زغردوا للقراصنة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

زغردوا للقراصنة

(حلال على الشاطر)

محمد عدنان سالم

ألم أقل لكم: القرصنة هي الأقوى؟!

أقوى من دساتيركم، ومن قوانينكم، ومن محاكمكم، ومن كل أجهزة الأمن، والضابطة العدلية، وشرطة المصنفات، ومن دوائر حماية الملكية الفكرية في وزارة الثقافة، ومن جهود مكافحة التزوير في اتحادات الناشرين، ومن اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية في اتحاد الناشرين العرب، ومن كل القضاة والمحامين والكتّاب والغيورين على مستقبل الثقافة..

لست مازحاً، صدقوني!!

القرصنة هي الأقوى ، وهي لذلك الأجدر بالبقاء، في عصر (البلطجة) والافتتان بالقوة، والرضوخ للأمر الواقع، أليس أمن إسرائيل وبقاؤها في الأرض التي احتلتها وأخرجت أهلها من ديارهم، أهمُّ لدى الأسرة الدولية من أمن الفلسطينيين وكل العرب المحيطين بهم ومن حقهم في البقاء؟!

كذلك هي القرصنة؛ تسطو جهاراً علناً في وضح النهار، على حقوق المبدعين والناشرين، وتُضبط متلبسة بالجرم المشهود، ويُتحفظ عليها مع كل المواد المسروقة، والأدوات المستخدمة، والشركاء في تسهيل ارتكاب الجريمة وفي إخفاء آثارها، ثم لا تلبث أن تعود لممارسة هوايتها في السطو، تاركة ملفات الجريمة الأولى قابعة في دواوين القضاء، تغط في نوم عميق لتحظى بمباركة مجتمع استباحة الحق الفكري على طريقة المجتمع الدولي وإسرائيل، وحلال على الشاطر.

ثم إنها لا تبالي أن تضبط ثانية وثالثة، فقد تمرست واكتسبت من الخبرة بالتعامل مع أجهزة الأمن ودواوين القضاء، والالتفاف على القوانين، والسطو على حقوق الناشرين واقتناص الفرص على حين غرة من أهلها، ما يؤكد أنها الأقوى والأجدر بالبقاء في عصر (البلطجة)، ولتذهب الحقوق والدساتير والشرائع والقوانين، وأجهزة الأمن والقضاء، وثقافة الأمة وإبداع المجتمع إلى الجحيم، أو فليشربوا جميعاً البحر، و ليموتوا بغيظهم..

لا أقول ذلك مبالغة، أو توهماً، أو افتراءً، أو على سبيل الإثارة والإطراف.. صدقوني!!

ما أقوله هو من صميم الواقع المحسوس، ومن ملفات القضاء.. لا أستطيع البوْح باسم المجرم المتمرس بفن القرصنة، المدمن على اقتراف إثمها.. لن أتيح له فرصة ارتداء جبة شريف مكة، يستر بها عار القرصنة، ويلاحقني بتهمة التشهير والاعتداء على شرفه وعفافه، فأنا أعلم أن هذه التهمة تحظى من اهتمام القضاء واستعجال البت بها، بأكثر مما تطمع به قضايا القرصنة والاعتداء على الحقوق.

كل ما أستطيع البوْح به أن قرصاناً في مصر- سمِّه الحوت، سمِّه الشاطر، سمه ما شئت- قام عام 2003 بأكبر عملية قرصنة في تاريخ النشر، ضبطتها أجهزة الأمن المصرية، وصادرت من مخزنه كتباً مزورة معبأة في 130علبة و 100 شوال, وأخرى لم تعبأ؛ حملتها خمس شاحنات،تعود حقوق نشرها إلى عشرة ناشرين مصريين وسعوديين ولبنانيين وسوريين، وقادته إلى النيابة على ذمة التحقيق، التي أفرجت عنه بكفالة ألف جنيه، وأحالت قضيته إلى القضاء.

وفي عام 2004، أعاد القرصان الشاطر الكرة- وقضيته الأولى ما تزال أمام القضاء – ليعيد السطو على الكتب ذاتها التي ما تزال متحفظاً عليها، ولكن بحيطة أكثر ومكر أكبر هذه المرة، مكناه من إخفاء معظم عناصر الجريمة، ماعدا أطرافٍ منها تشي بفداحة حجمها، وتدل عليها كما تدل البعرة على البعير، وسيق ثانية إلى النيابة، وأفرج عنه هذه المرة بلا كفالة، وأحيلت القضية إلى القضاء، حيث ما تزال تُنظر أمامه..

وها هو في عام 2005، يعيد الكرة للمرة الثالثة، وقد أصبح من التمرس والإفادة من تجاربه، بحيث يتمكن من التواري وإخفاء الجريمة وطمس آثارها، فلا يظهر منها إلا بقايا روائحها النتنة التي تفوح هنا وهناك، فالكتب المزورة موجودة بين أيدي الناس؛ يدلك أصحابها على المكتبة التي اشتروها منها، وتذهب إلى المكتبة فلا تجد إلا نسخة أصلية من الكتاب موجودة على الرف موثقة بفاتورة من الناشر، أما النسخ المعدة للبيع فهي تحت الطاولة، لا تباع إلا لمأمون جانب، غير مشتبه بوجدانه وغيرته على الحقوق وتورعه عن الولوغ فيها.

ولسوف يتابع جريمته التي احترفها، وأتقن فنونها،ووطد نفسه على تحمل جرائرها القانونية: ليلة في إدارة المصنفات، وكفالة لا تعجزه يقدمها للنيابة، وجلسات محكمة يكلها إلى محامين حاذقين يعرفون كيف يستلون الشعرة من العجين، وينصرف هو إلى تكرار جرائمه من جديد، من دون أن تطرف له عين، أو يشعر بوخزة ضمير، فإذا ما ثارت بين جوانحه مشاعر الإثم والخوف من عقاب الله، داراها ببعض الفتاوى؛ يتذرع ويخادع نفسه بها وهو يعلم يقيناً زيفها..

ماذا يعني لنا هذا الإصرار والتكرار والتمادي الوقح – الذي يصل إلى حد تهديد أصحاب الحقوق في أموالهم وأمنهم وحياتهم- غير الاستخفاف بالشرائع والقوانين والأنظمة والأعراف والتقاليد المهنية وأخلاقيات المجتمع، إلى حد السخرية؟!

فما جدوى القوانين؟ ولماذا تنصب أقواس القضاء؟ وتوظف أجهزة الأمن لحفظ الحقوق؟!

لابد أن يكون أحد الطريقين الأصحَّ والأجدرَ بالبقاء: طريق الشرعية والالتزام بالحقوق أو طريق القرصنة و (البلطجة).

لن تستطيع الشرعية أن تستمر بلا حماية. لا يجوز تركها في مواجهة القرصنة بلا غطاء ولا رادع، في صراع غير متكافئ.

لن يستطيع الناشر أن يقوم بدور العسس، يرصد الاعتداءات المحتملة على كتبه، ثم يجتهد لنصب الفخاخ للإيقاع بالمعتدي، ثم يرافق الشرطي لضبط المعتدي متلبساً بجرمه؛ يقودانه إلى النيابة لتفرج عنه بكفالة، ثم يلهث باحثاً عن محامٍ خِرّيت يضم قضيته الصغيرة إلى قضاياه الكبيرة؛ يمارس ومساعدوه لعبة التأجيل المتكرر مع محامي الدفاع (المختارين بعناية) ومع المحكمة، إلى أن يلفها النسيان، أو عوارض الزمان.. فلنصفق معاً للقرصنة؛ نعلن فوزها في سباق البلطجة، ونداري دموعاً حرّى تغالبنا؛ حزَناً على مصرع الإبداع بين ظهرانينا في عصر اقتصاد المعرفة..

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: