سلبيات استباحة حقوق المؤلف

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

احترام حق المؤلف مسألة أخلاقية قبل أن تكون قانونية:

كنت وما أزال أقول: إن احترام حقوق المؤلف مسألة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.

فحق المؤلف حق طبيعي من حقوق الإنسان يترتب له نظير جهده الذي يبذله، ولئن كان استثماره لجهده العضلي حقاً تعترف به كل الشرائع والقوانين ...

والأعراف، فإن اعترافها بحقه في استثمار جهده الفكري يكون من باب أولى.. ذلك أن الجهد الفكري أسمى وأرقى من الجهد العضلي، ولئن كان عمل اليد يجلب للإنسان التعب والعرق، فإن عمل الفكر يسبب له السهر والأرق، ولئن كانت السخرة تُتصور في الجهد العضلي يساق إليها الإنسان بالإكراه، فإنها لا تُتصور في الجهد الفكري، إذ لا يمكن تسخير الإنسان للتفكير بالإكراه، ومن المتعذر الدخول إلى تلافيف دماغه لاجتناء ثمرات أفكاره.

وفي هذا المنعطف الحاد - الذي تجتاز فيه البشرية اليوم عصر اقتصاد الصناعة إلى عصر اقتصاد المعرفة ، وتتبدل فيه معايير تقدم الأمم، فغدا يقاس بمقدار ما تملكه من ثروة المعلومات، أكثر مما يقاس بمقدار ما تملكه من ثروة المال- تعاظم دور العمالة الفكرية واشتد الطلب عليها، وتقلص دور العمالة اليدوية وتراجع سوقها، وأصبحت قضية حماية الحق الفكري ضرورة من ضرورات التقدم.

وعوداً على بدء فإن حماية الحق الفكري مسألة أخلاقية لا يمكن لأكثر القوانين تشدداً أن يفرضها على مجتمع لا يؤمن بها، ولم تترسخ في ضميره وتستقر في وجدانه بوصفها حقاً طبيعياً من حقوق الإنسان يعد تجاهله افتئاتاً على هذه الحقوق وعدواناً عليها وعملاً غير مشروع يدرجها في عداد السرقة وأكل المال الحرام، ويجعل المتجاهل لهذه الحقوق يشعر بالإثم والذنب والخزي وعار الجريمة، عندما تمتد يده إلى عمل فكري مقلَّد، مثلما يخامره هذا الشعور عندما تمتد يده لسرقة سلعة أو حلي أو متاعٍ لا يملكه سواءً بسواءٍ.

عند ذلك يصبح للقانون معنى، ويصبح قابلاً للتطبيق.

ذلك أن القانون يؤكد الحقوق ولا ينشئها، فما جدوى صدور قانون لحماية الحق الفكري في مجتمع يستبيح هذا الحق من فرقه إلى قدمه، يستوي في استباحته له المنتج والمستهلك والشرطي والقاضي الذي يرى كل منهم في الجهد الفكري واجباً لا يستحق بذلُه الأجر، ويرى في ثمرات الأفكار ملكاً مشاعاً كالكلأ والماء، من حقه أن يمد يده إليه دون أن تطرف له عين؟!

الإيجابيات الموهومة لاستباحة الحق الفكري

إن المجتمع الذي يعتنق ثقافة استباحة الحق الفكري، ويمارسها من دون أن يكون لهذا الحق في ضميره أي حرمة أو احترام - وهو حال المجتمع العربي والإسلامي برمته - لن يرى في استباحته لهذه الحقوق أي سلبيات تذكر، بل هو يرى فيها محض إيجابيات تيسر العلم لطلابه، والمعرفة لعشاقها، وأنا ألتمس لديكم العذر كي أبدأ بالحديث عن هذه الإيجابيات المزعومة لسرقة الأفكار، قبل التحدث عن سلبياتها، فبضدها تتميز الأشياء.

وأبادر سلفاً إلى التنويه بأنني لا أعترف بأي من هذه الإيجابيات المزعومة، وأعدها ذرائع واهية لا تقوم بها حجة، ولسوف أفندها واحدة واحدة، قبل أن يدور في خلد أحد شبهة قبول لها:

أولاً- توفير المعرفة لطلابها بسعر أرخص:

وهو ما يصفِّق له المجتمع، ويعده خدمةً اقتصادية واجتماعية وثقافية جليلة، تُخلِّصه من جشع المنتجين الأصليين وفرضهم السعر الأعلى، على الرغم مما يعرفونه من تدني مستوى الدخل لدى الفرد، وتعقُّد سبل المعيشة واحتياجاتها، وإذا كانت نسبة تخفيض السعر على الأوعية الورقية (الكتاب) لا تتجاوز 30% فإنها على الأوعية الأخرى السمعية والسمعبصرية والإلكترونية (الأشرطة والأقراص الممغنطة والكتاب الإلكتروني) قد تبلغ 90%، بمعنى أن المستهلك يستطيع أن يحصل على الشريط أو القرص المنسوخ (CD) بعُشر ثمنه الأصلي، فلا يعقل أن يطالب بالتضحية بهذه الفرصة المتاحة مهما تكن الأسباب الداعية لها.

وفي تفنيد هذه الذريعة الواهية أقول:

1-هل يسوِّغ السعر الأرخص لأحد أن يشتري حلية أو متاعاً مسروقاً؟ ولئن فعل فإنه لن يستطيع أن يداري وخز ضميره وشعوره بالإثم، ولسوف يتستر من الناس مخافة أن تزدريه أعينهم وتلوكه ألسنتهم، كما إنه لن ينجو من سطوة القانون الذي يعُد حيازة المسروق جريمة يعاقب عليها.

فهل تكون ثمرات الأفكار والحقوق المترتبة عليها أدنى مرتبة من الحقوق المادية والعينية؟! وهل يقبل ذلك في عصر المعلومات الذي يتركز الإنتاج فيه على الأفكار؟!

2-المستهلك هنا، إنما يقوِّم المادة الفكرية بقيمة وعائها المستوعب لها، ورقياً كان أم رقمياً، على قرص ممغنط (CD) أو على الإنترنت، ويتجاهل أولا يفطن إلى قيمة مضمونها العلمي الذي بذل فيه مؤلفه وناشره الكثير من الوقت والجهد والمال.

إن إنتاج برنامج حاسوبي واحد يتطلب حشد عدد كبير من الفنيين؛ مبرمجين ومصممين ومدخلين، وجلبَ الكثير من المراجع والمصادر، وتوفيرَ الكثير من الأجهزة، ومن الأموال، ومن العمل الدؤوب شهوراً وسنين.. بينما لا يتطلب نسخُه غير ثانية واحدة من الزمن،تُدخل فيها القرص الذي غالباً ما يكون من نوع رديء لتحقيق المنافسة، عبر جهاز بسيط ليس له قيمة تذكر.

وأستبعد أن يكون المستهلك على درجة من الجهل لا يفرق فيها بين الوعاء المملوك ومضمونه المسروق، خاصة وأن استخدامه له يشي بأنه مثقف متحضر ينتمي إلى جيل الكمبيوتر وعصر المعلومات.

3- وما أظن المستهلك يجهل أن فرق السعر بين المنتَج الأصلي والمنسوخ أو المقلَّد، إنما يمثل حق المؤلف ونفقات الإعداد والتحضير والإخراج، التي يبيح لنفسه سرقتها.

4-ليس من مصلحة الناشر أو المنتج الأصلي رفع قيمة الكتاب أو المادة الفكرية في مجتمع عازف عن القراءة، سوف يزيد السعر العالي من إعراضه عنه.

ثانياً - منع التعسف في استعمال الحق، وكسر احتكار المعرفة:

وهو الذريعة التي يتشبث بها المستهلك في مواجهة براءات الاختراع التي تُمنح للمبدعين، فتحمي منتجاتهم زمناً تمنع فيه مزاحمتَهم أو منافستهم، وتطلق يدهم في تحديد سعرها للمستهلك، وقد تكون من ضرورات حياته كالدواء، أو قد تشمل أحياناً احتياجاته الثقافية كما في مصحف التجويد الذي أقحم في مجال براءات الاختراع كسلعة صناعية من غير وجه حق.

أو في مواجهة المجتمعات المتقدمة التي يتركز فيها الإبداع ويتضخم حجم المعارف والعلوم، فتحجبها عن المجتمعات الآخذة بالنمو، مطالبة للإذن بترجمتها بشروط قاسية مجحفة لا تراعي واقعها المتخلف وضعف اقتصادها، وهبوط مستويات الدخل فيها مع شدة احتياجها.

أو يطلقها الطلبة في وجه أساتذتهم الذين يربطون نجاحهم بالمقررات التي يؤلفونها لهم، ثم يستغلون حاجتهم إليها فيغالون في أسعارها في وضع احتكاري مزعج لطلبة لم يبدؤوا حياتهم العملية بعد.

إنني أتعاطف كثيراً مع هذه الذريعة، وأكره الاحتكار والتعسف، لكنني أتساءل بحرقة: أليست لدينا وسيلة غير القرصنة لمعالجة هذه المشكلات؟! وهل استنفدنا كل الوسائل المشروعة قبل أن نعمد إلى إهدار الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل؟!

إن الحصر الذي تمنحه براءة الاختراع للمنتج، لا يعفي أجهزة الرقابة على الأسعار في الدولة من واجب حماية المستهلك، ولا بد من تحقيق المعادلة بين حق المؤلف في استثمار ابتكاره وحق المستهلك في منع التعسف في استعماله.

وإن تعدد المصادر والمراجع بين يدي الطلبة وخاصة في مراحل التعليم العالي يخلصهم من ربقة احتكار المقرر الواحد، فضلاً عن تنمية روح البحث لديهم، وتوسيع آفاق المعرفة أمامهم.

أما نقل المعرفة من مظان توافرها، بلغاتها الأصلية، أو بترجمتها، فإن التفاوض والمناقشات الثنائية والاتفاقات الدولية.. كل ذلك كفيل بالحد من نزعة الاحتكار والمغالاة بالأسعار.

لقد استطاعت الهند الحصول على أذون بطبعات خاصة محدودة النطاق الجغرافي للتسويق، من كبريات دور النشر العالمية المتخصصة بالكتب العلمية، وباعتها بأسعار رخيصة جداً بالمقارنة مع الأسعار الأصلية.

كما حصل الأفارقة عن طريق التفاوض، والاستفادة من الاتفاقيات والمنظمات الدولية،على مساعدات كبيرة في مجالات نقل المعرفة والثقافة.

وإن في أنظمة المؤسسات الدولية من الاستثناءات في هذا المجال ما يغني عن القرصنة، كمفهوم النشر الإجباري والترجمة الإجبارية بالسعر العادل.

السلبيات الخطيرة المترتبة على الاستباحة:

1ً-عوز الإبداع:

فحرمان المبدع من استثمار إبداعه، يثبطه ويجعله عاجزاً عن متابعة إبداعه، فعلامَ يبحث ويحلل ويوري زناد فكره، ويستقرئ ويستنتج ويبذل ماله ووقته وأعصابه لاستيلاد أفكار جديدة، إذا كان يعرف أن القراصنة يقفون له بالمرصاد، ما إن يطرح إبداعه حتى يتلقفوه ليتولوا استثماره نيابة عنه.

