رأس المال البشري من منظور إسلامي

السبت, December 3, 2016
كاتب المقالة: 

أصبح المورد البشري في المؤسسة ينظر إليه كرأس مال يجب استثماره كغيره من الأصول المادية، بل أصبح أكثر أهمية منها نظرا لكونه القادر على تسييرها وتطويرها، ومن دونه لا يمكن استغلال مختلف الموارد الإقتصادية وتحقيق الأهداف المرجوة. والإسلام قد أولى اهتمامه بالفرد البشري منذ ولادته وحدد له المجالات التي تساهم في حمايته وتطويره وتنميته سواء في حياته الأسرية أو المجتمعية أو العملية، فهو رأس مال كفيل بتحقيق ثورةفي عالم الأعمال اذا ما تم استثماره بفعالية.

مقدمة

بمرور السنوات وتغير الأوضاع العالمية الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، تبلورت العديد من المفاهيم والاهتمامات والعديد من المصطلحات وخصوصا في بيئة الأعمال، ولعل من أبرزها تغير النظرة نحو الموارد البشرية التي كانت تعد سابقا عاملا من عوامل الإنتاج تسعى المنظمة لتوفير احتياجاتها منها لتلبية متطلبات الإنتاج وتحقيق أهدافها، بينما اليوم أصبحت هذه الموارد تعامل كأصل من الأصول بل وتعد أهم من الأصول المادية، وتعتبر رأس مال يمكن استثماره وذلك بالإنفاق عليه لتعليمه وتدريبه وضمان بيئة آمنة محفزة له على العمل وذلك للإستفادة من قدراته ومهاراته وخبراته ومعارفه لتحسين الأداء وتحقيق أهداف المؤسسة.

إن منظور الفكر الإسلامي لرأس المال البشري ينطلق من اعتبار العنصر البشري دائما الأصل والأولى بالإهتمام، فهو سبيل التقدم والتنمية نظرا لما خصه الله به من مميزات وبما فضله به عن سائر الكائنات، وأن مهمته الأساسية هي البناء والتعمير من خلال العمل المتقن والسعي لتطوير الذات، كما أن الإستثمار في رأس المال البشري في الإسلام يقوم على أسس تدور حول الإنسان في حد ذاته باعتباره الهدف الرئيسي لعمليات الإستثمار وبرامجه المختلفة وليس الهدف الرئيسي هو الإستفادة من قدراته ومهاراته فقط.

ومن خلال هذا البحث سنتعرف على رأس المال البشري من منظور إسلامي وذلك بالإجابة على التساؤلات التالية:

-     كيف ينظر الإسلام لرأس المال البشري؟

-     ما هي مجالات اهتمام الإسلام برأس المال البشري؟

-     ما هي حقوق وواجبات رأس المال البشري في الإسلام؟

وللإجابة عن التساؤلات السابقة تم تقسيم البحث إلى محورين كمايلي:

-     المحور الأول: تحت عنوان مدخل إلى رأس المال البشري تناولنا فيه مفهوم رأس المال البشري وأهميته، مفهوم الإستثمار في رأس المال البشري والأسباب التي دفعت للإستثمار فيه والأبعاد المرجوة من ذلك.

-     المحور الثاني: بعنوان نظرة الإسلام لرأس المال البشري حيث تطرقنا من خلاله إلى مدى اهتمام الإسلام بالعنصر البشري موضحين المجالات التي تبين هذا الإهتمام، اضافة إلى الحديث عن طرق اختيار العامل وتنمية قدراته وحقوقه وواجباته كما وضعها الإسلام.

المحور الأول: مدخل إلى رأس المال البشري

نظرا للتطورات التي تشهدها بيئة الأعمال واشتداد المنافسة، انتقل الإهتمام من الصراع حول الأصول المادية (الأصول الملموسة) إلى الصراع حول الأصول غير المادية(غير الملموسة) وأهمها العنصر البشري، هذا الأخير الذي كان يعد مجرد مورد من موارد الإنتاج وأضحى رأسا من رؤوس الأموال القابلة للإستثمار بعدما أيقن الجميع أن سبيل النهضة والتقدم هو الإنسان وما يمتلكه من قدرات عقلية وجسدية، وأن الأصول المادية لا فائدة منها دون وجود من يستغلها استغلالا أمثلا ويسيرها بطريقة فعالة تخلق ميزة تنافسية وتساهم في بلوغ الريادة.

1.   مفهوم رأس المال البشري:

يعد الإقتصاديألفريد مارشال(A. Marshall)من الإقتصادين الأوائل الذين نظروا إلى البشر على أنه رأس مال يجب استثماره وأطلقوا على ذلك رأس المال البشري وذلك من باب الإستفادة من طاقاته للبناء وقدرته على الإبداع في استثمار باقي رؤوس الأموال.

ويعرفTheador & Schultz رأس المال البشري بأنه: " مجموع الطاقات البشرية التي يمكن استخدامها لاستغلال مجمل الموارد الاقتصادية"1. وهذا بالنسبة للمجتمع

أما هاريسون ومايرز فيعرفان رأس المال البشري بأنه: "جميع القوى البشرية القادرة على شغل الوظائف الإدارية والفنية". وهذا بالنسبة للمنظمة

كما يعرف بأنه: "مجموعة الناس الذين يمتلكون مهارات ومعارف وقابليات تسهم في زيادة القيمة الإقتصادية للمنظمات".

من التعريفات السابقة يمكن القول أن:

رأس المال البشري تقع حدوده داخل المؤسسة وخارجها، أي أن المجتمع والمؤسسة التي يعمل داخلها العنصر البشري كلاهما شركاء في انتاجه وتكوينه فهو من المخرجات الأساسية للمؤسسات التعليمية والصحية السائدة في المجتمع وكذلك جهود المؤسسة التي يعمل بها. وأن مهاراته ومعارفه وخبراته وأداءه وانتاجيته تختلف من فرد إلى آخر في المجتمع والمؤسسة.

ويمكن تقسيم رأس المال البشري في المؤسسة الإقتصادية حسب القيمة التي يضيفها كما يلي2:

·      عنصر بشري نادر وينتج قيمة مضافة ضئيلة ويتمثل في الخبرات النادرة ولكنها تعمل بتكنولوجيا بدائية إن لم تكن تعتمد على مهارات يدوية، ولذلك تعتبر القيمة التي ينتجها ضئيلة بالمقارنة مع تعاظم قيمة الوقت والتكنولوجيا حاليا.

·      عنصر بشري نادر ويصعب احلاله وينتج قيمة مضافة عالية وهو أفضل العناصر داخل المؤسسة والذي يجب المحافظة عليه وتنميته وهو نادر في سوق العمل. ويعد المصدر الرئيسي لتنافسية المؤسسة كالمبرمجين المحترفين ولا ينبغي التفريط فيه ويجب الحفاظ عليه من أية اغراءات من المؤسسات المنافسة.

·      عنصر بشري ينتج قيمة مضافة عالية ولكن يمكن احلاله لأنه متوفر في سوق العمل. وبالرغم من ذلك ينبغي الحفاظ عليه نظرا للتكلفة التي انفقت على تدريبه طوال فترة عمله وتكيفه معه في المؤسسة.

·      عنصر بشري ينتج قيمة مضافة منخفضة ويسهل احلاله أي يتوافر في سوق العمل، ويفضل في هذه الحالة استبداله بتكنولوجيا جديدة تنتج قيمة مضافة أعلى.

اذن فالمؤسسة تقيم وجود العنصر البشري من خلال عنصرين هما:

-     القيمة المضافة.

-     الندرة في السوق.

حيث كلما كان العنصر البشري نادر ويحقق قيمة مضافة عالية كلما تعاظمت المزايا التنافسية للمؤسسة واحتلت مكان الريادة في ظل العولمة.

2.   أهمية رأس المال البشري:

لقد تغيرت النظرة اتجاه رأس المال البشري نظرا للأهمية التي يتمتع بها حيث يعد هذا الأخير من أهم العناصر الإنتاجية التي يمكن أن تساهم في تحقيق التنمية، وهو طاقة ذهنية وقدرة فكرية ومصدر للمعلومات والإبداع والإتيان بجديد. ولقد أصبح عنصرا فعالا لتحقيق ميزة تنافسية بالنسبة للمؤسسات والمجتمعات، خصوصا اذا كان يحب المبادرة ويسعى إلى التطوير والإنجاز. ونشير إلى أن أهمية رأس المال البشري لا تكون بدون تعليم، فكلما كان أحسن تعليما،كلما أدى ذلك إلى المزيد من التقدم والتميز في شتى المجالات.

3.   مفهوم الإستثمار في رأس المال البشري:

بما أنه أصبح ينظر إلى المورد البشري كرأس مال فمن الضروري أن يتم استثماره لتحقيق عائد، وهذا الإستثمار يختلف عن الإستثمار في الأصول المادية التي يكون عائدها سريعا ومتناقصا، في حين أن الإستثمار في رأس المال البشري يكون عائده بطيئا ومتزايدا وذلك نتيجة طول الفترات التي يستغرقها في التعلم والتدريب والتكوين وارتفاع التكاليف المتعلقة به.

إن الاستثمار في رأس المال البشري هو: "الإنفاق على المجالات التي تساهم في بناء الإنسان بدنيا وعقليا ومهاريا وذلك من طفولته وحتى خلال حياته الإنتاجية ومن أهم مجالات الاستثمار في رأس المال البشري هو الإنفاق على الصحة والتعليم والتغذية والتكوين"3، أو هو: "عبارة عن تعبئة للطاقات البشرية وبلورة لإمكاناتها المتعددة ولمواهبها العقلية والجسدية لزيادة قيمتها ورفع مكانتها ليمكن استخدامها بصورة مبدعة في طريق الاستغلال الأمثل لكافة الموارد الاقتصادية"4. إن المعلومات التي يمتلكها الفرد ومدى استعداده عن طيب خاطر في إشراك الآخرين فيها هي أساس خلق القيمة المضافة في المؤسسة، مما يلقي على الإدارة مهمة الإستثمار في رأس المال البشري وذلك من خلال تعليمه وتدريبه على استخدام المعلومات التي يمتلكها وتحويلها إلى حلول وأفكار ابداعية بحيث يساهم الجميع في تنفيذها5، اضافة إلى السهر على المحافظة على صحته وتأمين بيئة عمله وضمان كل ما يساعده على العمل وتحقيق قيمة مضافة عالية.

4.    أسباب الإستثمار في رأس المال البشري:

إن الأسباب التي جعلت المنظمات تغير نظرتها نحو الموارد البشرية وتعتبرها المصدر الأساسي للقدرات التنافسية وأنها أكثر الأصول أهمية وخطورة في المنظمة والتي دفعتها إلى الإستثمار فيها ترجع أساسا إلى التطورات العلمية والتقنية خاصة تقنيات المعلومات والإتصالات، والتي يتطلب استيعابها وتطبيقها بكفاءة توفر نوعيات خاصة من الموارد البشرية، وتسارع عمليات الإبتكار والتحديث في المنتجات والخدمات استثمارا للتقنيات الجديدة، والإهتمام المتزايد بتنمية المهارات الإبتكارية والإبداعية للعاملين وإتاحة الفرص أمامهم للمساهمة بأفكارهم وابتكاراتهم لتنمية القدرات التنافسية للمنظمات6.

إضافة إلى اشتداد المنافسة بين المنتجين القائمين وغيرهم من المنتجين الجدد، واتساع الأسواق وتنامي الطلب وخلق طلبات متزايدة على نوعيات جديدة ومتميزة من المختصين في مجالات البيع والتسويق والترويج لمواجهة تلك الهجمات التنافسية والمحافظة على العلاقات مع العملاء.

كما أن ظاهرة العولمة وانفتاح الأسواق العالمية وتحرير التجارة الدولية من خلال إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية ساهمت هي الأخرى في التحفيز على الإستثمار في رأس المال البشري، نظرا لتزايد الاحتياج لنوعية جديدة من الموارد البشرية تتفهم الثقافات المختلفة وتستوعب المتغيرات الجديدة، فضلا عن إجادة اللغات الأجنبية والقدرة على العمل في مناخ مختلف ومتغير بحسب الموقع الذي يعهد إليها بالعمل فيه.

5.   أبعاد الاستثمار في رأس المال البشري:

جاءت أهمية العناية بتنمية رأس المال البشري والإستثمار فيه من منظور متعدد الأبعاد منها7:

·      البعد الثقافي:حيث ينعكس تزايد نسبة المثقفين من رأس المال البشري في التنمية الحضارية للمجتمع وزيادة معرفة الفرد وتمسكه بما يخص وطنه من العقائد الدينية والتراث الثقافي واللغة والآداب، وازدياد درجة الوعي لديه بما يدور حوله.

·      البعد الاقتصادي: من خلال رأس المال البشري المؤهل والمدرب حيث يتم تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية بما يحقق التقدم للدولة ويوفر احتياجات سكانها من السلع والخدمات إضافة إلى أن الفرد المؤهل تعليما وتدريبا لديه فرصة أكبر للعمل كمواطن من أجل تحقيق قيمة مضافة تسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية.

·      البعد الاجتماعي: فمن المعروف أن التعليم ينمي قدرات الفرد الذهنية والفكرية ويكسبه الأنماط والقيم السلوكية المتوازنة مما يجعله أكثر قدرة على تفهم المشكلات الاجتماعية وترسيخ الروابط الأسرية إضافة إلى تأثيره الملموس في شعور الإنسان بالذات.

·      البعد العلمي: حيث يوفر التعليم الكوادر العلمية القادرة على البحث والابتكار والاختراع والتطوير بما يسهم في إحداث النقلات الحضارية المختلفة وإحداث التقدم التقني في شتى مجالات الحياة والتحسين المستمر في وسائل المعيشة.

·      البعد الأمني: حيث تؤدي العناية بتعليم وتدريب الفرد إلى تخفيض نسبة البطالة والتي تتناقص مع ارتفاع المستوى التعليمي والتدريبي مما يسهم في تحقيق الاستقرار الأمني للمجتمع، إضافة إلى قناعة الأفراد أنفسهم بضرورة وجود هذا الاستقرار.

الإحالات:

1.   عادل حرحوش المفرجي، أحمد علي صالح، رأس المال الفكري طرق قياسه وأساليب المحافظة عليه، منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة مصر، 2003، ص: 9.

2.   محمد محمد ابراهيم، ادارة الموارد البشرية، الدار الجامعية، الإسكندرية مصر، 2009، ص: 17.

3.   بودلال علي، أهمية الاستثمار في رأس المال البشري كأحد شروط ترقية القطاع السياحي بالجزائر، ملتقى دولي حول:اقتصاديات السياحة ودورها في التنمية المستدامة، جامعة محمد خيضر بسكرة-الجزائر، من الموقع: http://www.univ-biskra.dz/fac/fsecsg/images/doc/tourisme/boudlele%20ali.pdf،تاريخ الإطلاع: 12/ 05 / 2014.

4.   نافز أيوب محمد"علي احمد"، الأهمية التنموية لرأس المال البشري في الوطن العربي ودور التربية والتعليم فيه، ص:5. من الموقع: http://www.qou.edu/arabic/researchProgram/researchersPages/nafzAyoub/r1_drNafzAyoub.pdf، تاريخ الإطلاع: 12/ 05/ 2014.

5.   اتحاد الخبراء والإستشاريون الدوليون INTEC، عائد الإستثمار في رأس المال البشري – قياس القيمة الإقتصادية لأداء العاملين -، ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط1، 2004، ص: 175.

6.   علي السلمي، إدارة الموارد البشرية (منظور استراتيجي)، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة مصر، 2008، ص: 15.

7.   أماني خضر شلتوت، تنمية الموارد البشرية كمدخل استراتيجي لتعظيم الإستثمار في العنصر البشري، دراسة على موظفي الوكالة في قطاع غزة (الرئاسة ومكتب غزة الإقليمي)، قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال،الجامعة الإسلامية غزة، 2009، ص: 24

موقع مجلة الاقتصاد الاسلامي العالمي

المصدر: 
موقع مجلة الاقتصاد الاسلامي العالمي
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.