رمضان .. حكاية جميلة لا تنتهي

السبت, June 9, 2018
كاتب المقالة: 

لـ رمضان زمان حكاية جميلة لا تنتهي فصولها، ولا تمل أحداثها، تستعيدها الذاكرة كل حين، وهي تهفو إلى الزمن الجميل، وإلى المعاني والقيم النبيلة التي كان الشهر الفضيل يحملها معه.
كانت حكاية رمضان قديمًا مليئة بالطقوس والممارسات الجميلة، كنا صغارًا نتسابق نحو اسطح المنازل لنراقب الهلال، نبحث في السماء الواسعة، عن وميض يدلنا إليه، ويطلق أهزوجة الفرح في صدورنا، ثم نجري في طرقات الحارة نوزع فرحة الضيف القادم، واطلالته علينا، ونتلقى تباشير هذا الفرح، بما لذ وطاب من الحلويات والنقود التي تفوق المائة بيسة. 
ويبدأ رمضان .. ونشعر بفرح الأطفال الذين انضموا إلى قافلة الصائمين، الذين يعافون الطعام والشراب في أيامهم الأولى، ويتباهون بالجوع والعطش، ومقاومتهم للماء البارد، والطعام الذي تفوح رائحته الزكية من بعد.
كنا نحسدهم على جوعهم وعطشهم، كما نوقن أنهم يحسدوننا على طعامنا وشرابنا، كنا نعلن أننا غدونا من الصائمين، كلما اقترب موعد أذان صلاة المغرب، نجلس على مائدة الطعام، ونمد أكفنا بالدعاء مثلهم، دون أن نعلم كينونة الكلمات التي نقولها، والعبارات التي تنطلق من الألسنة، وكنا نتسابق مثل الكبار نحو المساجد، ونهرع في الصفوف الأولى، نصلي كما يصلون .. نركع ونسجد، ونمد أكفنا، وحين نتعب من الصلاة، نخرج من الصف، ونلعب في طرقات الحارة، ثم نعود لنكمل آخر الركعات مع الإمام، ونتباهى أمام أبائنا اننا كنا معهم في كل ركعة وسجود.
كانت ليالي رمضان جميلة بالنسبة لنا، كنا نعهد فيها أنواعًا من المأكولات التي لا نشم رائحتها ولا نعرف طعمها إلا في هذا الشهر الفضيل، ولذلك فقد كنا ملازمين لآبائنا أو أمهاتنا إلى مجالس القهوة الليلية لنأكل من أطايب الطعام وملذات المائدة الرمضانية. 
حتى ساعة السحور كنا نترصدها لنشارك في وجبة غير محسوبة، ونستكشف الطعام المخبأ لوقت السحور.
كانت أيام رمضان ولياليه تمضي، وتدور الأفلاك، حتى انضممنا إلى قافلة الصائمين، وتباهينا نحن أمام الصغار، بحصولنا على جواز مجالسة الكبار على مائدة الافطار وعلى مائدة السحور، دون أن يكون جلوسنا ذلك فضول أو تطفل منا.
كانت انظار الجميع قبيل الافطار مصوبة نحو وجوهنا، تستقرئ أيًّا منا (سرق رمضانه) وأيًّا منا واصل الصيام، وكانت التحذيرات تُطلق متواصلة عن عاقبة الذي يسرق رمضانه.
يقول الكبار لنا: "أن الذي يسرق الرمضان، ويأكل أو يشرب في نهاره، ستنبت له حبة حمراء كبيرة في رأسه، ليعلم الجميع بما اقترفته يداه، وبالذنب الكبير الذي آتاه"، كنا نقلب أبصارنا في الوجوه، ونبحث عن الحبة الحمراء، وعن الذي فضحت افعاله.
كان خوفنا كبيرًا، من ان تكون هذه الحبة علامة متواصلة حتى يوم العيد، حينما نظهر أمام الملأ، وتبين فضحيتنا التي لا تتعدى جرعة ماء بارد، في ظهيرة قائضة، لكن ذلك لم يكن إلا من قبيل التخويف والترهيب الذي مارسه الآباء علينا، في سعي منهم لحثنا على مواصلة الصيام، حتى اللحظات الأخيرة.
وتمضي الليالي الرمضانية الجميلة، وفي يوم الأخير، نتسابق لرؤية هلال العيد، وأخذ تباشير جديدة، والحصول على العيدية، التي ستطولها أيدي الباعة بما لذ وطاب من الحلويات، ومن الألعاب الجميلة.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.