"دور الكتاب في بناء الإنسان " من أرشيف مشاركات دار الفكر باحتفالية اليوم العالمي للكتاب 2001

السبت, February 21, 2015
كاتب المقالة: 

لا أكتمكم الحديث: لقد حيرني هذا العنوان الذي اختير لي. ن أي دور للكتاب يراد مني أن أتحدث؟! عن الدور النظري الذي يلعبه الكتاب في بناء الإنسان وإشادة الحضارات وإنهاض الأمم؛ فأُملَّكم بحديث مكرَّر طالما سمعتموه وقرأتموه؛ قصائد في مديح الكتاب خير جليس، ومحاضرات عن حاجة الإنسان للقراءة، وسرد تاريخي عن اهتمام الأمراء والحكام وبناة الحضارات السالفة بالعلم والعلماء، وإغداق العطايا على المؤلفين والمترجمين؟!أم عن الواقع العملي الذي يشغله الكتاب في حياتنا، فأصدمكم بواقع مرير يعيشه الكتاب بيننا، وأوئسكم بزفراته الحرى، وشكاواه الصارخة، وأنّاته الموجعة، وأزعجكم بأرقام مخجلة عن عدد العناوين التي تصدر في الوطن العربي وعدد النسخ الذي يطبع منها، ونصيب الفرد من ذلك، وما يستهلكه من الورق المطبوع في الكتب والصحف والمجلات، مقارناً بما يستهلكه الفرد وما ينتجه الناشرون في الدول المتقدمة؟!

وعن أي إنسان أتحدث؟!

عن الإنسان الذي يخططون لإنتاجه في معامل الاستنساخ بمواصفات نموذجية معينة وموحدة، يتحكمون فيها من خلال التلاعب بمورثاته، فيلبون طلبات الشركات والمؤسسات والحكومات بحسب احتياجاتها إلى جندي مغوار، أو مزارع قن، أو عامل حاذق، يضاهئون به خلق الله؟!

أم عن الإنسان الذي خلقه الله بيديه في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه من روحه، وخصَّه بقسمات وطبائع خاصة به، وسوّى بنانه وأفرده ببصمة لا يشاركه فيها أحد لتكون بمثابة توقيعه، ووهبه العقل ميزه به عن سائر مخلوقاته، وأمره بإعماله في الكشف عن قوانين الكون المسخر له، وهداه النجدين وخيره أن يسلك أحدهما بمحض اختياره، وحمله المسؤولية أمانةً أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان ثقة واعتداداً. فأسجد الله له ملائكته تقديراً وإكباراً وحسن ظن به، في أنه سوف يحسن اختيار طريق الخير رغم قدرته على اختيار طريق الشر.

ثم جعل منه الذكر والأنثى؛ وسيلة لحفظ نسله ونمائه، وجعل من آياته فيه اختلاف ألسنته وألوانه، وجعل منه شعوباً وقبائل وأمماً وحضارات، تتدافع وتتخاصم ثم تتحاور وتتعارف وتتفاهم، وعد ذلك الاختلاف ضرورة لتطور الإنسانية ونموها وتلاقح الثقافات وارتقائها ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض [ [البقرة 2/152]

وعن أي كتاب أتحدث؟‍‍!

عن الكتاب في وعائه الورقي الذي يتأهب للرحيل، بعد أن أدى خدماته الجلّى للإنسانية قرابة خمسة آلاف عام، وأفشى المعرفة بوابل من النسخ ظل ينثرها بين أيدي الناس منذ اخترع غوتنبرغ المطبعة قبل أكثر من خمس مئة عام منذ 1440، تربع خلالها على عرش المعرفة بلا منازع، حتى جاءته الوسائط الحديثة تجتذب إليها سمع الإنسان أصواتاً مسجلة، وبصره صوراً مرئية، وسائر حواسه حركاتٍ إلكترونية تأخذ بالألباب؟!

أم عن الكتاب في وعائه الإلكتروني القادم بسرعة مذهلة، يغير ويبدل في الكتاب كل شيء؛ شكله وحجمه، وطرق خزن المعلومات فيه وسبل استرجاعها.

يختزل مكتبة ضخمة تحتاج إلى مئة ألف متر من الأرفف لاستيعاب كتبها في علبة صغيرة تحتوى على بضعة أقراص ليزرية، لا يتجاوز قطر الواحد منها 15 سم وسماكته 1مم ويضع المعلومة بين يديك مثل خاتم سليمان كلمح بالبصر.

يَعِد بإراحة المكتبيين من أعباء التخزين والأرشفة والتصنيف، وإسعاد ربات البيوت بتوفير الجدران التي كان يحتلها الكتاب ويقول هل من مزيد، فيستبدلن به لوحات الفن والزينة،ويبشر أنصار الطبيعة وحماة البيئة، بإنقاذ شجرة من القطع مقابل كل نسخة مطبوعة من كتاب، وحماية البيئة من التلوث بآلاف الأطنان من الأحبار ورصاص الأقلام، ونفايات المطابع، وفضلات الصحف، والكتب المستعملة.

ما أريد أن أؤكده أننا نعيش في عالم متغير، تجتاز فيه الإنسانية منعطفاً حاداً، ومثلما تدرجت في عصور الرعي والزراعة والصناعة، هاهي ذي تدخل الآن في عصر المعلومات، الذي تتنامى فيه العمالة الفكرية على حساب العمالة اليدوية، وتتبدل فيه مقاييس التقدم ومعايير ارتقاء الأمم، وتترك خصائصه آثارها العميقة على طرق التفكير، وأنماط العيش، وسبل التخاطب، وأساليب التربية والتعليم، وقواعد السلوك، وسائر العلاقات الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية؛ المحلية منها والإقليمية والدولية.

وككل التحولات الكبرى في التاريخ سوف تضطرب خلال مراحل التحول القيم والموازين وأنماط السلوك، وسوف يقاوم الإنسان التغيير ويدافعه بحكم الاعتياد، إلى أن يستقر الجديد وتثبت فعاليته وجدواه.

إنني أعرف أن أمة (اقرأ) باتت لا تقرأ. وأن إهمالها القراءة لم يعد سراً يجهله أعداؤها، بل هم يستيقنونه إلى درجة أنهم ينشرون مخططاتهم ونواياهم المبيتة ولا يخشون اطلاعها عليها.

فلقد سبق لدايان أن طمأن اسرائيل حين نشر بعض مخططاته إلى أن العرب لا يقرؤون.

وأزمة الخليج عام 1990 مرت بنا دون أن نستطيع قراءتها في ضوء التاريخ ولا في ضوء الواقع، فضلاً عن المتوقع.. لقد كان كل شيء في هذه الأزمة مبرمجاً ومخططاً له بدقة، ومعلناً في وقت مبكر، في كتب ودراسات ترجمت إلى العربية ونشرت في أوطاننا.. مررنا بها كأنها لا تعنينا، ثم نفذنا مضامينها كلها بدقة وأمانة كما أريد لنا.

وأعرف كذلك أن مناهجنا التعليمية قد ربطت طلابنا بالمقررات الدراسية ومختصراتها، فقتلت لديهم روح البحث، وصرفتهم عن المطالعة خارج المنهاج، وكرهت إليهم القراءة والكتاب، حين حصرت هدفهما بالامتحان والشهادة، تنتهي الحاجة إليهما وتبدأ القطيعة معهما بالنجاح في الامتحان وتحصيل الشهادة.

وأعرف كذلك أن حالة العزوف القرائي والأمية الثقافية اللاحقة، قد أضرت بحركة النقد، وحدت من تداول الأفكار، وأدت إلى ركودها، فضمر الإبداع وتحجرت العقول، وغاصت الثقافة في المياه الآسنة.

وأعرف أيضاً كيف تقوقعت الأيديولوجيات في الوطن العربي، وفرضت الوصايات، وشُحذت مقصات الرقباء، ورُوِّج لقرارات المنع والحجر على العقول، وإدخالها في قوالب جاهزة متباينة ومزاجية، وفرضت ثقافة الاتجاه الواحد، واحتُكرت الحقيقة، وحجب الرأي الآخر، وهدأ الحوار، وغاب النقد، وساد الصمت، وضمر الإبداع، وابتلي الفكر بالعقم، وتقطعت أوصال الكتاب، فأوصدت دونه الأبواب، وحرم القارئ من حقه الطبيعي في الاطلاع.

