على خط التماسِّ في فرانكفورت

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

على خط التماسِّ في فرانكفورت

محمد عدنان سالم

ذهبنا إلى فرانكفورت؛ لنكون على خط التماسّ المباشر مع ثقافات العالم..

وخطوط التماسِّ، في العصر الجديد، الذي يتحول إليه الإنسان، لم تعد عسكرية بقدر ما غدت ثقافية وفكرية..

فبانتهاء الحرب الباردة وغياب الاتحاد السوفيتي، بدأ الغرب يبحث عن العدو البديل.

ولئن كان الاتحاد السوفييتي يمثل للغرب العدو التكنولوجي والإيديولوجي معاً، فإن عصر المعلومات الذي رفع الفكر إلى أعلى المراتب، دفع الغرب إلى البحث عن مكامن القوة الفكرية في الأمم، فلم تجد بين ثقافات العالم كله، من بوذية وكونفوشيوسية ولاتينية وعلمانية، ثقافة جديرة باختيارها لشغل منصب العدو البديل غير الإسلام.

هكذا، سرعان ما انبرت تاتشر في بريطانيا، ونيكسون في أميركا إلى قرع ناقوس الخطر، وإعلان فوز الإسلام بهذا المنصب، واستنفار جميع القوى لمواجهته بوصفه العدو الجديد.

من المؤكد أن الغرب لم يلتفت – عند اختياره تنصيب الإسلام عدواً- إلى موازين القوى العسكرية، ولم يحمل همَّ المواجهة العسكرية معه، فهو يعلم أنه يعاني حالة انحسار حضاري وعجز تكنولوجي، أفقداه القدرة على التكافؤ بله التفوق فيها، وأن انهيار الاتحاد السوفييتي حرم العالم الإسلامي من مصدر منافس للتسلح، ليستأثر الغرب بتسليحه ، كمصدر وحيد، يتحكم بالنوع والكم والأهداف، فلا يعطيه من السلاح إلا ما يستطيع به أن يقتل نفسه.

ويبدو أن ما ينطوي عليه الإسلام من مخزون فكري عظيم، قادر على ملء أي فراغ إيديولوجي؛ فلسفي وأخلاقي وعملي، هو ما رشحه لشغل منصب العدو البديل المقبل للغرب.

ذلك أن الفكر الشيوعي المتداعي لم يكن بالحجم ذاته الذي يشغله الفكر الإسلامي، فهو جزء من المنظومة الفكرية الغربية، وهو بالتالي مثلها جزئي لا يلبي كل تطلعات الإنسان وأشواقه.. ولئن كان هذا الفكر الإسلامي يعاني ما يعانيه الآن من جمود وتحجر وتقوقع، فإنما هي فترة كمون قد تتفجر كالبركان في أية لحظة مثلما سبق لها أن تفجرت. وما حدث مرة يمكن أن يتكرر حدوثه مرات، طالما أنه يحتفظ بطاقته المستكنة في أعماق الضمير الإنساني، وهذه الطاقة الكامنة هي المستهدفة من الغرب الأميركي هذه المرة، وهو الذي يخطط – مزهواً بتفوقه، مزهواً بتفرده- ليكون سيد الألفية القادمة بلا منازع، فهو يستنفر لإعداد مخططاته كل مراكز أبحاثه، فلا تمده بغير نظريات صراع الحضارات ونهاية التاريخ والمطرقة الثقيلة، وكلها نظريات بائدة فات أوانها، تسير بعكس اتجاه التطور البشري والسنن الكونية وقوانين التاريخ، فهي بذلك تحمل عوامل إخفاقها وبذور فنائها..

فكل محاولات التوحد والتفرد ونفي الآخر؛ سواء أكان هذا النفي باستعباده واستلحاقه، أو باستبعاده وطرده، أخفقت وذوت ثم انهارت متفسخة من داخلها، فاندثرت تحت أنقاضها غير مأسوف عليها، لأنها لم تتفهم عبرة التاريخ الإنساني وقوانينه الصارمة الصارخة بملء فيها: كل اتجاه نحو التفرد والتوحد سيكون مآله الشيخوخة فالفناء، لأن الفرد عقيم لا ينجب، ولا ينمو إلا بالتعدد والتزاوج.

إننا نعرف يقيناً؛ أن وضعنا الثقافي الراهن، وواقعنا الحضاري المتخلف، بما في ذلك خطابنا الإسلامي السائد، لا يخيف أحداً، ولا يستدعي كل هذا التخطيط والاستعداء والاستعداد للمواجهة الفاصلة، إنما الخوف كله من المخزون الفكري العميق والطاقة الإيديولوجية الكامنة المستقرة في ضمائرنا، وأن استدراجنا إلى خطوط التماس الثقافي الفكري في فرانكفورت، إنما يهدف إلى الكشف عن هذه الطاقات الفكرية الكامنة..

ولا ضير، فإن قبولنا التحدي سيكشف لنا في الوقت ذاته عوارنا وعوزنا، وسيكون وعينا للذات حافزاً لنا على تجاوز المعوقات والصعوبات، والتحرر من الآصار والأغلال التي طوقنا أعناقنا بها خلال قرون التخلف والجمود، وحملناها على عاتق الإسلام، والإسلام منها براء، فإنما جاء الإسلام ليضع عن آبائنا إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ولا يعقل أن يستبدل بها آصاراً وأغلالاً جديدة.

لكن أخشى ما نخشاه أن لا نحسن اختيار محاورينا في فرانكفورت، فنستدعيهم من القرون الخوالي، ليخاطبوا العالم بلسان غير لسانه، ويتحدثون إليه عن مشكلات لا يعيشها، ويتعاملون معه بعملة لا يتداولها.. أو ننتدبهم من الذين انفصلوا عن ثقافة أمتهم وتراثها، والتحقوا بثقافة الغرب وحداثته، ففقدوا الانتماء، وعاشوا هنا وهناك غرباء، فباتوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء..

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: