شوقي أبو خليل.. وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى

الخميس, August 26, 2010
كاتب المقالة: 

  لقد تواثقنا يومها على قيم كانت عربون صداقتنا؛ حريةِ الرأي وحريةِ التعبير عنه، وحقِّ الاختلاف ، والجرأةِ في قول الحق، فلا يتبنى أحدنا رأياً يعتقد خطأه لمجرد أنه رأي مَن يُكبره ويُجله، ولا يتشبث برأيه إذا ثبت له خطؤه، فالحق أحق أن يتبع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل…

 

كنا أربعة نستبق أيُّنا يكون أول من يفتح بوابة مصنع المعرفة في دار الفكر، عند السابعة من صباح كل يوم، فغدونا ثلاثة؛ أسرع أحدنا الدكتور شوقي أبو خليل، ليكون له شرف تقديم كشف الحساب؛ أتخيله الآن واقفاً في الأعتاب مردداً )وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى( [ طه20/84].

ليس من شأن المتسابق أن يخبر زملاءه بعزمه على الفوز في السباق، فقد طمأنني عندما اتصلت به قبيل وفاته إلى أن صحته بخير، وأنه سيكون معنا كعادته صباحاً.

ولئن كان مجمع الشيخ أحمد كفتارو قد رعا نشأته، وكانت كلية الشريعة بجامعة دمشق، ومجمع الفتح الإسلامي قدما له منابر التعليم التي تخرج فيها على يديه آلاف التلاميذ ممن انتفعوا به، وشهد إقبالهم عليه بسعة علمه وتميزه؛ فإن دار الفكر كان لها شرف احتضان إنتاجه الفكري والعلمي الغزير الذي أوفى – من الكتب للكبار- على السبعين وضعفها للصغار؛ ليكون ذلك تراثاً خالداً وعلماً تنتفع به الأجيال.

جاءنا- على استحياء- عام 1968 يحمل بواكير سلسلته (المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام)، يلتمس نشرها في دار الفكر متوجساً احتمال رفضها، فطمأنته الدار أن لها معايير تقوِّم المادة المقدمة إليها للنشر على ضوئها، بغض النظر عن المدارس والانتماءات.

لقد شاء الله أن تكون هذه البواكير الفسيلة التي احتضنتها دار الفكر حتى ترعرعت فامتدت أغصانها؛ أفقياً لتغذو ثقافة الشباب في الآفاق، وتنامت حتى جاوزت السبعين كتاباً للكبار والمئات للصغار، و حتى تماهى المؤلف والناشر بهذا العطاء ، فغدا شوقي أبو خليل لا يذكر إلا ذكرت معه دار الفكر؛ ولا تذكر دار الفكر إلا ذكر معها شوقي أبو خليل مديراً لإدارة النشر فيها ؛ يخطط ويتلقف ويقيِّم ويقوِّم وينقح، تحيط به كوكبة من زملائه المتخصصين يناقشون ويجادلون حتى ينضجوا معاً قرار النشر.

كانت تعلو مكتبه لوحة يباهي بها نقلها عن المحبي في كتابه ( خلاصة الأثر) تقول:

لا يؤلف أحد كتاباً إلا في سبعة: في شيء يخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مستغلق يشرحه، أو طويل يختصره، أو مختلط يرتبه، أو خاطئ يقومه، أو مفرق يجمعه.

وكان رحمه الله يقول للمؤلف: إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل. 

كانت نهضة الأمة من كبوتها وتنمية ثقافتها همنا المشترك الذي نتطارحه يومياً حين نلتقي في دار الفكر كل صباح، منذ سبعينيات القرن الماضي.

لقد تواثقنا يومها على قيم كانت عربون صداقتنا؛ حريةِ الرأي وحريةِ التعبير عنه، وحقِّ الاختلاف ، والجرأةِ في قول الحق، فلا يتبنى أحدنا رأياً يعتقد خطأه لمجرد أنه رأي مَن يُكبره ويُجله، ولا يتشبث برأيه إذا ثبت له خطؤه، فالحق أحق أن يتبع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل…

وكانت الأيام تمضي بنا سراعاً، نتفق فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

أليس هذا المنهج الذي التزمه كلانا جديراً بأن يصون علاقات الصداقة والأخوة، مهما اختلفت الآراء، فلا يفسد الخلاف للود قضية؟!

أليس هذا المنهج جديراً بأن يحفظ للأمة وحدتها، ويرص صفوفها، ويدفع بها إلى مستقبل أفضل.

لديَّ الكثير مما يمكن أن أتحدث به عن فضائل أخي شوقي وعزة نفسه وجده، لن أبوح بها، مستأثراً بها لنفسي؛ زاداً وقدوة تعينني على متابعة المسيرة.

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: