ظواهر غريبة لن تراها إلّا في مجموعات القراءة العربية

الأحد, March 11, 2018
كاتب المقالة: 

منذ دخول موقع فيسبوك إلى العالم العربي، وانتشاره كالنار في الهشيم بين جميع فئات المجتمع، بدون استثناء حتى من لا يجيد (فك الخط) صار عنده صفحة على فيسبوك، ويشاهد المنشورات، والصور، والأخبار الصحيحة منها إن وجدت، والكاذبة التي هي أكثر من الصحيحة.

وكان ذلك فرصةً جيدةً لنقل فكرة المنتديات التي انتشرت قبله لسنوات طويلة، وتحويلها إلى مجموعات تتنوع تخصصاتها، وبدأت مجموعات القراءة بالظهور تدريجيًا، وراحت تكثر شيئًا فشيئًا وتكبر وتضم آلاف الأعضاء ومشرفين وقوانين ونقاشات واقتراحات، وانتقل نشاط الكثير من هذه المجموعات إلى أرض الواقع لتقوم بعمل ندوات ونقاشات وتجمعات.

ولا يمكن أن ننكر فائدة هذه المجموعات في المساعدة على نشر ثقافة القراءة بين الجيل الجديد، وتشجيعهم من خلال اقتراحات لروايات وكتب متنوعة في المستوى والذوق، لكن مؤخرًا سيطر على تلك المجموعات هذه الفئة الجديدة من القُرّاء الذين يقرؤون لمجرد الظهور بمظهر المثقف أو لأنّ هذه هي الموضة، وصارت منبرًا مهمًا للترويج للروايات عديمة القيمة المكتوبة غالبًا باللغة العامية، والتي لا تحمل أي فكرة وتركز على الجنس بدعوى الحب والمخدرات والسياسة، الثالوث المقدس الذي يجعل أي رواية تنتشر مهما كان مستواها الأدبي والروائي بائسًا، وحبذا لو تم منعها لأنّه سيكون يوم السعد بالنسبة للكاتب.

ورافق ظهور هذه الفئة على المجموعات ظواهر غريبة جدًا – على الأقل بالنسبة لي – تتمثل في مجموعة من المنشورات التي صار من الواجب أن تراها كل يوم لعشر مرات على الأقل، ولا تعرف إن كان الهدف منها المنشور بحد ذاته أم مآرب أخرى في نفس كل منهم.

صورة لمجموعة من الكتب مع أحد الأسئلة الآتية:

  • دفعت المبلغ الفلاني في هذه الكتب فهل تم النصب علي أم أنّ هذا هو سعرها!.

طبعًا تأتي الإجابات عبارة عن تجربة كل شخص والمبلغ الذي اشترى به كل كتاب، ومن أين ويبدؤون بتبادل النصائح الاقتصادية عن مفاصلة البائع وعدم الشراء من أول مكتبة تصادفهم إلى آخره من هذه الأفكار العبقرية.

لكن السؤال المهم هنا الذي يخطر لي هنا: ما الفائدة التي ستجنيها من هذا السؤال؟ هل ستعيد الكتب إلى المكتبة؟ أم أنّك ستكتفي بالندب على مالك الضائع! أرجوكم من يعرف الإجابة ليخبرني.

  • اشتريت هذه المجموعة من الكتب بأيّها أبدأ؟

طبعًا غالبًا تكون هذه المجموعة عبارة عن روايات سبق وتم الحديث عنها على المجموعة بكثرة، وتأتي الإجابات متضاربةً، وكل شخص يمدح برواية، ويجعلها الأفضل ليأتي من بعده يذمها ويجعلها أسوأ ما قرأ على الإطلاق، عدا عن التعليقات التي تكون عبارةً عن متابعة للمنشور فقط من نمط نقطة، متابعة، م فقط، follow ،F! رغم أنّ الموقع يحمل ميزة تفعيل الإشعارات لمنشور لم تقم بالتعليق عليه، فتجد ثلاثة أرباع التعليقات من النمط الغريب السابق، وطبعًا لا يزيد هذا صاحب المنشور إلّا حيرةً.

صورة كتاب مع سؤال:

  • ممكن رابط لتحميل هذا الكتاب

هذه من أكثر المنشورات التي تثير غيظي، أعتقد أنّ google سيجيبك عنه بشكل أفضل وأسرع بكثير من الردود التي ستأتيك، طبعًا لا بد من الكثير من التعليقات التي سبق ذكرها عن متابعة المنشور.

  • اشتريت هذا الكتاب ما رأيكم به؟

هنا لا بد من وقفة طويلة مع النفس، أنت اشتريت الكتاب وانتهى الأمر فلِمَ السؤال، النقطة الأهم هل تقوم بشراء الكتب دون أن تسأل عنها وترى مضمونها! هذه الطريقة في الشراء كانت قبل وجود الإنترنت ووسائل التواصل، الآن يمكنك أن تعرف كل شيء عن الكتاب قبل قراءته فلماذا الشراء على العمياني!

  • بدأت بهذه الرواية ما رأيكم هل أكملها؟

طالما بدأت بها أكملها، لا تترك شيئًا بدأته دون أن تكمله حتى لو لم تعجبك، غالبًا تكون البداية مملةً، وإذا وصلت للمنتصف دون أن تشعر بالرغبة والفضول لمعرفة النهاية توقف دون أن تسأل أحدًا.

صورة اقتباس بدون عنوان … والمطلوب من أي كتاب هذا!

أيضًا أعود للنصيحة السابقة، غوغل يمكن أن يفيدك في هذا أكثر من المنشور الذي وضعته، وخذها مني نصيحة، لا يمكنك الحكم على كتاب من اقتباس من سطرين أعجبك، ولا يثير عجبي إلّا من يضع تعليقًا يطلب فيه رابط تحميل الكتاب؛ لأنّه من الواضح أنّه لم يقرأ المنشور، ولم يعرف أنّ صاحبه لا يعرف أصلًا من أي كتاب هذا، فكيف تطلب منه رابط تحميل كتاب لا يعرفه!

مواهب جديدة أم مكان للفضفضة والبوح

صارت هذه المجموعات عبارةً عن منصّات لعرض مواهب الأدباء الصغار الذين يحاولون أن يخطوا في عالم الأدب، ويعرض كل منهم محاولاته الأدبية التي تتمثل غالبًا في خواطر قصيرة عن الحب، الحياة والموت، أو قصص قصيرة عن الحب أيضًا والحياة والموت، وتكون غالب قراءاتهم لأحلام مستغانمي، أحمد مراد، محمد صادق وأثير النشمي … وغيرهم من أدباء الزمن السريع الذي يحققون الثالوث المقدس السابق، وعندما أقرأ هذه النماذج أتساءَل في نفسي، هل هذه المحاولات يمكن أن تسمى أدبًا؟ أم أنّها لا تتجاوز أن تكون بوحًا من هؤلاء الأشخاص قاموا بتجميع كل ما قرؤوه عن الحب والشجن والفراق والأسى الذي يصاحبه، والدموع التي تبلل الوسادة ليلًا، والسير تحت المطر برفقة الحبيب، والأزهار التي تذبل في القلب، العشق من النظرة الأولى دون سبب … الحنين … والكثير من المفردات المشتركة … وطبعًا ترى الكثير من الواو والمدح لهذه الكلمات المذهلة الخارقة التي ستغير وجه الأدب العربي كله.

لا ننس الكثير من الأسئلة المكررة على غرار: ما أفضل رواية قرأتها؟ ما الكتاب الذي غير حياتك؟ من هو كاتبك المفضل؟ افتح الكتاب الذي تقرأه على الصفحة رقم كذا والسطر كذا واكتب ما وجدت في تعليق، والكثير جدًا من صور الكتب مع فناجين القهوة والنسكافيه … والنقاشات الدينية والوجودية والسياسية التي تنتهي غالبًا بحذف المنشور، والبلوكات والكثير من الدماء الافتراضية والمشاعر المكسورة بسبب الشتائم التي تستغرب أن تراها في مجموعات قراءة!.

طبعًا، لا يخلو الأمر من بعض المنشورات المفيدة أو الجديدة، ولا تزال توجد بعض المجموعات الراقية وإن كانت قليلةً، والتي تحاول أن ترقى بالقُرّاء وتعيدهم إلى القراءة الحقيقية، وليست الشكلية التي يقولون من خلالها … انظروا أنا قارئ

المصدر: 
رصيف 22
موضوع المقالة: