رسالة من الغرب(عيد الأضحى)

الأحد, September 18, 2016
كاتب المقالة: 

كثيراً ما بوجه إليّ  من بناتي اللواتي يقطن الان في أوربا وأمريكا ،السؤال حول كيفية الاجابة عن مناسك الحج ، وخاصة  الأضحية إذا ما سئلوا عنها من قبل الأجانب في الغرب.. 

فوجدت من الضروري كتابة موضوع مبسط حول المسألة لتسليط الضوء حول تلك المفاهيم العميقة التي تنطوي عليها مناسك الحج ، وحملت رسالتي تجربتي الذاتية ووضعت لها عنوان: 

عيد الأضحى.. 

  عيد الأضحى :  هو العيد الذي يحتفل فيه المسلمون بانتهاء فريضة الحج ، الركن الخامس في الاسلام ، هذه الشعيرة التعبدية  تُؤدى مرة بالعمر لكل من هو قادر جسديا وماديا على أدائها.. 

والحج يمثل أكبر مؤتمر عالمي إسلامي ، حيث يجتمع قرابة ثلاثة ملايين  مسلم من مختلف بقاع الارض ،وعلى اختلاف أجناسهم وألوانهم ، للالتفاف حول الكعبة - أول بيت بناه أبو الأنبياء سيدنا ابراهيم لعبادة الله الواحد في الأرض - تحت شعار ( لبيك اللهم لبيك )

 

كيف يمكنني ان أنسى أجمل رحلات العمر ؛ رحلتي الى الحج عام ١٩٩٦م :  كنت أطوف حول الكعبة بتناغم مع ذرات الكون التي تطوف حول نواتها ....كنت أشعر أنني خارج إطار الزمان والمكان المادي المحدود الذي يقيدك  بأشياءك  المادية ؛ بيتك ، عملك ، مشاغلك حتى أولادك ! فانا لم أكن اشعر بالقلق عليهم لأَنِّي كنت مشغولة بالدعاء لهم أن يرزقهم الله تلك السعادة الروحية  في الاستسلام  الخالص لله ، في تلك العبودية التي تفيض بالسلم والسلام..

إنها الرحلة التي تلخص جهد الأنبياء من لدن ابراهيم عليه السلام الذي قام ببناء الكعبة مع ابنه اسماعيل ، وانتهاء بآخر الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، الذي قام بتطهير  بيت الله من رجس الأوثان.. 

انها الرحلة التي تجعل الناس يقفون سواسية أمام الله بردائهم الأبيض البسيط ، لا فرق بين عربي وأعجمي ولا بين اسود وأبيض ، ولا بين  غني و فقير ولا بين ملك و عامل بسيط، الكل سواسية في المظهر ليكون الاعتبار والقيمة لما يحمله القلب من تقوى...

انها الرحلة التي تعلمنا من خلالها من المرأة هاجر  زوجة ابراهيم عليه السلام  ، ان التوكل على الله يتطلب السعي ،  فكنا نسعى بين جبلي الصفا والمروة  احياءً لذكراها...

هكذا علمنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نؤدي مناسك الحج ، لنعيش من خلالها قصة ابراهيم عليه السلام الذي تعرض لأصعب امتحان ، حين شاهد في المنام انه مُطالبٌ بذبح ابنه اسماعيل ! ،فما كان من اسماعيل ، حين أخبره والده بالأمر ، وطلب منه ان ينظر في المسألة  إلا أن قال  : " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين"*

   انه الامتحان لمعرفة أقصى درجة الاستسلام والتسليم لله ،فكانت النتيجة أن نجح كل من ابراهيم وابنه اسماعيل في الامتحان ،  ولهذا كافأهما الله عز  بأن جعل    فداء اسماعيل كبش ( خروف ) يتم ذبحه في ايام العيد .. 

وهكذا جرت  السنة ( فعل النبي محمد عليه السلام  )  ان تذبح كل عائلة مسلمة مقتدرة  في  ايام العيد -سواء في الحج او خارج الحج - خروف ليكون قسم منه وليمة تدعى اليها العائلة والقسم الاخر يوزع على المحتاجين فيعم الفرح الجميع ....

لم أكن أدرك عندما كنت صغيرة لماذا يتم ذبح هذا الخروف الوديع ، ولكن فرحة العيد  واللقاء مع أبناء عمي وبنات خالي ولعبنا المتواصل في البيت الدمشقي القديم ، كان ينسيني التفكير بالخروف  ! ولكن ما إن كبرت وبدأت استوعب ان ذبح الخروف يعني أن  عهد تقديم القرابين البشرية للآلهة الزائفة التي كانت سائدة   قد انتهى ، وان التضحية  بالخروف ما هو الا رمز للطاعة والاستسلام التام لله الخالق،  ،حتى بدأت اشعر بمعنى العيد وفرحة العيد ؛ بدأت أفهم ان كلمة (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً) التي كنّا نرددها صغارا في أيام العيد تعني ان الله أكبر من كل شيء وان محبته وطاعته هي فوق كل شيء ..بل ان التضحية بالخروف،هي إبراز أيضاً لمعنى الحمد: الحمد لذاك الحفظ وتلك العناية الربانية التي تحيط بك حين تكون مستسلماً  لأمر الله عن حب وبكامل الرغبة والطواعية....

 نعم ،  ان التضحية الحقيقة هي في تطويع النفس والهوى ليكون تبعا لما يرضي الله ، وهذا يدفعنا لنضحي بوقتنا وجهدنا وعملنا ومالنا  من اجل إعلاء كلمة الله في الأرض عندها يحق لنا أن نفرح ، ويصبح  الخروف الذي نضحي به في  العيد ، وسيلةً لزيادة الرابطة العائلية والألفة بين أفراد المجتمع الواحد،  وخاصة  الفقراء منهم..وهكذا بعم الفرح والسرور الجميع .. 

وعلى الرغم من المعاناة التي يمر بها أطفالنا البوم من جوع وتشرد وفقر  بسبب الحرب ، إلا أننا كمسلمين نحرص على إبراز الفرحة في ايام العيد ، ونحرص على ان ندخل الفرحة الى كل بيت  ؛ ولهذا نتشارك كمسلمين  في كافة أنحاء العالم   باحياء تلك الرموز التعبدية ، ومنها  (الأضحية ) كما وردت في المنظور القراني ، وليس كما يفسرها  بعض الناس وفقا لتصوراتهم السلبية !إ

او كما يحلو لبعض الخبثاء ربطها بما يجري الان من تطرف  وسفك للدماء!! 

انتهى .. 

وكل عام والجميع بخير ...

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.