خطف الأفكار وتحويل المسار

الاثنين, November 30, 2015
كاتب المقالة: 

 في 1959/4/24 كتب مالك بن نبي في أوراقه الخاصة: " لقد تحققت لي مأساة كتابي (فكرة الإفريقية الآسيوية) الذي قدمت فيه للأمة العربية؛ آلية عمل في مؤتمر باندونغ، تضعها على مسار الفعالية في الصراع العالمي الدؤوب، لكن العرب في باندونغ اكتفوا بإلقاء الخطب السياسية؛ بينما اختطف بن غوريون الفكرة، وافتتح لها في تل أبيب (المعهد الإفريقي الآسيوي)؛ للتواصل مع قادة دول آسيا وإفريقيا، ولتحويل مسار الفكرة لخدمة إسرائيل".. هكذا تجهض الأفكار لدى الأمم التي تعيش خارج الدوْرة الحضارية؛ لتتلقفها أمة منخرطة فيها.. وهكذا ضاعت فلسطين، وتبلدت أحاسيس العرب والمسلمين حول مأساتها!!
وبالأدوار ذاتها، بعد ستين عاماً من باندونغ، استطاعت إسرائيل تحويل ما دعي بالربيع العربي؛ إلى خريف، تساقطت فيه كل الأوراق، وتبددت طاقات الشعوب العربية المتطلعة إلى الحرية والتقدم، وتحولت فيه وجهة بنادقها من حراسة أوطانها ضد أي عدوان خارجي، إلى تدمير أوطانها، وفصم وحدتها، وتفكيك بنيتها، وتهجير أهلها، واقتتال من بقي فيها فيما بينهم، ليكْفوا إسرائيل مشقة حربهم، وليقتلوا من أنفسهم في بضع سنين أضعاف ما قتلت إسرائيل منهم على مدى أعوامها الستين!!
وفي الوقت الذي نجد الإنسانية فيه أحوج ما تكون إلى رسالة الإسلام؛ التي تتسم بالعالمية في عصر العولمة، وإلى التلاحم والتوحد في مواجهة التعصب الطائفي والمذهبي؛ بما يملكه الإسلام من اعترافٍ كامل بكل الأديان السماوية (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) [البقرة2/136] وحرية اعتقادٍ (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) [البقرة2/256]، وترحيبٍ بالتعدد والاختلاف (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) [هود11/118-119] ودعوةٍ للحوار ( تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران 3/64]، وفتح باب الجنة أمام الجميع ( مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة 2/62].
هكذا في الوقت الذي دقت فيه ساعة الإسلام، ليقدم برامجه المتوازنة للبشرية المتعبة؛ الخارجة لتوها من عصر الصناعة ومطارقه الثقيلة؛ لتنخرط بشغف وبسرعة مذهلة؛ في عصر المعرفة وأدواته الفكرية؛ المتمردة على سائر قيود الزمان والمكان..
هكذا!! وفي هذا الوقت بالذات؛ يطلع علينا أمير مؤمني داعش بجبته وعمامته السوداء؛ يبشرنا بقيام انتحارييه (الحشاشين) بهجماتهم الانتحارية في باريس؛ يقتلون العشرات من الناس غير مبالين ولا هو مبالٍ بقانون الله تعالى (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيا النّاسَ جَمِيعاً) [المائدة 5/32].. فعلوا فعلتهم النكراء ليؤلبوا العالم كله ضد رسالة الإسلام السامية (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء 21/107]، وضد المسلمين كلهم؛ المهاجرين منهم والمقيمين في أوطانهم على حد سواءٍ؛ يأخذونهم بجريرة الدواعش (خوارج العصر)، ويضطرونهم إلى التواري عن الأنظار؛ خوفاً وخجلاً مما فعل السفهاء منهم؛ المنتمون إليهم زوراً وبهتاتاً.
لقد آن الأوان لخروج كل المسلمين عن صمتهم الذي تنامت داعش وأخواتها في ظله، ولجهرهم الجماعي بأعلى الأصوات، بإدانتهم والبراءة منهم. وإذ ذاك فقط سينكشف للعالم، مَن الذي كان وراءهم؛ يدعمهم ويوفر لهم الغطاء باسم الإسلام، لإجهاض الجهود المتنامية لتقديم الإسلام إلى العالم بمبادئه الإنسانية المتوازنة؛ قبل أن تؤتي أكلها؟!
هل عرفتموه؟! فمن هو؟ ومن المستفيد من جرائمه؟!

من سلسلة التغيير للاستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.