أعرف كيف اقتنصت وسائل الإعلام العابر والمعلومات السريعة، شريحة كبيرة من قراء الكتاب، بما تملكه من جاذبية وسائطها المتعددة في الصوت والصورة والحركة، فآثروها على الكتاب، وأسلموا إليها قيادهم وأوقاتهم، وفضلوا التحول إلى متلقٍّ يستمع ويشاهد مسترخياً على أريكته، يتجرع ويحتسي ما يقدَّم له من دون كبير تدخل أو اختيار.. آثروا ذلك على معاناة القراءة الجادة، وما تتطلبه من تركيز ووعي، فتسطحت الثقافة، ولم يبقَ للكتاب إلا قارئ للمقررات على مقاعد الدرس، أو مثقف هاوٍ عاشق للكتاب لم يخدعه البريق.

أعرف ذلك كله، وأعرف أن هذه الإعاقة المزمنة التي حلت بالكتاب قد حجبته عن أداء دوره المنشود في بناء الإنسان، وأن العقاقير المسكنة وقصائد المديح المدغدغة للعواطف لم تنفع في علاج مشكلاته التقليدية.

لكنني واثق من أن الكتاب في عصر المعلومات، وانفجار المعرفة والاتصالات، سوف يتجاوز كل أزماته المزمنة ومشكلاته التقليدية.

وأن اختراق المعلومة لكافة الحدود والسدود والحواجز والقيود، وغزارتها بما يشبه طوفان نوح؛ تنهمر بها الفضائيات من السماء، وتنبجس بها الشبكات العنكبوتية عيوناً من الأرض، وسهولة تخزينها وتصنيفها واسترجاعها، سوف يغير أذواق الناس وأنماط تفكيرهم وأساليب تعاملهم وتحصيلهم.

وأن تعدد الخيارات أمام المتلقي ووفرتها بين يديه، سوف يكسر احتكارات المعرفة، ويضع الجميع أمام فرص متكافئة على عتبة سباق واحدة تشتمل على الغني والفقير، والقوي والضعيف، يفوز فيه من كان أحسن عملاً.

ولسوف تسقط الوصايات الفكرية وممارسات القمع والحجر، وتنفتح القواقع الأيديولوجية والتيارات الفكرية والثقافات على بعضها ويسود الحوار.

ولسوف يعلو شأن الثقافة ويشتد تأثيرها ويزداد دور المثقفين.

وسيتقن الإنسان السباحة في خضم المعلوماتية حين يجد نفسه ملقى في غماره.

وسيواصل الإنسان كدحه لمعرفة الأسماء كلها التي علمها الله لأبيه آدم من قبل.

وسوف يستعيد الكتاب دوره المنشود في بناء الإنسان، ولن يكون يومها خير جليس للإنسان، لأنه سوف يكون هو الإنسان.

هل أنا بذلك أسحب أزمة الكتاب من أيدي الدارسين والباحثين، وأترك حلها لحتمية التاريخ وسنة التطور، تحلها بعفوية وتلقائية من دون جهد إنساني ولا عناء.

حاشا أن أفعل ذلك، وأنا أؤمن بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

إنما أردت أن ألفت النظر إلى التغيير الكبير في طبيعة الأزمة، في ظل ثورة المعلومات والاتصالات والعولمة، وأن المشكلات التقليدية المزمنة للكتاب التي لم نفلح في حلها، قد حلت محلها مشكلات جديدة ملحة لم نعكف على دراستها بعد ولم نتبين ملامحها.

إن علينا أن ندرس خصائص المعلوماتية وتأثيراتها المتوقعة المترتبة عليها، وأن نتأهب للعبور إلى عصر المعلومات على بصيرة .. وأخشى ما أخشاه أن نسقط على جسر العبور بين المرحلتين فلا نحن نقرأ الكتاب التقليدي ولا نحن نقرأ كتاب المعلوماتية المقبل لا محالة.

التظاهرة الثقافية لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بمناسبة عيد الكتاب 

محمد عدنان سالم

24/4/2001

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.