طالب عمران: (مزون) عمل ملحمي.. واحتكاكي بالمجتمع العماني يظهر في جوانب الرواية .. تدور أغلب أحداثها في ولايات السلطنة

الأربعاء, March 1, 2017
كاتب المقالة: 

صدر عن دار الفكر في دمشق رواية (مزون) ملحمة روائية كما خط على غلافها الذي اوضح كاتبها انها الجزء الاول في سلسلة روايات سوف تتبعها، وتمتد (مزون) في 326 صفحة من الحجم الكبير وتحتوي على فصل تمهيدي بعنوان (لغز البحيرة البيضاء الكبيرة) ثم يتبعه القسم الأول تحت عنوان (غابة من النخيل) ثم يأتي القسم الثاني بعنوان (دوائر العاصفة) وليختم بالقسم الثالث وهو بعنوان (أنفاق الأزمنة المقبلة).

الدكتور طالب عمران من مواليد طرطوس عام 1948 في سوريا وقد تلقى تعليمه في المحافظة ودرس في جامعة دمشق ثم نال شهادة الدكتوراة في المنطويات التفاضلية والفلك من الهند عام 1984 ليعمل أستاذا في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، وهو يعمل حاليا أستاذا في كلية التربية بالرستاق، وله العديد من الدراسات والروايات الخيالية.
لم تكن هناك من فرصة للإطلاع على الكم الكبير الذي كلل به مسيرته الكتابية والبحثية ولكن من خلال عناوين كتاباته السابقة ومن خلال (مزون) وأحداثها التي تدور في أغلبها في السلطنة كالرستاق التي لها النصيب الأوفر في الرواية أو بركاء والسوادي والبرويمي (كما تمت طباعتها) وعبري وصور وصحار ومسقط.. والكثير من المناطق العمانية كما انها (الرواية) تتنقل بين دمشق وبيروت والبحرين وأبوظبي وغيرها من الأماكن رابطة كل ذلك في أحيان بوسائل الاتصال الحديثة وفي أحيان أكثر بالحاسة السادسة أو ما يسميه طالب عمران في (مزون) بالقدرة على اختراق الزمن والغوص في الأزمنة سواء القديمة أو المستقبلية.. إلخ، يمكن القول بأن (مزون) وهو اسم جدة محسن البطل القادم من الشام ليستكشف سر أجداده ويحافظ عليه ورغم البطولات التي تحاول الرواية وصفها، إلا أن الرواية في النهاية أقرب كثيرا إلى الكتابة الخيالية المستعينة في أحيان كثيرة بالقوى غير الطبيعية (الجان والسيطرة على الحواس كما ورد في الرواية)، وقد كان لنا هذا الحوار مع كاتب الرواية الدكتور طالب عمران حاولنا أن نستقرئ بعض جوانب الكتابة في مزون..
* ما هي مواصفات الرواية أو الكتابة الإبداعية الخيالية؟
** الرواية الابداعية الخيالية تتحدث عن وقائع غير مألوفة في نسج من الخيال الملاصق للواقع.. والخيال العلمي يختلف عن الخيال الأدبي من أنه يربط الإبداع بالعلم، ويربط الخيال بالعلم، بحيث لا يقدم خيالا بعيدا عن المنطق العلمي.. أما الخيال الأدبي، فهو خيال حر، لا يشكل المنطق العلمي هاجسا له.
* صنفت روايتك (مزون) كرواية تاريخية، فما هي الأزمنة التي تريد أن تفكك بنيتها في الرواية ومن اي منظور؟
** (مزون) عمل ملحمي وليس عملا تاريخيا، والملحمية هنا يتداخل فيها الواقع في الخيال في أحداث شيقة لها علاقة مباشرة بأبطال الرواية وأزمنتها وأمكنتها.. والأزمان فيها تنتقل بين الماضي والحاضر والمستقبل بشكل مفتوح ومتداخل أحيانا.
* تتمتع روايتك بالقدرة الفنية على الحركة سواء في الأزمنة أو الأمكنة كيف استطاعت هذه الثيمة أن تكون عنصرا مهما لرواية (مزون)؟
** العمل الروائي عندي هو عمل متكامل، ورغم أن الزمن مهم جدا في حياة الانسان، إلا أنني كروائي لا يشقيني البحث عنه.. أنا أتعامل معه بإيجابية، أغوص وانتقل في أبعاده بكل حرية، تتداخل أحلام المستقبل بالماضي والحاضر، وتتفاعل الأحداث بحرية بين هذه الأبعاد.. وهو ما يعطي الجانب الملحمي في روايتي، طابعا متميزا.
* هل للتخصص العملي جدلية ما أو طابع على العملية الكتابية لدى الدكتور طالب عمران؟
** التخصص العلمي يعطي الكاتب منطقا في كتاباته لا يتناقض به مع العمل الابداعي والخيالات المجنحة.. والخيال العلمي يتواجد بشكل مألوف في كل أعمالي الابداعية، حتى في (مزون) تجد أن فصل (نفق الأحداث المقبلة) له طابع من الخيال العلمي.
* رواية مزون عمل روائي يحمل طابعا قوميا، يؤصل ما هو مؤصل في التاريخ المشترك لأمكنة مجرى الرواية، كيف يرى الكاتب أن عملية الربط كانت ناجحة في الرواية؟
** لهذه المناطق الممتدة من الشام حتى اليمن ومن بحر عمان حتى البحر الأحمر، ثم كل شمال افريقيا، لها تاريخ مشترك، ونبعه الفياض من جنوب جزيرة العرب.. هاجر العرب في هجرات متتالية نحو الشمال والغرب، واستوطنوا وبنوا المدن وأسسوا لحضارت امتدت آلاف السنوات، وكانت الأقرب إلينا في هذه الحضارات الحضارة العربية والاسلامية، التي امتدت ما بين القرن الثامن والسادس عشر الميلاديين.
المشكلة أننا نحن العرب لا نقرأ تاريخنا بشكل صحيح، بل وربما لا يكترث به البعض، كأننا نتمرن على مسح الذاكرة في عرف الغرب (الظالم) ذاكرة ارهاب.. ويجب أن تقاوم هذه الفكرة بقوة، فنحن صناع حضارات ومبدعون أثروا التاريخ الانساني بالآداب والعلوم.. يجب أن نركز على انتمائنا وتاريخنا وجذورنا بل وعلى إشراقة عقولنا.. نحن متجذرون في التاريخ ولا أحد يستطيع أن يقتلع جذورنا.. ونتمنى على أجيالنا الجديدة مقاومة طمس الذاكرة التي يحاولون تطبيقها علينا.
* هناك جانب ماورائي/ غيبي في الرواية، هل تعتبر معالجة الجانب السيرَي (سيرة سيف بن ذي يزن مثلا) أو الاستفادة منه ممكنا في العمل الروائي، وما هي الضوابط الممكنة؟
** حينما أكتب انطلق وتتلاحق الأفكار والأحداث، والجانب السيري ضروري جدا في العمل الملحمي، وتنبني عليه فوائد كثيرة توظف لخدمة أهداف الرواية فمن خلال هذا الجانب الماورائي أجعل من الشجاعة والحكمة والعلم مقومات تطرد الغيبيات والشعوذة، فحين تطلب (مزون) من حفيدها محسن، عدم الخوف من الجن، نراهم يختفون ولا يظهرون بعد ذلك.. لأن العقل يطرد الوهم والتخيلات غير المبنية على المنطق..
أما عن الضوابط الممكنة في هذا، فهي تختلف من كاتب إلى آخر، بعضهم يستلهم من السيرة أحداثا لخدمة أهدافه العامة.. وبعضهم يجعل السيرة تدور حول مدن فاضلة، يصارع سكانها الوهم والخرافة بالعلم والمنطق.
* تنتهي الرواية نهاية مفتوحة، ترى في القادم والمستقبل هاجسا مخيفا دون أن تكون هناك عناصر علاج له؟ ما رأيك؟
** الذي نشر هو الجزء الأول من الرواية، وهو مفتوح بالطبع، أما الجزء الثاني ففيه تتضح الأحداث، وربما كان الجزء الأهم، حيث تتضح الملامح بصورة واضحة، ونقرأ سفر أحداث الملحمة بشكل أكثر عمقا.. نصل إلى المقولة والحبكة والعقدة والحل.. وهو ليس حلا وإنما جملة من الاراء الايجابية فيما يجب أن نفعل، لمقاومة انقراضنا في زمن كثرت فيه علينا الحضارات والحروب والكوارث.. وبالطبع المستقبل هو الهاجس الأعظم لدينا، وترى محسن الحفيد، يخرج من قوقعته ليحارب القوى الباغية، متبعا خطى جده وإلى جانبه جدته تشد أزره وتدفعه بقوة نحو ملاحم المكابرة والشجاعة والنصر.
* سياق اللغة الروائية ذو منحى واحد أو مسار وخط واحد، لغة الجد والجدة والحفيد لغة مشتركة. هل الفكرة في الرواية تتقدم على اللغة؟
** اللغة سلسلة تنساب دون تعقيد، وهي وسيلة للتعبير عن الاحداث بدون تكلف.. وبالطبع اللغة مهمة جدا ولكن الفكرة والهدف والبناء الملحمي هو الأهم.
* هل تعتقد أن سيمياء المكان الواضح في الرواية له ارتباط بنائي بالحاسة السادسة؟
** الحاسة السادسة والقدرات الخفية لدى الانسان أحد محاور الرواية، فهي تركز على استخدام طاقة العقل في الخروج من أسر الخنوع والمذلة، نحن نحرك قدراتنا الكامنة ـ إن رغبنا ـ في سبيل الابداع، والدفاع عن المبادئ والكرامة.. وهو مشروع، كما أنه امر منطقي.. فنحن نملك في أدمغتنا كما هائلا من الخلايا الغافلة لا نستخدمها رغم اننا لو استخدمنا بعضها لتفوقنا في قدراتنا.. الدماغ البشري فيه (130) مليار خليه، لا يستخدم الانسان منها سوى العشر، ماذا عن التسعة اعشار الباقية؟ لدينا قدرات كبيرة كبيرة ولكن الانسان كسول في طبعه.
* عالجت الرواية أو تطرقت للعديد من المواضيع الاجتماعية المحلية ولو بصورة سريعة، هل استطاع الدكتور طالب عمران أن يغوص أو يخوض في المجتمع ومع الناس في احتكاك مكنه من التعاطي مع تلك المواضيع؟ وكيف؟
** الاحتكاك بالمجتمع العماني يظهر في جوانب الرواية، وسيكون أكثر ظهورا في الجزء الثاني.. بالطبع المجتمع العماني، غني بتفاصيله وهو مجتمع بكر، لم يكتب عنه سوى القليل، واعتبرت وجودي في السلطنة مناسبة للخوض في هذه التفاصيل، لأعرفها للناس في الخارج.. وأعتقد أن (مزون) ربما بجزأيها ستجد طريقها إلى كل بيت عماني، كعمل يحكي بلغة خاصة ـ غير مألوفة ـ عن عمان بإنسانها وتاريخها ومستقبلها القادم.

المصدر: 
جريدة " الوطن" العمانية
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.