إن القرصان لا يتعامل مع الإبداع في أي مرحلة من مراحله، من تأليف وتحرير وتنقيح وإعداد ورقن وتصحيح وتدقيق وفهرسة وتصميم وإخراج، إنما يسطو على العمل بعد أن يستوي على سوقه؛ يصوره، ينسخه، يمسخه، يسوِّقه وليس له فيه إلا الوعاء الذي ملأه سحتاً ومالاً حراماً، يستأثر بالغُنْم ويترك الغُرْم للمبدع خلافاً للقاعدة الشرعية المعروفة (الغنم بالغرم)،فأنى للمبدع المأكول حقه بالباطل أن يبدع؟! وما مستقبل ثقافة مجتمع يخذل مفكريه، ويغضي عن سرقة جهودهم، ويكتفي بما يقدمه له القراصنة فيها؟! أغلب ظني أنه سيسقط في حمأة التخلف والجهل؛ ذلك أن القراصنة كالعلَق يتشبث بجسد الإبداع يمتص دمه الزكي حتى إذا بلغ منه الثمالة سقطا صريعين جميعاً..

2ً- هجرة الأدمغة:

فالمواهب والكفايات والقدرات الفكرية رأس مالٍ هو الأرقى والأسمى والأكثر تقديراً وتقويماً في عالم اليوم، الذي يتحوَّل بسرعة مذهلة إلى عصر المعلومات.. سرعةٍ لم يشهدها في أيٍّ من التحولات البشرية السابقة التي كانت تتم في آماد أطول على الرغم من النعوت الثورية التي أطلقت عليها، فسميت ثورة زراعية، ثم ثورة صناعية، تعايشتا طويلاً، وما تزال شعوب تعيش عصر الزراعة لم تبلغ عصر الصناعة بعد.. ولديها الفرصة الآن أن تتجاوزه إلى عصر المعلومات، إن هي أعملت فكرها، ووفرت المناخ الملائم لازدهار الأفكار وإعلاء شأنها وتقديرها قدرها، وفي طليعة ذلك صونها من العبث بها وحمايتها من العدوان وتحريرها من الخوف والقيود..

وما لم يتوفر لها هذا المناخ الملائم، فإنها مثل كل طاقة ورأس مال آخر سوف تهاجر باحثة عن متنفس لها في جو تستمتع فيه بعبق الحرية والحماية والاحترام… ولسوف تجد على الطرف الآخر من ينتظرها ويتسابق إليها ويتودد لها ويغريها، بل إنها غالباً ما تجد من يبحث عنها، ويرصد تفتحها منذ أن تبرعمت، فيعرض عليها خدماته؛ منحاً دراسية، وفرصاً نادرة، ويستدرجها ليستأثر بمواهبها وتفوقها من دون أهلها وأوطانها..

فإن هي تأبَّت وتمنعت، احتال لها بكل الحيل، حتى إنه ليستثمر جهدها الفكري وهي في مكانها، وقد تكفلت العولمة وثورة الاتصالات له باختزال الأبعاد والآماد وتجاوز كل الحدود والقيود، فأصبحت المعلومات والبرمجيات تتنقل من أقصى المعمورة إلى أقصاها عبر الإنترنت من دون جواز مرور، ولا كيان منظور يخضع لرقابةٍ أو رسوم جمركية أو ضرائب مالية.

3ً-حرمان الدخل القومي من مورد سيكون الأهم في الميزان التجاري للدول:

تشكل تجارة البرمجيات أرقاماً مذهلة في ميزانيات الأمم التي أسرعت في التحول إلى اقتصاد المعرفة؛ تتضاءل إزاءها الأرقام الصناعية، بله الزراعية.. ولئن كان رأس المال في الاقتصاد الزراعي يعتمد على خصب التربة وملاءمة المناخ، ويعتمد في الاقتصاد الصناعي على توافر المواد الأولية، -وذلك كله متفاوت بين الأمم- فإن المادة الأولية في اقتصاد المعرفة هي الفكر، والفكر مشاع بين الشعوب، موزع بينها بالسوية، مما يضع الجميع على عتبة سباق واحدة، أمام فرص متكافئة، يحوز قصب السبق فيها كل من كان الأسرع لاغتنامها.

يقول بيل غيتس صاحب شركة ما يكروسوفت، الذي ارتقى مرتبة الرجل الأغنى في العالم: "لست أخشى منافسة أي شركة نظيرة في العالم، إنما أخاف أن تنقدح فكرة في ذهن ميكانيكي في مرآب في زاوية مهملة من العالم؛ تتجاوز أفكاري وتتفوق عليها".

لقد قررت إيرلندا التحول إلى اقتصاد المعرفة، وأعدت عدتها لذلك، فدخلت إلى عصر المعلومات من بوابة التعليم، واستطاعت خلال عقدين من الزمان فقط أن تحصد في ميزانها التجاري لعام 2000، ستين مليار دولار منافسة بذلك كبريات الدول. وكان احترام الملكية الفكرية بطبيعة الحال مستقراً في ضمير شعبها، لا يسمح فرد منه لنفسه أن يمد يده إلى عمل فكري انتهكت حرماته، ولا يطيق أن تقع عينه على انتهاك لها، فإن وقعت ونادراً ما تقع، فسرعان ما يتطوع بإحالته إلى القانون.. فيتساند الوعي الاجتماعي الرافض لانتهاك الحقوق مع القانون الذي يقف له بالمرصاد لينـزل به أشد العقوبات.

4ً-إسهام المؤسسات الرسمية في دعم شبكات القرصنة وتنميتها:

تطرح المؤسسات الثقافية الرسمية (وزارات وجامعات ومراكز ثقافية) مناقصاتها مشروطة بتقديم السعر الأرخص، من دون أي التفات لحق المؤلف، فهي بذلك تقرر سلفاً إخراج المؤلف والناشر الأصلي من خطاب المناقصة… فالقراصنة وحدهم المستهدفون فيها، لأنهم الأقدر على المنافسة وتقديم السعر الأرخص لأسباب عديدة، أولها: تخلصهم من عبء حق المؤلف الذي يسقط نسبة 10% على الأقل من السعر، وثانيها: تحررهم من تكاليف إعداد الكتاب أو البرامج وتصميمها وإخراجها، مما يضيف لصالحهم نسبة أخرى لا تقل عن 10%، وثالثها: عبثهم بالمواصفات المادية للكتاب لتخفيف تكاليف إنتاجه من ورق وطباعة وتجليد.

هكذا أسهمت المؤسسات الثقافية الرسمية في الوطن العربي في تكوين شبكات القرصنة الثقافية وتنميتها وازدهارها..

فقد أثارت هذه الفرصة الثمينة التي أتاحتها المناقصات الرسمية شهية الكثيرين من الطفيليين والدخلاء ممن لا يمتون بصلة لصناعة الثقافة والنشر للدخول في الحلبة، وتضخم عددهم، وبعد أن كانوا معدودين على أصابع اليد يستخفون بقرصنتهم خزايا في الأقبية ومن وراء الكواليس أيام كان سوق الكتاب يقتصر على القارئ المحدود،أصبحوا يُعدون بالعشرات وبالمئات، مستعلنين بفعلتهم الشنيعة، أيام سوق المناقصات، يحضرون ممارساتها مختالين مفاخرين؛ بياقاتهم البيضاء وحقائبهم( السمسونايت) حتى بلغ بهم الاستخفاف بالثقافة حد انتحال الصفات العلمية (فتدكتر) بعضهم وهو لا يكاد يبين، وحق له ذلك فهو المنافس الأوفى حظاً، والمؤكد فوزه سلفاً، وسيُطلب منه المثول أمام الوزراء ومديري الجامعات لتوقيع العقود، وتلقي التهاني بالخدمات العظيمة التي سيؤديها لثقافة المجتمع.

ولم تنفع مع المؤسسات هذه، كل التحذيرات التي وجهت إليها، لتجنب الإساءة البالغة التي تقدمها لثقافة الأمة، بتشجيعها على أكل الحقوق ووأد الإبداع، مدعية أن مسألة الحقوق قضية قانونية مردها إلى القضاء، وأن أنظمتها تنص على تحري السعر الأرخص، ولا علاقة لها بحق المؤلف، متجاهلة أن القانون الذي ترد إليه يعدُّها شريكاً في سرقة حق المؤلف، متواطئاً مع اللصوص في تسهيل ارتكابهم الجريمة وتستره عليهم، مرتكباً أساسياً لإثم وأد الإبداع وضمور ثقافة الأمة.كل القوانين تعاقب على حيازة المسروق والتصرف به، و تعد الحائز كالسارق سواءً بسواء.

5ً-إحباط الناشر الملتزم:

يجتهد الناشر الملتزم في تحري ثغرات الثقافة ومستجدات العلوم؛ يبحث عنها، يتصيدها، ينشئ السلاسل والموسوعات والمشاريع؛ينقب عن مخطوطات التراث المتوارية في المكتبات العامة والخاصة، يرتاد آفاق المعرفة المتجددة في العالم، يُعِدُّ فريقه للتأليف والتحرير والتحقيق والترجمة، وأجهزتَهُ للتدقيق والتنقيح والتصحيح والإخراج، يبذل ماله في الإنتاج، يفتح مخازنه لاستقبال ما أنتج، ريثما تلتهمه القرائح النهمة إلى المعرفة ومستجداتها.

وتراه كلما جاءه البشير بنبأ إصدار جديد له، يحتفي به مثل مولود جديد، يؤذِّن في أذنه، يَعُقُّ له العقيقة، يقدمه لوسائل الإعلام، يهديه لذوي الاختصاص، يعلن عنه لقرائه، يحلم بأن يطوره ويتلافى مثالبه في طبعة قادمة وشيكة عندما يؤذِنه الخازن بنفاد طبعته الأولى..

لكن الخازن لا يؤذنه بغير ضيق المخزن وعجزه عن استقبال وافد جديد، بعد أن تكدست فيه المواليد.

يستنجد بمال قارون، وخزائن يوسف، وصبر أيوب، ويتمنى لو كان له عمر نوح وسفينتُه يحمل فيها بنات أفكاره إذا فار التنور، إلا من سبق عليه القول منهن.

وفي غمرة أحلامه وأوهامه، يأتيه النذير مهنئاً:

لقد رست المناقصة على فلان متضمنة ستين عنواناً من إصداراته من كل عنوان ألف نسخة، سيطبعها الفائز المحظي، غير مبالٍ بأضعافها المكدسة في مخازنه.

وقبل أن يبتلع ريقه يأتيه نذير الشؤم بخبر مفاده أن المخطوطة التي جمعتَ أجزاءها من أنحاء المعمورة حتى اكتملت لك، واستنفرت لتحقيقها ثلاثة عشر محققاً، وقضيت في إنجازها ثلاث عشرة سنة، وأنفقت عليها ثلاثة عشر مليوناً لتصدرها في تسعة وعشرين مجلداً ، قد طبعت بكل أمانة، كما أصدرتها تماماً، في إيران، وسوِّقت في باكستان، ووزعت في المشارق، وانتقلت منها إلى المغارب، وسقط قسم منها في بلدان الشرق الأوسط.

وتتلاحق النذر:

أرأيت إلى كتابك الذي عكف كبير المحققين في مصر على تحقيقه سبع سنين دأباً، ثم أصدرتَه في ثلاثة مجلدات، هاهي ذي طبعة جديدة منه قد صدرت في مجلدين، تحمل اسم محقق لم يسمع أحد باسمه بعد، يكشف التحقيق عن أن مغامراً أعطاه خمسة آلاف جنيه، ومعها سبعة كتب، لا يريد منه سوى أن يمسك ببعض المعاجم، يعبث من خلالها فيما بين يديه من الكتب،ببعض الهوامش والمعالم.. إنه مبلغ مغر لطالب ثانوية سيظهر اسمه، إضافة إلى المبلغ الذي تسلّمه، على سبعة كتب، بوصفه المحقق الكبير، ولا يشعر بأي حرج إن هو احتفظ بكل بصمات المحقق الشهير على الكتاب، حتى بهفواته وأخطائه المطبعية.

لقد حاولتَ أن تواكب تقنيات العصر، وتمارس النشر الإلكتروني إلى جانب الورقي، فهاهو ذا السوق قد أغرق بعشرات البرامج التي تعبتَ بإعدادها وإنتاجها، بأسعار تكاد لا تجاوز سعر القرص (CD) الخام إلا قليلاً، ولن تستطيع أن تسوِّق فيه شيئاً مما أنفقت مالك ووقتك في إنتاجه.

يضرب الناشر الجاد المثالي المتشبث بقيم الحق والثقافة يداً بيد، هل تصدُق فيه القاعدة المالية الشهيرة (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول)،فيهجرُ الكتاب وصناعة النشر؟‍‍

هل يجاري مثل غُزَيَّةَ، إن غوت غوى وإن ترشد يرشد؟!

‍ هل ينسحب؟‍ هل يأوي إلى جبل يعصمه من الماء يفر بدينه من الفتن؟‍

6ً- إضعاف الوازع الأخلاقي لدى الفرد والمجتمع:

ما أظن أحداً ممن يسوغ لنفسه شراء كتاب مقلَّد أو برنامج منسوخ، أو حتى مجرد استخدامه، يجهل أنه يمارس اعتداءً على حق، ويقترف إثماً، ويرتكب ذنباً، ويستحل حراماً، ويأكل سحتاً يستوجب منه مخافة الله ووخز الضمير..

غير أن إغضاء المجتمع، وعجز القانون، وصمت أولي النهى، وتشجيع المؤسسات المعنية. كل أولئك يشكل ثقافةً تساعد الفرد على إسكات ضميره كلما استيقظ فاستنكر، وعلى انتحال الأعذار الشرعية واستخدام الحيل الفقهية،وليِّ أعناقها لتناسب الحال: فالضرورات تبيح المحظورات،والمحظورات تباح عند عموم البلوى، فما مصير القيم إذا كان لدى المجتمع لكل محظور فتوى؟‍!

ولماذا تقشعر أبدان الناس في البلدان المتحضرة، إذا رأوا مثل هذه المشاهد؟‍ هل للالتزام بالقيم وأداء الحقوق، والوفاء بالعهود، واجتناب المحظورات صلةٌ بمستوى التحضر؟‍‍‍‍!

لا أشك في ذلك، وقد كان لنا هذا الالتزام قبل الآخرين عندما كنا نتسنم صهوة الحضارة.

7ً-زعزعة ثقة العالم بنا، ونحن في عصر العولمة:

لم يعد العالم جزراً منعزلة.. لم يعد بوسع أمة أو شعب أن يضرب حوله ستاراً حديدياً ويعيش منغلقاً على نفسه..وإذا كان الاكتفاء الذاتي يمكن تصورُّه في السلع المادية- على الرغم من أن هذا التصور قد تجاوزه الزمن - فإنه لا يمكن أن يُتصوَّر في مجال الفكر والثقافة والمعرفة.

إن لدى كل أمة ثقافةً وفكراً ومعارفً، تحتاج إليها الأمم الأخرى لتثري بها معارفها وتنمي أفكارها.. لا تنمو الأفكار إلا بالتعدد، والتعدد والاختلاف آية من آيات الله تعالى امتن بها على عباده ]ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم[ [ الروم 30/22]، وجعلها وسيلة لتعارفهم وتكاملهم ]وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا[ [ الحجرات 49/13].. هكذا أرسى الوحي الإلهي قواعد التبادل الثقافي وحوار الحضارات بين الأمم والشعوب، على أسس التعارف والتكامل والحوار، مثلما وضع للصراع والتدافع قواعد أخرى تقوم على مبادئ الحق والعدل والمساواة بين البشر لدحض الباطل والظلم والتمييز العنصري عندما تطل برؤوسها مدفوعة بتحقيق مصالح عاجلة ، ونزعات تسلط واستعباد، بعيداً عن إطار الحوار والتعاون.

فما الصورة التي سترتسم لنا في أذهان الأمم الأخرى؟‍‍‍!

عندما يعمد مؤلف غربي على التأليف في نصرة قضيتنا الكبرى فلسطين وفضح أحابيل اليهود المعتدين معرِّضاً نفسه لمكرهم ونقمتهم، ثم يتعاقد مع ناشر عربي على ترجمته ونشره باللغة العربية، فلا يلبث أن يرى مؤسسة رسمية مرموقة في الوطن العربي قد ترجمته وطبعته على خمسين ألف نسخة من غير إذن ولا مجرد إخبار، وزعتها في أرجاء الوطن العربي قبل أن تصدر الطبعة الشرعية المأذونة، فيما أسمح لنفسي أن أسميه (قرصنة الكبار)، يزدهون بقرصنتهم ويمنون على الناس أنهم يرتادون لهم آفاق المعرفة؛ يقدمونها لهم بثمن بخس، ويكافئون الأجنبي الذي انتصر لقضيتهم بأكل حقوقه.. فبئست المكافأة.

وعندما يتسابق (صغار الناشرين) على إصدار عشرين ترجمة لنعوم تشومسكي وتيري ماسان (مؤلف الخديعة الكبرى) وباولوكولو وسبوزيتو وكارين أرمسترونغ وفاطمة المرنيسي وروجيه جارودي وماركيز، ثم يكتبون في صفحة المعلومات في الكتاب أن حقوق الطبع محفوظة لهم (أي إنها محفوظة لمن سبق للسطو عليها، شأن إحياء الأرض الموات).

وعندما يضطر الناشر العربي في عقوده مع الناشر الأميركي بأن يشترط عليه تزويده بالمخطوط قبل نشره لتتم ترجمته وإصداره في آن واحد؛ بالعربية هنا وبالإنكليزية هناك، لتفويت الفرصة على القراصنة - ما أمكن- أو لتحقيق سبق عليهم ربما يثنيهم عن عزمهم.

أليس لدينا من الإبداع ما نخاف عليه، إذا خطر في بال أحد أن يعاملنا بالمثل؟‍!

وإذا كنا نعاني من فقر مدقع في الإبداع - ونحن كذلك بالفعل- فهل استطعنا بالتسوُّل وقرصنة الأفكار أن نتحول إلى مبدعين، أم تُرانا ازددنا بهما فقراً على فقر؟‍!

8ً- الهبوط بمستوى الإنتاج:

حتى عندما يحاول القرصان تقليد كتابٍ، فلن يستطيع أن يحاكيه بنسبة تفوق 85% منه من الوجهة الفنية. أما على صعيد المواد المستخدمة في الإنتاج، فإن الغرض الربحي لديه وحرصه على تحقيق أرباح سريعة يملأ بها جيوبه على حساب الجودة، سيدفعه إلى استخدام الأردأ والأدنى والأقل جودة، لتحقيق ما يستطيع من وفر في تكاليف الإنتاج من حيث نوع الورق والتجليد والتغليف.

فإذا كان المنتَج ألكترونياً على قرص ممغنط (CD) فستكون الطامَّة الكبرى التي ستعود على المستخدم بأوخم العواقب:أقراص رديئة بأسعار متدنية تحقق المنافسة، ونَسْخ مستعجل لا يعتمد أياً من قواعد الحماية من ( الفيروسات) التي غالباً ما تأتي على جهاز المستخدِم وتخرِّب برامجه، فضلاً عن حرمانه من الحصول على الإصدارات التالية المحسنة التي يصدرها المنتِج الأصلي والخدمات التي يقدمها للمتعاملين معه.

*****

أرجو أن يكون ما قدمت من سلبيات ثقافة استباحة حقوق التأليف ما يلقي الضوء على مخاطرها، وضرورة التحرك لاجتثاثها وإحلال ثقافة وأخلاق الاحترام لهذه الحقوق محلها، وهو ما يتطلب تضافر جهود تربوية واجتماعية وإعلامية وقانونية كبيرة، تتنوع أساليبها وتستمر لمدة طويلة، نظراً لأن التغيير الاجتماعي صعب وبطيء، لا يتم بين عشية وضحاها.

ندوة وزارة الإعلام في الرياض

14-15/2/1424هـ = 16-17/4/2003م

محمد عدنان سالم

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة