقي بكل ذلك تحت عنوان واضح, وبين ثنايا الكلمات تجد نبض الحروف المتلاصقة والمتوهجة في الوقت ذاته.

إن الفصل أو الصفحات التي ورد فيها عنوان (الثورات العربية) اختار لها الكاتب عنوان (كيف؟!) وحرص على أن يضع علامة التعجب ويبرزها بوضوح بعد علامة الاستفهام، وضمت ثمانية مقاطع على شكل ومضات هي: التأريخ العربي, التأريخ, الانتداب الأجنبي, الثورات العربية، نماذج لاحقة, الثروة العربية, العلوم العربية الحديثة, الواقع (من واقعة الجمل حتى الآن).

في مقطع (التأريخ) يقول الطائي:

(الأَيَّامُ تَمُرُّ،

لا ذَاكِرَةَ لَهَا،

نَحْنُ مَنْ يُدَوِّنُ لِلذِّكْرَى

دُونَ أَنْ نَعْتَبِرَ).

 

في قراءة لما حرص الكاتب على بثه في مدينة كلماته, نجد أنه رمى الانتداب الأجنبي بعد التأريخ العربي وقبل الثورات العربية، وفي عنوان لافت حقًّا يرسم بكلمات عديدة صورة أخرى لحقبة أخرى يسميها (نماذج لاحقة). ورغم أن الطائي لم يصرح أو يتحدث لوسائل الإعلام بعد الذي حصل في بعض الدول العربية منذ بداية العام الماضي 2011 من أحداث ولم يقل إنه تنبأ بوقوع هذه الأحداث التي أطاحت بأنظمة وما زالت تعصف بالبعض الآخر، إلا أن اختياراته التي قد تكون بريئة وفي خانة (الإبداع) والقراءة الاستشرافية, تضع قطارات مدينة الكلمات ومحطاتها في سياق الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية وما زالت، إذ يكتب برمزية واضحة بعد (نماذج لاحقة) عن (الثروة العربية).

 

يقول في هذا الزقاق المهم من مدينة الكلمات:

(شَمْسُنَا تَتَصَبَّبُ عَرَقًا بَارِدًا

لأَفْوَاهِ النَّقْمَةِ

وَعَبَدَةِ الْقَمَرِ الْحَالِمِ

بِوِرَاثَةِ الشُّرُوقِ

قَبْلَ غُرُوبِ آخَرِ غَسَقٍ

وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ عَلَى رُوحِ

"فَقِيدَةِ النُّورِ"

فِي سَاحَاتِ الظَّلامِ الدَّامِسِ ظُهْرًا).

 

فإذا حاكمنا فكرة النص وموضوعه في ضوء المفردات، نجد أن الشمس تتصبب عرقًا باردًا تتبعها أفواه النقمة، وهو المحرك الأساسي للاحتجاج، فقد تصدر الجوع في زمن غياب تنمية حقيقية وانتهاك الحريات التي تصدرت قائمة مطالب المحتجين والمطالبين في (ساحات التحرير) في بعض الدول العربية، وقد ختم فيها رصده للثورة العربية بقوله:

(في ساحاتِ الظَّلامِ الدَّامِسِ ظُهْرًا).

كما يضيف الطائي أزقة مهمة لمدينة كلماته التي توقفنا عندها وهما زقاق (العلوم العربية الحديثة) التي يمكن إحالتها فورًا إلى وسائل الاتصال الحديثة ودورها في الثورات العربية، ومن ثم (الواقع) الذي ربط فيه ما يعانيه الشارع العربي الآن بأعماق التأريخ العربي والإسلامي.

زقاق معتم

بحرقة وألم يجول الطائي في أحد أزقة مدينة الكلمات بحروفها المعبرة, ويكتب الكلمات زاخرة بالألم والمرارة تحت عنوان (احتلال بغداد يبث مباشرة على الهواء), ولا ينسى الطائي واحدة من أسوأ صفحات التاريخ عندما يضع المحتل الأميركي واجهة الحكم في العراق بعد احتلاله عام 2003, فيكتب عن زقاق صغير بحجمه مؤلم بوجوده إنه (مجلس الحكم الانتقالي) في إشارة إلى سلطة الحكم التي صنعها المحتلون الأميركيون في العراق في يوليو 2003 بعد الغزو الأميركي للعراق, وفي توصيف يزخر بالسخرية الممزوجة بالمرارة يختار مقطعًا بعنوان (بريمر العرب), في إشارة للحاكم المدني الأميركي للعراق بعد الغزو (بول بريمر), وبكل صراحة ووضوح يطلق الطائي عليه (بريمر العرب).

نحن هنا أمام التأريخ العربي والانتدابات ثم الثورات التي جاءت في سياق كلمات تتمدد في مدينة رسمها الطائي في حدود عالم تتجاوز الافتراضية الشعرية، أو زوايا الحكمة والرصد والتعبير، إلى واقع يتحدث إلى نفسه بأحداث يعيشها الجميع ويتفاعل معها الكثيرون.

في أحد الأزقة النائية يقتنص الطائي لحظة هاربة، ويقول كلمة عن (العراق), أخذ الكثيرون الآن وبعد أربع سنوات من إطلاقها يرددونها في كل يوم، إذ يقول عن العراق:

 

(اَلْعِرَاقُ الآنَ؟

بَلُّورَةٌ..

كَسْرُهَا يَعْنِي الإِقْرَارَ بِذَنْبٍ).

 

 

أزقة متباعدة

في مدينة كلمات الطائي يدهمك أكثر من هاجس, تلمس فيها التوجس والتوتر وفي الوقت نفسه تجد الشجاعة في طرق جميع الأبواب، فالحرف الذي يشكل الكلمة لا يتوقف عند الطائي في محطة واحدة, رغم إحساسك أن أكثر من عربة تتحرك بأكثر من اتجاه وفي آن واحد. ويختار في هذه الواحة الواسعة عناوين منها (أوطان, حدود, سجون, حكومات, شعوب, دساتير, تمرد, حروب, وئام, واحتلال).

مدينة كلمات الطائي تجد السياسة تسبح فوق موجة الحياة اليومية. ومن بين ما تتميز به هذه الومضات المعبرة, أنها ترمي بمعانيها وفق ما يعيشه المرء, فقد يتفاعل معها شخص اجتماعيًّا, وآخر يتعاطى معها سياسيًّا، وثالث يغوص في دهاليز الروح، لهذا فإن التفاعلية في كتابات عبدالحميد الطائي لا تتوقف عند حقل واحد أو زاوية معينة, هو لا يفرض على المتلقي ما يقول، كما أنه لا يرفض الرغبة التفاعلية للقارئ، مثلًا تجد في قوله:

(لا خَائِنَ يَطَأُ أَرْضًا ..

دُونَ احْتِمَاءٍ).

أيضًا:

(لَبِقُ الْقَوْلِ..

قَدْ يَتَصَنَّعُ).

في هذه الجزئية من (حواس حروف) الطائي تتجسد المعاني الدقيقة والعميقة للعنوان الذي اختاره الكاتب, فالعلاقة إيحائية بين الحاسة والحرف, وتكاملية في المعنى وفي التأثير، قد يتوقف عند حدود محطة أو محطات كثيرة, متباعدة وقد تكون متناقضة ومترامية الأطراف إلا أنها تلتقي في نقطة استقطاب واحدة.

مدينة كلمات العاقل

يسبح الطائي في المحطة الأخيرة من (لاتح) ليطرق مئة وثماني نوافذ, في كل واحدة منها إطلالة على لحظة ساكنة, للوهلة الأولى, تشعر أن الومضات الزاخرة بالمعرفة أقرب إلى الثوابت الصارمة:

(لا تُحَابِبْ.. فِي مَسْلَكِ الْحَقِّ).

(لا تُحَاوِرِ النِّفَاقَ..

قَبْلَ إِعْلانِهِ).

إلا أن الاستغراق في عوالم الحروف يجعلك تشعر بأنك إزاء محطات تكاملية لا يفصل بين الواحد والأخرى سوى الأرقام المثبتة, أما المعنى فهو تراكمي, تعليمي, وأحيانًا اقتحامي بالقوة الناعمة, أو بسلاح لا تراه على الإطلاق، ويستخدم الطائي مفردات تقترب من جوهر الموضوع الذي يناقشه بالحروف والكلمات والعبارة المقتضبة, يكون المدخل بكلمة واحدة تتمحور حولها أفكاره أو طروحاته, ويعتمد صياغة بنائية غير مألوفة في الشعر الحديث وحتى في بنائية القصيدة العمودية، فهو لا يقول شعرًا, أو هكذا يشعر القارئ إنه يلامس الشعر ويلامس النثر, إلا أنه سرعان ما ينتقل إلى عالم محسوس, تلتئم فيه المفردات لتبني صورة أخرى.

أستطيع القول: إن الطائي خاض في تجربة تربك الناقد, فالقوالب التقليدية التي يمكن من خلالها محاكمة الشاعر أو كاتب النصوص النثرية, لا تجدها في كتاباته, كما أنك لا تستطيع أن تستل هذه الكتابات وتنقلها خارج إطار الإبداع الأدبي، ولا تستطيع إدراجه ضمن فن القصة ـ الومضة ـ وبهذا فإن محاكمة نصوص (لاتح) ليست بالسهلة, فإذا أدخلتها في هذا الطراز من الكتابة تجد خروجًا على تقاليدها, وإذا أردت الخروج بها إلى فن آخر, تواجه صعوبة في الكثير من المدارس التقليدية المعتادة. ولا أدري إذا يحاول الطائي تأسيس مدرسة في الكتابة, تخرج عن كل ما هو تقليدي وينزع إلى إضافة أسلوب جديد للقصيدة الحديثة, التي أدخلها إلى الشعر العربي بدر شاكر السياب منذ أواخر اربعينيات القرن الماضي بعد تأثره بالشاعر العالمي (تي.سي. اليوت) صاحب القصيدة الشهيرة (الأرض اليباب), أم أنه يريد الغوص والاستغراق في حلم معرفي بإطار اللغة والحروف ومقترباتها.

بدون شك إن تجربة عبدالحميد الطائي في سلسلة (حواس حروف) من التجارب الغنية، كما أنها من أشكال الكتابة الشائكة في بنائها، وفي إخراج المعاني من الهيكل النهائي إلى فضاء آخر.

 

*كاتب عراقي

wzbidy@yahoo.com

 

الوطن العمانية 18 مارس 2011

ـــــــــــــــــــــــ

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة