دمشق قلب العروبة النابض تنسى لغتها

الاثنين, December 15, 2014
كاتب المقالة: 

عندما أزمع الغرب اقتسام تركة الرجل المريض، كان تغيير حرفها العربي، واستبدال الحرف اللاتيني به، على أول الدرجات في سلَّم أولوياته، يرومُ بذلك قطع صلته بمحيطه من جهة، وبتراثه الثقافي من جهة أخرى، ليتركه في آن واحد، معزولاً وفاقداً لذاكرته؛ مضيعاً لهويته وانتمائه..
مطامع الغرب الاستعماري الاستئثاري لا تزال هي هي، على الرغم من ابتكاره عناوين ولافتات جديدة لاستبدالها بالعناوين واللافتات القديمة التي غدت مكشوفة ومرفوضة، وذلك لكي يسهل على المريض تقبلها وابتلاعها، بل إدمانها حتى يلوب لها، ويبحث عنها متلهفاً لتجرعها.
إن مكمن الخطر في الأسلوب الاستعماري الجديد، أنه لم يمارسه عنوةً عن طريق السلطة، بل تسلل به إلى جسم المجتمع ليمارسه المجتمع طواعية وعن طيب خاطر، ومن دون أي إكراه..
خاطرات دارت في ذهني، إثر صدمة تلقيتها وأنا خارج من معرض الكتاب ذات يوم؛ أتأمل لافتات المطاعم والمحال التجارية المتلألئة بالأنوار ذات الألوان المتباينة الزاهية.. لم أنتبه للوهلة الأولى إلى حرفها واللغة التي كتبت بها، فقد كانت عيني تألف مثل هذا الحرف كلما خرجتُ من معارض الكتاب في فرانكفورت ولندن وباريس، غير أني سرعان ما انتبهت إلى أني لست خارجاً من أي منها.. لست الآن في شارع بجوار السوربون على ضفاف نهر السين، خارجاً من معرض معهد العالم العربي بباريس أبحث عن مدخل إلى ( المترو) الذي سيقلني إلى فندقي في (الشانزيليزيه) آوي إليه بعد تعب يوم طويل.. إنما أنا خارج لتوي من معرض الكتاب في مكتبة الأسد الوطنية، وأنا الآن في شارع عبد المنعم رياض المتفرع من شارع عدنان المالكي، أتمشى بجوار مجمع اللغة العربية في دمشق، قلب العروبة النابض، في طريقي إلى بيتي في حي المهاجرين..
عدت إلى اللافتات أفكك حروفها اللاتينية، باحثاً عن حرف عربي واحد فلم أجد غير لافتة المجمع الشاحبة قد كتبت بحروف ذهبية معتقة ..
صعقت.. لم أصدق ما رأته عيناي.. استخرجتُ هاتفي المحمول (عفواً أقصد موبايلي) لألتقط –بحذر- صوراً لهذه اللافتات، أعود إليها بعد أن تهدأ نفسي، لكنها لم تهدأ حتى الساعة.. وهأنذا أبث شكواي ورقتي، عساها تنفس كربي، شأني شأن قومي الذين تحركهم ردود الأفعال فيضجون ويصخبون، ثم لا تلبث نفوسهم أن تهدأ، والأفعال ما تزال تحث السير إلى وجهتها المرسومة لها، فلا تدري لم ثاروا، ولم هدؤوا!!
عدتُ إلى صوري أتفحصها.. لقيت فيها عبارات بالإنجليزية، وأخرى بالفرنسية، بعضها لم أجد له ترجمة في القواميس، وأشك أن يكون صاحبها القابع تحتها يعرف لها معنى، وقرأت فوق لافتة المجمع وهذا لسان عربي مبين آية من القرآن الكريم، فأضافت الآية حزناً إلى حزني، حتى ألفيتُني أردد: لكن قومي هجروا هذا اللسان المبين، ضيعوه ليس على لافتاتهم فقط، بل في صحافتهم، وعلى منابرهم أيضاً.
رحت أهيم- مع مصوِّرتي، أقصد (الكاميرا) هذه المرة- في شوارع دمشق بعيداً عن المجمع،فلقيت العجب العجاب؛ لقيتُ من كتب اسمه على لافتته MOUAFAK و KSIEBATI و KINDIL و HAJJAR و EBTIKAR و ALBACKRI من دون أن يفطن إلى قواعد الكتابة الأجنبية، وإلى أنه شوَّه اسمه فلا العربي ولا الأجنبي سيتعرف على اسمه بلفظه الصحيح.
ولم أستبعد أن أجد من سيكتب اسمه MOHAMMED و AHMEDمشوهاً لسانه العربي المبين.
ولقيتُ من عنون لنفسـه بعبارات أجنبية أصبح يعـرف بها مثل Blue Tower و New Dream من دون ارتباط بمعانيها العربية الجميلة، فما عرفت إن كان يقصد المعنى أم يقصد الإغراب بعيداً عن المعنى.
ولقيت ولقيت، مما صوَّرته توثيقاً يجنبني الافتراء على أحد، وأنا في هيجاني وغضبي وحسرتي على لغتي.. وراحت الخواطر والتساؤلات تنهال عليَّ:
أهذه دمشق التي درّستني الرياضيات والفيزياء والكيمياء بالعربية الفصيحة التي لم تعجز أن تحتوي سائر مصطلحاتها، لترسِّخ لديَّ حب العربية، وتزرعها سليقة لدي، أستخدمها في كل شأني دون تكلف؟!
أهذه دمشق التي وزعت مدرسيها للعلوم البحتة والإنسانية في أرجاء الوطن العربي، مشرقه ومغربه الذي خاض معركة التعريب بعد خروج المستعمر من بلاده؟!
أهذه دمشق التي تفردت بتدريس الطب في جامعتها بالعربية الفصحى منذ تأسيسها عام 1917، وعلمت جنديَّها البسيط وسم كل شيء باسمه العربي الفصيح: البارودة، والأخمص، والزناد والجعبة..؟!
أهذه دمشق التي حطمت لافتاتها المكتوبة بالفرنسية على المخازن والدكاكين والمصارف والمؤسسات الأجنبية، حتى اضطرت الحكومة السورية في ظل الانتداب (الاحتلال الفرنسي) أن تصدر تشريعاً يوجب أن تكون كل لافتة مكتوبة بالعربية، فإن كتب شيء منها بالفرنسية فينبغي ألا يزيد حجمه عما كتب بالعربية في اللوحة نفسها، بحيث تبقى العربية الأبرز؟!
أهذه دمشق التي رفضت- منذ عهد قريب- الترخيص لشاب دمشقي بافتتاح محل للحواسب أطلق عليه اسم اللوتس، حتى غيره إلى عنوان عربي؟!
أهذه دمشق التي تتأهب لتكون عاصمةً للثقافة العربية عام 2008؟!
ماذا لو جاءها زائر عربي مستمسك بلغته فخور بها، فهاجه ما هاجني، وصوَّر ما صَّورت؟!
أعرف تماماً الجهود الرسمية المبذولة لحماية اللغة العربية، والحماس الذي يتقد في نفوس القائمين عليها، الذي لا بد أنه يفوق حماسي.
لكنني أشعر أن الوقت لا ينتظر، ولم يبق لتتويج دمشق عاصمة للثقافة العربية سوى بضعة أشهر لا تتجاوز الثلاثة، فلا يليق بعاصمة الثقافة أن تنسى لغتها.
أشعر أن هذا الوقت القصير لا يحتمل التريث لاستكمال البحث والتخطيط..
لا بد من ثورة فورية على هذه اللافتات المخزية لتعريبها، ومن توجيه لوم شديد وغرامات قاسية موجعة لمن استهزأ بلغة أمته، وخالف دستورها وقوانينها.. منبهراً بلغة عدوه، عسى أن يعود إلى رشده..
ثورة تقوم بها السلطة هذه المرة، بعد أن أمكن لثقافة المستعمر أن تخترق المجتمع وتتسلل إلى ضميره فتخدره وتستتبعه إلى حد الانسلاخ من هويته، كما يفعل كل الشياطين..

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.