خطوات عملية لأجيال قارئة (1-2)

الأحد, December 12, 2010
كاتب المقالة: 

عصر تتسابق فيه المعلومات وتتنافس فيه وسائل الاتصال على إيصال تلك المعرفة بأقصى سرعتها, نجد أننا أمام كم كبير من المقالات والكتب والصحف والدوريات بشكليها الورقي والإلكتروني؛ فالطبعة الواحدة من صحيفة عالمية اليوم تحتوي على معلومات تفوق ما تعلمه شخص في القرن 16 طوال حياته

 

وفيما ينشر 8000 مقال طبي كل يوم تصدر ملايين الكتب سنوياً، كما تفوق كمية المعلومات التي صدرت في الخمسين عاماً الماضية ما صدر في الخمسة آلاف عام الماضية، هذا وتتضاعف المعلومات كل خمس سنوات وتلقائياً يتضاعف تضاعف المعلومات بشكل أسي....وماذا يمكننا أن نقول عن معلومات (الشابكة )شبكة الإنترنت؟

 وأمام هذا الانفجار المعرفي والطوفان المعلوماتي المتزايد بشكل خيالي.... لابد من أن نختار أحد خيارين.. إما أن نبني سداً منيعاً مستثمرين تلك الطاقة المعرفية الهائلة والمتسارعة لحظياً, أو أن ننجرف مع التيار بحيث تتسارع المعلومات منفعلين بها لا متفاعلين معها، وهناك سر لا يخفى على أحد أن العالم أجمع يتسابق الآن على صناعة المعرفة من تلك المعلومات لا على تكديس المزيد من البيانات.. والحل المناسب, بل الملاذ الحقيقي من هذه المشكلة يكمن في كلمة واحدة هي (القراءة), وفعل (اقرأ) كان الأمر الإلهي الأول الذي خاطبنا به ربنا –جل جلاله- معززاً قيمة المعرفة بكل أشكالها للفرد المسلم وداعماً المجتمع بعقول تفكر وتمحص، تبحث وتستنتج، تقارب وتسدد وكل ذلك من فعل (اقرأ)....ذلك إن القراءة المستمرة، هي وحدها طريقنا إلى التكيف مع العالم من حولنا، وهي دأب جميع الأمم الحية المتطلعة إلى غدٍ أفضل، وهي ما عبّر عنه أسلافنا، شعاراً رفعوه (طلب العلم من المهد إلى اللحد)، وسلوكاً طبقوه إيماناً منهم بأن (طلب العلم فريضة)...

عندما أطلق الروس قمرهم الصناعي الأول، اهتزت الأوساط التربوية في أمريكة، وكان السؤال الكبير هو: كيف استطاع الروس أن يسبقونا في مضمار الفضاء؟ وبعد الدراسات المستفيضة جاء الجواب: لقد أخفقت المدرسة الأمريكية في تعليم تلامذتها القراءة الجيدة، ورفع المسؤولون عن التربية شعاراً يؤكد أن (من حق كل طفل أن تهيأ له جميع الفرص ليكون قارئاً جيداً[1]).

والمتأمل لهذه القصة التاريخية الحقيقية يعلم مدى أهمية الاهتمام بالقراءة بين المجتمعات وتسابقها في هذا المضمار..وقد تفسر تلك القصة تخلف كثير من الشعوب عن ركب الحضارة المعرفية، حين أثبتت الأيام أن القرن العشرين كان عصر صناعة الآلة, فيما تتربع المعرفة بوصفها صناعة أساسية في عصرنا الحالي المتخم بكل وسائل الاتصالات.. وكثيرة هي الحجج الواهية التي نتعلق بأستارها من أن الفضائيات والحواسيب والألعاب التفاعلية حلّت مكان الكتاب بين أيدي أبنائنا, وبدا من الصعوبة على الأهل إيجاد مساحة لبث عادة القراءة, وارتفعت الشكاوى من الآباء والأمهات الذين بدؤوا يشعرون بالعجز أمام تحد تربوي جديد وهو جعل القراءة عادة وسجية عند أبنائهم،  وتبدأ القراءة بأن نتعامل معها على أنها "خبرة مشتركة فيها كثير من المتعة والسعادة، فهي تمنح أطفالنا تجربة تعلم، ينمو معها الطفل بفرح، وتزيد من حمايته، وتعلقه بالكتاب، والكتاب المدرسي، والقراءة المدرسية، والقراءة للأطفال، تمنحهم القدرة على تنمية مهارات القراءة المستقلة، وتمنحنا، نحن الكبار، فرصة التعرف على أدب الأطفال الحديث، وإعادة قراءة أدب الأطفال الذي سبق أن استمتعنا به[2] وطريق التغيير لاكتساب عادة القراءة لن يكون بين ليلة وضحاها, بل يجب أن يكون على مراحل ومن خلال طرق متنوعة, فلكل طفل ميوله وقدراته الفردية ونمطه التعلمي الذي من الممكن أن يساعد الأهل والمدرسة كثيراً في إحراز الهدف الذي نريده من إكسابه عادة القراءة، وتلك مسؤوليتنا جميعاً فما نزرعه اليوم في عقول أبنائنا نحصده غداً في مسيرة مجتمعاتنا وتقدمها..وأهدي في نهاية الجزء الأول من هذا المقال كل أسرة حريصة على عقول فلذات أكبادها مقولة مؤثرة لأحد الحكماء:

ازرع فكرة تحصد فعلاً

ازرع فعلاً ، تحصد عادة

ازرع عادة ، تحصد شخصية

ازرع شخصية ، تحصد مصيراً

خلود معطي



[1] سالم, محمد عدنان "القراءة أولاً" الطبعة السادسة المعدلة, 2010 دار الفكر، دمشق, ص 41.

[2] النجار، هيفاء حجار: القراءة للأطفال هدية يومية، رسالة المكتبة،:جمعية المكتبيين الأردنيين, عمان ، /آذار1996/ ص 46.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.