رسالة المسلم : القرآن وألف عام من القراءة الخاوية

الاثنين, October 17, 2016
كاتب المقالة: 

*نقرأ القرآن في صلواتنا؛ أداءً لفروض مكتوبة وسنن مندوبة،لا نأتمر بمعروف أمرنا به، ولا ننتهي عن منكر نهانا عنه ، لأننا لا نعي كلمة مما قرأناه فيها..
نقرأ وردنا اليومي من القرآن؛ همنا آخر الصفحة، لنسجل ختمة للقرآن؛ لم ننتفع منها بآية، ولم نفكر بمعنى ..
نستمع إلى القرآن؛ تصدح به عشرات الفضائيات المتخصصة بتلاوته؛ نطرب لصوت القارئ؛ لا نجشم أنفسنا عناء قراءة المعاني المذيلة بهامشه ..
نقرؤه على قبور موتانا .. نقرؤه في مجالس عزائهم .. نتوزع أجزاءه لنسجل ختمة جماعية نهب ثوابها لهم .. نقرؤه للتبرك، لا للاهتداء بهديه ..
نقرؤه؛ عرباً نزل بلغتنا (إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف 12/2] كما يقرؤه أي أعجمي ؛ لن تستطيع أي ترجمة له إلى لغته المحلية ، أن تقدم له مواطن إعجازه ..
* ألِمثل هذه القراءات (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقانِ) [البقرة 2/185]. أبمثل هذه القراءات بنى الجيل الأول أسرع حضارة في التاريخ الإنساني، وعهد إلينا بتبليغ رسالتها للعالمين إلى قيام الساعة ؟!
أبمثل هذه القراءات سنستطيع المحافظة على أجيالنا في المهاجر؛ نجرعهم إياها صغاراً، وتتولى البيئات التي تحتضنهم إبعادهم عنها كباراً، بحسب مناهجها التي تقوم على الفهم والنقد والتساؤل ؟!
أبمثل هذه القراءات، نقرأ نصوصنا الأدبية والعلمية، ونستطيع أن نتفهم مضامينها ونتذوقها؛ لنضيف إليها وننميها ؟!
هل بمثل هذه القراءات سنستطيع الدخول في عصر المعرفة، واستثمار أدواته للغوص في أعماق القرآن وتفجير معانيه المتجددة ؟!
* يجيبنا القــرآن بســـؤاله التاريخي الكبير: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ)[ الحديد57/16]، وباستنكاره الموجع: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفالُها) [ محمد47/24] ، وبشكوى كتابه المريرة : (يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) [الفرقان25/30]، مؤكداً لنبيه المصطفى: أنه (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبابِ) [ص 38/29]، ومقدماً لنا نموذج القراءة الذي يقوم به بناة الحضارات ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) [ البقرة2/121].
* * *
منهج جديد لقراءة القرآن
* ألا وإن حق تلاوة القرآن: أن نهتم بمضمونه كما نهتم بالشكل .. كلاهما مهم لأداء حق التلاوة ..
أن نقـــوم ألسنتنا بتجويد ألفاظه؛ ننطق بها كما نطـــــــق بها الرســــول صلى الله عليه وسلم؛ نخرج بها من اختلاف لهجاتنا المحلية، إلى لهجة موحــــدة تحت راية القرآن، فذلك هو إتقان الشــــكل ..
وأن نلتفت - في الوقت ذاته - إلى وعي المضمون ، فلا يليق بنا ، ونحن نتلو كتاب الله ، أن نردده كالببغاوات؛ تردد الأصوات ولا تعرف شيئاً من معانيها .. ولنضع لقراءتنا الجديدة للقرآن منهجاً؛ نتدرج به؛ فنضع لكل ختمة نبدؤها، هدفاً :
نبدأ ختمتنا الأولى بتحري معاني ألفاظ القرآن؛ نستعين لها بتفسير مبسط؛ يشرحها لنا على هامش الصفحة ..
ونبدأ ختمتنا الثانية بتفسير وجيز يعطينا المعنى الكلي للآيات مع أسباب نزولها..
وفي ختمتنا الثالثة نستعين بتفسير وسيط، وفي الرابعة بتفسير أوسع، وفي خامسة نبحث لبعض ما أشكل علينا، عن آراء مختلفة في تفاسير أخرى، وفي سادسة نغوص في الأعماق لنستنبط - على بصيرة - ما استجد في الآفاق والأنفس من معاني القرآن ، ولنصنع لأنفسنا تفسيرنا الخاص ، محرراً من الإسرائيليات التي تغص بها بعض التفاسير ، ومما فات أوانه من مفاهيم القرون السالفة .
بهذا وحده، سوف نتذوق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن هذا القرآن حبل الله.. لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد " وسوف يزود القرآن كل جيل من الأجيال باحتياجاته الثقافية ، بحسب مستوى معارفه ..
أحسب أنني أقدم مشروعاً جديداً لعلاقة المسلم بالقرآن؛ تجعله حياً فاعلاً يمشي على الأرض بما ينفع الناس، ويجعل المسلم حاضراً في صلاته، خاشعاً لخالقه؛ يقرأ كتابه كأنه ينزل عليه !!

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة