سمات الحوار النبوي

الأربعاء, December 14, 2016
كاتب المقالة: 

لقد كان رسول اللهﷺ  أسوة للمسلمين في زمانه ولمن بعده إلى يوم الدين فقد كان قدوة ومثالا يحتذى في أخلاقه ومعاملاته وعباداته إلا ما اختص به كقيام الليل وصوم الوصال وغيرها . وما يهمنا هنا هو جانب المعاملة والأخلاق وبالأخص جانب التحاور مع الآخرين وللتعرف على أهم السمات التي كان يتسم بها الحوار النبوي مع الآخرين لا بد من دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والسيرة النبوية خاصة وسيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين كانوا ثمارا طيبة لتلك التربية (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ]الفتح: 48/29[

ولعل من أهم ما يتسم به الحوار النبوي :

1-العفو والتسامح: فكان رسول الله ﷺ يتصف عموما بالعفو والصفح عمن أسرفوا في إيذاءه وهو الخلق الكريم الذي أدبه ربه سبحانه وتعالى به حين قال له : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)]الأعراف: 7/199[    

 وهو خلق لا يستطيع أي شخص أن يتصف بمثله، لأن طبيعة الإنسان تطلب حظ نفسها في الثأر ومن الصعب على النفس التنازل عن حق الرد بالمثل يقول تعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ]فصلت: 41/35[

وقد ضرب رسول الله في ذلك أروع الأمثلة مع أعداءه في مشاهد لم تحدث مثلها في تاريخ البشرية ومن أشهر تلك الصور عفوه عن زعماء قريش من أهل مكة حين صاروا في قبضته في فتح مكة وهؤلاء حاولوا قتله مرات ومرات في مكة قبل هجرته ثم في أحد والخندق وآذوه إيذاءَ شديدا فلما قبض عليهم عفا عنهم بل وأعطاهم الجاه والمال

 حتى جعل من دخل دار أبي سفيان آمنا وأعطاه مع غيره من غنائم حنين ما أعطاهم من المال كثيراَ.

2-التواضع والتنازل للمحاور فكان يدرك هذه الناحية في الحوار فلم يكن يتعالى على أحد أو يرى ميزةَ لنفسه على الفقراء والمساكين وهذا سر تعلقهم به وحبهم له وسرعة دخولهم في الإسلام فكان يحب صحابته كبلال وزيد بن حارثة رضي الله عنهما وكان أكثر ما أثار انتباه عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه عند زيارته لرسول الله وقوفه وتواضعه مع المرأة العجوز التي استوقفته طويلاً وهو يحدثها [1].

3-دفع السيئة بالحسنة: قال تعالى(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)]فصلت: 41/34   [وهذه الخصلة انعكست في خلق رسول الله إلى حد  كبير فقد قابل خصومه من أهل مكة الذين آذوه وحاربوه وحاولوا قتله مراراً بالحسنى والإحسان إليهم

4-النزول للخصم: فلم يكن يحاور أحدا ولو كان عدوا لدودا بكبرٍ وتعالٍ بل كان ينزل له متواضعا ليتم الإفهام والتأثير الإيجابي المباشر في نفسه قال : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ]سبأ: 34/24[ وكان حينما يأتيه أحد المشركين ليعرض عليه التنازل أو المساومة في دعوته كان يستمع لرأيه حتى يفرغ من عرض طلباته دون كلل أو ملل ثم يقوم بالرد بهدوء وغالبا ما يكون رده تلاوة آيات من القرآن الكريم فيقوم الخصم من عنده وهو مشبع بسماع القرآن الكريم قد بلغته الحجة الإلهية على أحسن وجه فربما ذهب إلى قومه وهو يدافع عن رسول الله وعن القرآن الكريم وأنه كلام عُلوي رباني ليس بقول كاهن ولا مجنون ولا شاعر كما حدث للوليد بن المغيرة[2] .

5-البدء في الحوار بعرض النقاط القريبة من ذهن الآخر لاستدراجه إلى الحق شيئا فشيئا وعدم إثارة المواضيع التي يعاند فيها الخصم فحينما قدم عدي بن حاتم رضي الله عنه المدينة سأله رسول الله ﷺ:

قَالَ: مَا يُفِرُّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى اللَّهِ

قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاعَةً

ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا تَفِرُّ أَنْ تَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَتَعْلَمُ أَنَّ شَيْئًا  أَكْبَرُ مِنْ اللَّهِ

قَالَ: قُلْتُ: لَا[3].

6-إمهال الخصم أحيانا ولو كان مغلوبا حتى يفكر ويقتنع كما حدث لصفوان بن أمية حيث فرّ إلى البحر يطلب اليمن فجاء عمير بن وهب صديقه يطلب له الأمان من رسول الله فأمّنه فقال : يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك فأعطاه رسول الله عمامته التي دخل بها مكة فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر فقال : يا صفوان ..الله .. الله في نفسك أن تهلكها فهذا أمان رسول الله قد جئتك به قال : إني أخافه على نفسي قال: هو أحلم من ذاك وأكرم فرجع معه حتى وقف به على رسول الله فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني قال : صدق قال : فاجعلني فيه بالخيار شهرين ؟ قال: أنت بالخيار أربعة أشهر .[4]

فهذا كان عدوا لدودا ولا يلقى الآن من رسول الله العفو والصفح فحسب بل يبعث له بعمامته التي فتح الله له بها مكة تطمينا للهائم على وجهه إلى البحر ثم لما طلب المهلة للتفكير في الإسلام شهرين يمهله أربعة أشهر كما ورد في نص القرآن الكريم : (فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ) ]التوبة: 9/2 [

وذلك كي لا يقهره ولا يذله فهل في تاريخ البشرية مثال من العفو عند المقدرة أبر و أكرم من هذا الذي فعله محمد رسول الله ﷺ [5] .

  1. احترام رأي الآخر : وقبولها عند تبين الصواب فيها وهذا كان تعليما وإرشادا منه كما حدث في معركة بدر حينما أخذ الرسول الصحابة إلى أرض حسبه مناسبا للتعسكر فيها للقتال فقال أحد الصحابة وهو خباب بن الأرت: أهذا منزل اخترته يا رسول الله  ﷺبأمر من الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة

       قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة

       قال: فليس هذا بمنزل فذهبوا إلى أرض مناسب فيه بئر ماء وبنوا عليه حوضا 

           وغوروا ما عداه من الآبار [6].

 

*من كتاب الحوار  في السّيرة النبويّة (يصدر قريباً )

 

 

[1] السيرة النبوية لابن هشام تحقيق مصطفى السقا و إبراهيم الأبياري و عبد الحفيظ شلبي الطبعة الثانية 1375هـ - 1955 مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر 2/ 580

[2] السيرة النبوية لابن هشام 1/293

[3] البداية و النهاية لابن كثير 5/78 و انظر :هداية الحيارى في أجوبة اليهود و النصارى لابن قيم الجوزية تحقيق الدكتور وديع أحمد فتحي  الطبعة الأولى 1427هـ 2007م ص35

[4] السيرة النبوية لابن هشام 2/418 و الحديث رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن – باب و من سورة الفاتحة رقم 2878

[5] بطل الأبطال أو أبرز صفات النبي محمد  r لمؤلفه عبد الرحمن عزام الطبعة الثانية 1357هـ - 1938م صفحة 62

[6] السيرة النبوية بن هشام 1/ 620

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة