دار للدعوة لا دار للحرب

الاثنين, March 14, 2016
كاتب المقالة: 

 تقسيم العالم إلى دار للإسلام ودار للحرب؛ مفهوم شغل حيزاً كبيراً من كتب الفقه الإسلامي التقليدي، تلقفته منظمات حملت بذريعته السلاح تخبط به خبط عشواء، دون التفاتٍ إلى ضوابطه وشروطه!!
مفهوم دار الحرب؛ مفهومٌ تجاوزه الزمن في عصر الاتصالات الذي حول العالم إلى قرية واحدة، تحكمها قوانين دولية أممية، حدَّت كثيراً من استقلالية الدولة الوطنية، ووسَّعت دائرة الانتماءات فيها لتصبح أكثر تعددية وتنوعاً.
وقد فطن الإمام أبو حنيفة لهذا التحول في وقت مبكر جداً؛ مؤكداً أنه " إذا قامت علاقات دولية تؤمن كل إنسان في أي دولة يحل فيها من غير عَقد ولا حِلف، فإنها لا تكون دار حرب" [آثار الحرب: د. وهبة الزحيلي، ص195، دار الفكر].
هذا عن الفقه الإسلامي.. أما لو رحنا نبحث عن دار الحرب ودار السلام في مصدرينا الرئيسيين للتشريع: القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، لما وجدنا لأي منهما داراً مخصوصة؛ فالسلم في نظر القرآن هو الأساس، وهو القاعدة، وهو المناخ الوحيد الملائم لنشر دعوته الإنسانية العالمية (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً) [البقرة:2/208]، والحرب استثناء مشروط بشروطه لدفع عدوان، ولها أوزارها التي يجب المسارعة إلى الخروج منها (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) [محمد: 47/4]. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [الأنفال:8/61].
والسلام تحية المسلم (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً) [النور:24/61]، (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) [الأحزاب:33/44]، وقد تكرر لفظ (السلام) في القرآن 41 مرة ليجعل من المسلمين أمة السلام، وليجعل من السلام شعاراً للمسلم يعرف به!!
وفي صلح الحديبية الذي أبرمه الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش، مقدماً لإبرامه كل التنازلات التي أثارت استغراب المسلمين، ولم يستجيبوا لأمر الرسول بالتحلل من إحرامهم، حتى أشارت عليه أم سلمة بالحلق فحلقوا، ولم تطب نفوسهم حتى نزلت سورة الفتح تصف الصلح بالفتح المبين، ثم رأوا الناس يدخلون في دين الله أفواجاً يوم فتح مكة.. فكان صلح الحديبية بركة على المسلمين وكان هو الفتح المبين.
وحين يتحدث القرآن الكريم عن الإسلام والكفر؛ لا يجعل الكفر سبباً للعداوة والاقتتال بين المسلم والكافر، إذ هو يقسم الكفر إلى كفريْن: كفرِ الاعتقاد الذي تقتصر علاقة المسلم معه على الدعوة، والحوار، والاختلاف الذي لا يفسد للود قضية (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [الممتحنة: 60/8]، وغاية ما يمكن أن يصل إليه الاختلاف، تشبث كل من الفريقين برأيه (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون: 109/6].
أما الكفر الآخر الذي يحول العلاقة من الدعوة إلى الاقتتال، فهو كفر العدوان (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج:22/39].. وكل الآيات التي تغلظ القول للكافرين؛ إنما تتوجه إلى هذا النوع الثاني من الكفر، وبذلك ينقسم الجهاد إلى جهاد دعوي؛ يقوم به المسلم في كل الظروف والأحوال، حتى في حالة الاحتراب، وهو ما أطلق عليه القرآن صفة الجهاد الكبير، وجهاد قتالي دفاعي؛ محدود برد العدوان وردع المعتدي!!
ومما يؤكد لنا انتفاء قسمة الداريْن في القرآن الكريم صفة العالمية فيه! فالمسلم يتوجه إلى الله رب العالمين، في فاتحة الكتاب التي يتلوها عشرات المرات يومياً، في صلواته وسائر أحواله!!
والرسالة التي ابتعث بها نبيه الخاتم موجهة إلى كل الإنسانية (يا أَيُّها النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف: 7/158].
ووطن المسلم هو البلد الذي يوفر له حرية ممارسته شعائر دينه، والدعوة إليه، ولذلك حث القرآن الكريم المسلم على الهجرة (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) [النساء:4/97].
والخطاب القرآني معظمه موجه إلى كل الناس، ما لم يكن له خصوصية ما يتوجه بها إلى المؤمنين والمسلمين؛ فيتكرر لفظ الناس في القرآن 241 مرة، بينما يرد لفظ المؤمن بكل صيغه في الإفراد والجمع والتذكير والتأنيث في 219 آية ولا يرد لفظ المسلم بكل صيغه إلا في 43آية.
ورسول الله في حجة الوداع يتوجه بخطابه إلى الناس؛ كل الناس؛ حاضرهم وغائبهم، ومن سيأتي بعدهم: " أيها الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلَّغ أوعى من سامع" !!

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة