عندما تنسى الأمة لغتها ج1

الأربعاء, December 24, 2014
كاتب المقالة: 

التحديات التاريخية
لم تواجه لغة في العالم ما واجهته اللغة العربية- على مر التاريخ- من تحديات، ولم تصمد صمودها..
فبعد نقائها ونصاعة بيانها الذي تجلى على ألسنة العرب؛ في أسواقهم التي تصدرها سوق عكاظ، فكان أرقى نموذج لها؛ عهد إليها الوحي الإلهي بحمل رسالة الإسلام إلى الإنسانية بأصقاعها وأجيالها كافة، فكان ذلك أول تحدٍّ لها وأخطره وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَها  [الشورى 42/7].
تبدو لنا خطورة هذا التحدي؛ من المدى البعيد الذي كان عليها أن تبلغه؛ بسرعة قصوى لم يسجل التاريخ نظيراً لها، فلقد انطلقت الدعوة الإسلامية بلسانها العربي المبين فيما يشبه الطفرة، لتغطي في أقل من ربع قرن، قسماً كبيراً من قارتي آسيا وإفريقية وجزءاً من أوربة، ولترث أكبر حضارتين عالميتين آنذاك؛ هما الفارسية والرومية.
وتبدو لنا عظمة هذا التحدي؛ من القبول الطوعي للغة الدعوة والترحيب بها من قبل شعوب البلدان المفتوحة، إلى درجة العشق والتبني، والإسهام الفعال؛ في وضع قواعدها النحوية والصرفية، وأوزان أشعارها، وأساليبها البلاغية.
لم تفرض الدعوة الإسلامية لغتها بقوة القانون، ولم تضق ذرعاً باللغات المحلية والقومية، ولم تطرح نفسها بديلاً عنها، فقد كانت واعية كل الوعي؛ لعالمية رسالتها ودورها الإنساني، الذي يعترف بالتعدد واختلاف الألسنة والألوان والأجناس؛ يرى في ذلك آيةً من آيات الله، ووسيلة من وسائل النمو والتعارف بين الشعوب. تعارفاً جعل الشاعر الهنديَّ محمد إقبال ينشد:
أنا أعجمي الدَّنِّ لكن خمرتي صنع الحجاز وكـــــــرمها الفينان
إن كان لي نغم الهنود ولحنهم لكن هذا الصوت من عدنان
وعبر هذا الاختيار الواعي انتشر تعليم اللغة العربية؛ لغة القرآن والأذان وشعائر الحج، في كل بقعة وطئتها قدم مسلم. ولم يكن قد مضى على انطلاق الدعوة الإسلامية كبير وقت؛ عندما بُني مسجد هوايهوا، أولُ مسجد في مقاطعة كانتون في الصين، وكان تعليم العربية لغةِ القرآن والصلاة؛ مواكباً لبناء المسجد، وما فتئت المدارس الإسلامية التي تدرس بالعربية والصينية معاً؛ تتنامى منذ ذلك التاريخ، من دون توقف حتى بعد تأسيس الصين الشعبية عام 1949م.
ولئن كان ذلك يوضح لنا السرعة الخارقة؛ التي وصلت بها دعوة الإسلام بلسانه العربي المبين إلى الصين في أقصى الشرق، فما عساها تكون في إفريقية التي استقبلت أول هجرة في الإسلام، ضمت كوكبة من أصحاب الرسول الذين هاجروا إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثته صلى الله عليه وسلم، فراراً بدينهم من الفتنة، بعد أن كانت قد استقبلت كثيراً من القبائل العربية قبل الإسلام استوطنت الحبشة والسودان؟!
ثم كان من تأثير اللغة العربية في إفريقية؛ نشوء اللغة السواحلية المكونة من العربية ولغات إفريقية أخرى، انتشرت داخل القارة الإفريقية، وقامت بدور الوسيط لإدخال الكثير من المفردات العربية إلى اللغات الإفريقية، ولإعطاء اللغة العربية مكانة مميزة في معظم البلدان الإفريقية.
وإننا لنجد التأثير ذاته؛ في اقتحام نسبة كبيرة من المفردات العربية على سائر لغات البلدان الشرقية التي دخلها الإسلام؛ كالهند، وباكستان، وتركية، وإيران، وأفغانستان، ومعظمها ما زال يستخدم الحرف العربي في لغته ويكتب به.
وفي الأندلس التي احتضنت ازدهار الحضارة العربية الإسلامية قروناً؛ كان الغرب فيها يغط في نوم عميق، يلفه الجهل والتخلف من سائر أركانه، ترك المسلمون بلغتهم العربية تراثاً علمياً ثراً لا يحصى عدده، مثلما تركوا بصمات وكلمات كثيرة لا تزال مبثوثة في اللغة الإسبانية حتى اليوم، تحملها لافتات الشوارع مثل ساحة (ألي أتار) في غرناطة التي خلدت اسم علي العطار؛ المقاوم المسلم العنيد إبان نكبة الأندلس.
وعندما هاجر العرب-مسلمين ومسيحيين-إلى أمريكا اللاتينية، مطلع القرن العشرين الماضي، قاموا بتأسيس الجمعيات والنوادي والمدارس والصحف؛ يمارسون عبرها نشاطاتهم الثقافية والاجتماعية، ويرفدون الثقافة العربية بأدب مميز؛ استطاع –إلى حد ما- حماية أبنائهم من الانصهار والذوبان، ونسيان لغتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، ذلكم هو أدب المهجر.
كان هذا أول التحديات؛ أثبتت اللغة العربية فيه قدرتها الخارقة، على الانتشار الجغرافي السريع لتصبح بحق لغة العالم الأولى، تؤثر في لغاته المحلية، وتتعايش معها دون أن تلغيها..
أما التحدي الكبير الثاني فكان التحدي العلمي الذي فرضه ارتقاء المسلمين في معارج الحضارة، تحت راية الأمر الإلهي لهم بالقراءة، وحثهم على استخدام كل ما يتعلق بها من مفردات: الكتاب، والقلم، والقرطاس، والمداد، والعلم، والعقل، والتفكر، والنظر، والتدبر؛ فراحوا يجوبون الآفاق طلباً للعلم، ما إن يعثروا عليه في أي لغة وبأي وعاء؛ حتى يترجموه ويدرسوه وينقدوه ويحللوه، ثم يصهروه في بوتقتهم ليعيدوا إنتاجه خلقاً جديداً خاضعاً لقيمهم ومعاييرهم.. لم ترعبهم فلسفات الإغريق التي أحكمت الكنيسة الإغلاق على كتبها في قبرص، خشية أن يضل بها الناس، فطلبها المأمون غرامةً عند فتحه الجزيرة، فكان سعيداً بالحصول عليها؛ ما إن وصلته حتى وضعها في أيدي مترجميه في بيت الحكمة، مثلما كان القبارصة سعداء بالتخلص منها.. ولم يلبث هؤلاء التراجمة أن استوعبوها، واشتقوا لها من العربية مفرداتٍ أكثر دقة في التعبير عن مضامينها..
وتتلاحق التحديات تروم النيْل من هذه اللغة العتيدة؛ فلا تخرج منها إلا أصلب عوداً وأكثر شباباً وحيوية.. خاضت معركة التتريك، فخرجت منها بمجموعة من المعاجم الطبية والعلمية والزراعية والعسكرية، ما لبثت أن وضعتها في التداول، وأسست عليها كلية للطب في جامعة دمشق؛ التي كانت الوحيدة في الوطن العربي التي تدرس الطب بلغة عربية فصيحة منذ عام 1919م.
ثم خاضت معارك الاستعمار فكانت سجالاً: استطاعت في الجزائر بجهود جمعية العلماء، ومدارس تعليم العربية التي أسسها رئيسها بن باديس؛ أن تشعل ثورة نجحت في طرد المستعمر الفرنسي عسكرياً، وما تزال بعد خمسين سنة من طرده تعاني الأمرَّين مما تركه لها من تلوث لغوي شوَّه لسانها، وذهب بشطر واسع من أبنائها؛ أنساه لغته، فقطع صلته بثقافته وتراثه، وأضعف مشاعر الانتماء لديه، وتركه حائراً بين بين؛ لا يدري أأعجمي هو أم عربي؟! وما تزال المعركة محتدمة على أشدها بين تياري التعريب والفرانكوفونية في المجتمع الجزائري من جهة، وفي داخل الإنسان الجزائري الذي نُسِّيَ لغته على لسانه، وما تزال جذورها حية في ضميره؛ تنتظر المناخ الملائم لنموها من جهة أخرى.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة