عندما تنسى أمة لغتها ج3 والأخير

السبت, December 27, 2014
كاتب المقالة: 

التحديات الراهنة :تتمة
4-العوامل الخارجية (مشروع الشرق الأوسط الكبير)
يوم 26/7/2004م كشفت الدكتورة بثينة شعبان – في مقال لها في جريدة المستقبل اللبنانية، أعيد نشره في جريدة تشرين يوم 2/8/2004م- كشفت النقاب عن مؤامرة مدبرة لتقويض اللغة العربية؛ تشكل الجانب الثقافي من مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تم إعداده بروية في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول 2001م، بعد أن أجريت له أكثر من 600 دراسة خلصت إلى أن الغرب يواجه صعوبة في استيعاب حضارات وأديان اللغة العربية؛ لم يتمكن معها من تعرف الدوافع الكامنة وراء ارتكاب هذه الأحداث وأنه لا بد من خطة تستهدف اللغة العربية؛ ليس لتحريرها من أشكالها التقليدية التي ظلت قائمة كما هي منذ آلاف السنين فقط، وإنما لتحرير العقول العربية والإسلامية، والقضاء على المورثات السلبية الكامنة فيها. وقد عهد بوضع الخطة إلى مجموعة من التربويين والسياسيين وعلماء النفس واللغة، وتم وضعها وتجزئتها إلى ثماني خطوات مبرمجة زمنياً، لتكون بمثابة جرعات متدرجة؛ لا تعطى اللاحقة منها إلا بعد التأكد من استجابة المريض للجرعة السابقة، إلى أن يتم القضاء على اللغة العربية تماماً، بوصفها حاضنة الثقافة العربية، خلال عشرين سنة من تاريخ انطلاق المشروع/ الخطة، التي يتسع أفقها ليشمل اللغة والتراث والفكر والدين والإرث الروحي والاجتماعي لهذه الأمة برمته.
ومن المراحل المستهدفة في الخطة:
1-فصل اللغة العربية عن المقدس [يقصدون القرآن الكريم الذي هو سياجها وحارسها] وتنقية الكتب التعليمية من الشواهد المستقاة منه، واستبعاد مفردات خطيرة كالجهاد والاستشهاد، واستبدال كلمات ٍبأخرى مثل الساميين بدلاً من اليهود، لمحو الصورة البغيضة المستقرة في الذاكرة العربية عن اليهود، واستبدال معنى السمو والارتفاع الخلقي الذي توحيه لفظة السامية بها.
2-تسكين أواخر الكلم بذريعة التسهيل، تمهيداً للتخلص من قواعد اللغة التي تميز في الحركات بين الفاعل والمفعول به، والمضاف إليه المجرور.
3-الترويج للعاميات المحلية؛ تمهيداً لإقصاء الفصحى التي تشكل الرابط القوي الموحد بين كل الشعوب العربية، وإحلال العاميات الكفيلة بتمزيق هذه الشعوب حين يخلو لها الجو ويطلق العنان.
4-تغيير الأبجدية العربية إلى حروف لاتينية، بذريعة صعوبة كتابتها وتعقيدها، وضرورة تحديثها لتلتحق بركب الحضارة، ولتطبيق الحرية والديمقراطية.
ومهما يكن موقفنا من نظرية المؤامرة؛ قبولاً بها أو رفضاً لها؛ فإننا-بعد انقضاء ربع المدة المقررة منذ عام 2004-نرى فصولها ماضيةً في التطبيق حسب الخطة المرسومة، وأن استجابتنا لجرعاتها الأولى مطَمئنةٌ تماماً لواضعيها؛ تشجعهم على المضي قدماً لتجريعنا ما تبقى منها حتى الثمالة، وأن ثمراتها على الصعيد السياسي قد آتت أكلها، فها نحن أولاء نستقبل ليفني ونرقص مع بوش، ونقيم لإسرائيل سفارات ترفرف أعلامها في بعض عواصمنا، ونبدأ معها علاقات صداقة وحسن جوار، ونهنئها بمضي ستين عاماً على قيامها، على أنقاض بيوتنا وجثث شهدائنا وأطفالنا.. الأمر الذي لم يكن بن غوريون يتوقعه في حواره مع رئيس الدولة وايزمن، حسبما نقله لنا حسنين هيكل على قناة الجزيرة.
إضعاف الذاكرة، الإنساء والإلهاء، التخدير، إطالة أمد النوم، قطع الصلة بالماضي، والإشغال بالحاضر، وصرف النظر عن المستقبل.. تلكم هي أدوات العدو المتربص للإيقاع بفريسته؛ فعلَ الشيطان، فيما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم" يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد؛ يضرب على كل منها: عليك ليل طويل فارقد".
ومن الواضح تماماً أننا على الصعيدين الثقافي والسياسي نغط في نوم عميق تحت تأثير عُقد الشيطان على قوافينا..
غير أن الشيطان نفسه يعرف من سوابق هذه الأمة السرعة المذهلة التي تنطلق بها عندما تصحو من رقادها وتستعيد وعيها وذاكرتها، وإنني أؤكد لكم أنني لست بخائف على اللغة العربية أن تضمحل شأن مئات اللغات المحلية الآخذة بالانقراض في العالم، فلم يكن عبثاً اختيار الله تعالى لها حاملةً رسالته الخاتمة إلى البشرية، لتكون هادية لها إلى قيام الساعة؛ كلما ضلت أو انحرف بها الطريق، ولم يكن عبثاً تكفله بحفظها وصونها.. إنما أنا مشفق على هذا الجيل الذي يحمل على كتفيه مسؤولية تخلفه ونكوصه والتفريط بلغته وأرضه ومقدساته، مشفق عليه كلالته وعجزه، ورضاه بالذل والهوان، مشفق عليه استسلامه؛ يحني ظهره للجلاد يسوطه، ثم يتوجه إليه بالشكر، كلما كلت يده فأراحها ريثما تستعيد نشاطها.
مشفق عليه أن يبوء – بملء إرادته- بمقت الله لمن يقول ما لا يفعل كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف61/3].
لا أخاف على اللغة العربية، وأنا ألمح في الأفق جيلاً جديداً يتأهب للنهوض بالأمانة، يحرك شاشات المستقبل بأصابعه؛ مستفيداً من تقنيات عصر المعرفة القادم بسرعة، ومن الفرص المتساوية التي أتاحها هذا العصر له ليفوز فيها من كان أعمق فكراً وأكثر إعمالاً لعقله.
كل ما ينبغي علينا أن نفعله؛ أن نهيئ له المناخ الملائم لنموه.. أن نفتح عينيه على قيمنا الإنسانية الخالدة التي شيدنا بها اسرع حضارة في التاريخ، صافيةً نقية من شوائب التخلف والتقاليد.. أن نرفع وصايتنا عليه.. أن نصغي إليه وهو يردد قولة إبراهيم لأبيه: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيّاً  [مريم19/43]
كم سنكون فخورين به وهو يرفع عن كاهلنا أنيار الهزائم التي صنعناها بأيدينا.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة