خطاب التجديد الإسلامي

الثلاثاء, February 2, 2016
كاتب المقالة: 

 في غمرة بحثنا عن أهمية تجديد الخطاب الإسلامي تستوقفنا جدليتان: أولاهما جدلية الثبات والتغير، وثانيتهما جدلية التجديد والتجميد، وكلتا الجدليتين تصادفان مواقف متباينة في المجتمعات؛ فبالقدر الذي تتململ فيه المجتمعات من الركود والثبات، وتبدو تواقة إلى التجديد والتغيير؛ فإنها لا تخفي خوفها منهما، وإيثارها الإخلاد إلى الراحة والسكون. كأنها لا تريد أن تتحمل أعباء التغيير والتجديد، وتود لو ألقت بها على عواتق النخب المغامرة، فإن نجحوا قطفت هي الثمرة، وإن أخفقوا نعمت هي بالراحة، ولو في ظل العفن والنتن والتخلف.
إن هذا الخوف من تبعات التغيير لا يقتصر على العامة في المجتمعات الراكدة، بل إنه يعتري بعض النخب الفكرية والاجتماعية والدينية، حتى إنك لا تكاد تطرح الموضوع أو تلامسه حتى يهبوا في وجهك منافحين عن الموروث والراهن، وكأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.
وإذا كان الركون إلى المألوف والمعتاد يسوِّغ للعامة هذا الموقف فما الذي يمكن أن يسوغه للنخب المثقفة التي يفترض فيها أن تكون الأوعى؟!
أما إذا عدنا إلى القرآن العظيم نبحث فيه عن الموقف الذي يتبناه ويدعونا إلى تبنّيه، فسنجد فيه:
1-دعوة صارخة إلى التغيير، تربط الواقع المعيش بالفكر الذي ينتجه، وتجعل مفاتح الحل في الذات قبل الآخر (أَوَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) [آل عمران:3/165]، و(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) [ الرعد:13/11] مما يعني أن المصائب المعيشة هي في نظر القرآن حصيلة الفكر السائد، وأن البحث عن سبل الحل يجب أن يكون خارج هذا الفكر الذي أنتجها.
2-إنكاراً لاذعاً على من يتمسكون بفكر الآباء، ويستمدون منه دليلاً على الصحة، فيقول لهم في لهجة ساخرة:( أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) [البقرة:2/170] تتكرر في آيات كثيرة، حتى إننا لنستطيع أن ننحت منها مصطلحاً قرآنياً هو (الآبائية) الذي يعني فكر الآباء وعاداتهم وتقاليدهم، فلا يذكر القرآن الآباء إلا في موضع الذم والإنكار.
3-تحذيراً شديداً للمسلمين من الوقوع في داء الأمم قبلهم، وهو ما أُطلق عليه مصطلح قرآني آخر هو (طول الأمد)، ومعناه: الوقوف على حال واحدة مدة طويلة من الزمن، من دون مراجعة ولا تعديل ولا إضافة ولا تجديد.
يجيء ذلك في نص دافئ ملؤه الحنو والإشفاق والتخوف: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) [الحديد:57/16]. إن تنزُّل هذا النص القرآني في وقت مبكر لا يزال المسلمون فيه قريبي عهد الإيمان، يشي بأن هذا الداء داء مستشر تقع فيه سائر الأمم على أيدي أتباع الرسل، الذين يحجبون الرسالات بهالة من التقديس تؤدي بها إلى التحجر والتكلس والتجمد حتى تتعطل عن إنتاج مفاعيلها، مباشرة بعد كل إقلاع حضاري لها على أيدي الرسل الذين ما أتوا إلا بالتجديد والتغيير، يقارعون لأجلهما بالحجة والبلاغ المبين، ويتحملون في سبيلهما- بصبر جميل- كل أذى واضطهاد وتهديد حتى إذا استيأسوا جاءهم نصر الله، سنة من سننه التاريخية التي لا تتخلف ولا تخطئ.
والآن، وقد انقطع وحي السماء، وأُسلم زمام التغيير للعلماء ورثة الأنبياء، فهل سيخرجون من داء الآبائية واجترار الماضي ليضطلعوا بأعباء التجديد والتغيير وليوقظوا الأمة من سباتها؟!

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.