رمضان والقرآن واستعادة الوعي

الاثنين, July 6, 2015
كاتب المقالة: 

 يَهِلُّ رمضان هذا العام، والعالم العربي كله ينتفض ويفور بالصراعات المسلحة. والقارة العجوز منشغلة بأزماتها الاقتصادية الخانقة، وهضم اللقمة الكبيرة التي ازدردتها، وهي خارجة لتوِّها من أوزار حروبها العالمية المدمرة؛ تحاول إزالة الفروق التاريخية واللغوية والعرقية التي كانت تمزقها، وردم الفجوات السحيقة بين شرقها المنهك بتجاربه الاشتراكية، وغربها المتخم برأسماليته الاستعمارية، لتندمج كلها في وحدة أوربية غير متجانسة ولا متكافئة.

ومن ورائها القارة البكر الغرور، التي يبدو أنها أكملت دورتها الحضارية على عجل، فبطِرت معيشتها، ونسيت قيمها الإنسانية، وأدركها ما يدرك الحضارات إبان سقوطها، وأعلن باراك أوباما ترحيبه بقرار المحكمة الأميركية العليا السماح بالزواج المثلي؛ العنوان الذي اختاروه بديلاً للشذوذ الجنسي، بكل ما ينطوي عليه من تناقض بين كلمتي: الزواج القائم على التعدد المفضي إلى التكاثر والنماء، والتماثل القائم على التفرد (تعدد الأمثال)، المفضي إلى العقم والفناء..
وعلى الرغم من أن قرار المحكمة العليا اتخذ بأكثرية ضئيلة، فإن المجتمع الأمريكي ما يزال يحترم الأسرة، يصطحبها المرشح للرئاسة في حملاته الانتخابية، مؤكداً نظافة سلوكه الاجتماعي، فإنها بداية الطريق، وقد نرى في قادمات الأيام مرشحاً للرئاسة يصطحب في حملته الانتخابية زوجه المثلي، ليحيق الهلاك بالمجتمع الأميركي، مثلما حاق بقوم لوط: (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ.. إِنّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) [العنكبوت 29/28-34].. قانون إلهي لا يخيب!!
***
يَهِلُّ رمضان هذا العام، والعالم الإسلامي يغالب رقاداً طال أمده، تحت هدهدة شياطين الاستعمار القديم، وسدنة النظام الدولي الجديد: " عليك ليل طويل فارقد"، وقد بدت بواكير صحوته، انخراطاً من بعض دوله في دورة حضارية جديدة، وتململاً في بعضها الآخر: على هيئة انتفاضات شعبية لم تستكمل وعيها، ولم تثبت أقدامها على أعتاب الطريق السليم بعد!!
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن؛ فأطلق أمة كانت تعيش على هامش التاريخ، لتحمل آخر رسالة سماوية إلى العالم كافة، تنهي بها عصور المعجزات المادية، لتكون الكلمةُ معجزتَها الخالدة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [ العلق96/1].
وليكون الكتابُ دستورَها الأبدي الذي تباهي به الأمم، (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت29/51].
وليكون كتابُها؛ الوحيدَ: الموثَّقَ الذي لم يتبدل فيه حرفٌ.. الأبدِيَّ الذي يخاطب الأجيال المتعاقبة، فيلبي احتياجات كل منها، وكأنه يتنزل عليها لتوِّه.. الإنسانيَّ الذي يخاطب كل أمة، وكأنه يختصها بالخطاب، لتحمله رسالة لكل العالمين.. الشاملَ الذي حقق لإنسانه التوازن النفسي الخلاق؛ بين مطالب جسده وروحه، ودنياه وآخرته، وذاته ومجتمعه!!
وحدَه الإنسانُ المسلم؛ المؤهلُ لقيادة العالم في عصر المعرفة الذي انخرط فيه منذ بداية الألفية الثالثة.. وحده الإنسانُ المسلمُ الذي يملك خارطة الطريق الملائمة لهذا العصر.. أقصد بالإنسان المسلم؛ كل مواطن عاش في هذه البقعة المباركة من العالم، التي حملت اسم العالم الإسلامي، واندمج في حضارتها، على اختلاف دينه ومذهبه وعرقه وطائفته، ويراد لها الآن ان تغير اسمها إلى شرق أوسط جديد، بهدف تغيير هويتها، وطمس تاريخها، وشل فاعليتها، واستتباعها!!
في شهر رمضان الذي تصفو فيه النفوس، وتنشط فيه العقول المتحررة من مطالب الجسد؛ آن للمسلم أن يقرأ القرآن قراءة جديدة واعية؛ كأنه يتنزل عليه الآن، فلا يزال القرآن مذخوراً بطاقته على العطاء، وقدرته على إعادة إنتاجه جيلَ البناء، كما أنتجه أول مرة على يد الرسول؛ ليعلمنا:
كيف نعيد بناء مجتمعنا المتصدع: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت 41/34]
وكيف نتعامل مع الآخر (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) [الممتحنة 60/8] .
وكل ما يؤسس لمجتمع فاضل يسير في ركاب الحضارة!!

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة