عندما تنسى الأمة لغتها ج2

الخميس, December 25, 2014
كاتب المقالة: 

التحديات الراهنة
تلكم هي بعض التحديدات التاريخية الكبرى التي واجهتها اللغة العربية بكفاية، فماذا عن التحديات الراهنة وما أسباب عجزنا عن مواجهتها؟!

1-العوْلمة:
ربما تكون أول هذه التحديات، فقد يبدو للمراقب- للوهلة الأولى- أن تيار العوْلمة الجارف، قد نجح في كسر الحواجز وإلغاء الفروق بين الثقافات، وأن ثورتي الاتصالات والمعلومات قد حوَّلتا العالم إلى قرية واحدة، من أبسط مقوماتها أن تتحدث بلغة واحدة، وتشعر بمشاعر واحدة؛ لتعمل تحت راية واحدة، تقودها حكومة واحدة..
لكن بعض التأمل في طبيعة هاتين الثورتين، اللتين تفجرتا بين يدي عصر المعرفة، الذي تنعطف إليه الإنسانية بسرعة مذهلة؛ مودِّعة عصر الصناعة الآفل؛ سوف يلفت أنظارنا إلى حقائق مغايرة:
فالعوْلمة قناع، ما إن ينكشف؛ حتى يبدو لنا الوجه الكالح المختبئ وراءه باسمه الصريح (الأمركة).
والأمركة (بمعنى التفرد بحكم العالم) حلم راود سدنة البيت الأبيض منذ انهيار الاتحاد السوفيتي الذي أخل بتوازن النظام العالمي.
أما الأمركة (بمعنى فرض النمط الأمريكي للعيش، بكل مصطلحاته، على العالم)؛ فواقع روَّجت له الآلة الإعلامية الضخمة التي واكبت تفوق أمريكة التكنولوجي المذهل.
والأمركة بكل أوجهها الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية؛ ترى فرض لغتها على العالم حقاً ونتيجة طبيعية لهيمنتها، كي تكون لغة التخاطب بين المركز والأطراف.
لكن أحلام أمريكا الإمبراطورية التي تنتمي إلى عصور تاريخية موغلة في القدم، قد تجاوزها الزمن، وهي لا تمتُّ بصلة إلى عصر المعرفة القادم، بمنطلقاته الفكرية ومرتكزاته الإنسانية والقيمية.
لقد فجرت ثورتا المعلومات والاتصالات المعرفة بين أيدي أجيال البشرية القادمة، وألغت الاحتكار والتفرد، ووسعت دائرة التعدد لتصبح في متناول كل فرد..
فالقرية العالمية الواحدة، ستكون أزخر بالتنوع والتعدد، وأكثر وعياً بالديمقراطية- في الوقت ذاته- من أن تسلم قيادها للكبار، تمنحهم حق النقض (الفيتو) لتلغي به شخصيتها القائمة على التعدد، وحقها في الوجود والعدالة المساواة.
وسيكون أفرادها من كل لون ولسان وجنس على عتبة سباق واحدة، يفوز فيه من كان أنضج فكراً، وأبعد نظراً مثلما تصبح اللغات كلها أمام امتحان صعب، تفوز فيه الأقدر على الاشتقاق والتركيب والاختصار والترميز؛ لاستيعاب سيل المعلومات المتفجرة.
2-التقدم العلمي والتقني
فالمنتِج للمعرفة واشيائها هو المعنيُّ الرئيسي بتسمية المنتَج العلمي والتقني وتحديد رموزه ومصطلحاته، وما على المستهلك إلا أن يسميها بأسمائها، ويدرِّسها بلغتها إلى أن يستكمل نقصه العلمي ويتحول إلى مرتبة الإنتاج.. ولعمري إن هذا الزعم ينطوي على عدة مغالطات:
أولاها: أن أحداً من الأمم لم يأخذ به، فما من أمة أهملت لغتها لتدرِّس العلوم بلغة أخرى تحت هذه الذريعة، وهذه فرنسا تضع لكل مصطلح أجنبي مصطلحاً بلغتها، وتعد إهماله جرماً يعاقب عليه القانون. وهذه اليابان التي غزت العالم بمنتجاتها الصناعية والإلكترونية، من المؤكد أن جامعاتها تدرِّس العلوم بلغتها اليابانية، ولم يخطر في بالها أن تسوِّق لغتها مصاحبة لمنتجاتها.
وثانيتها: أن اتهام العربية بأنها لغة آداب فقط؛ فرية دحضتها تجاربها التاريخية البعيدة إبان المأمون العباسي، والقريبة في تجربة كلية الطب في سورية. فالعجز ليس في اللغة، بقدر ما هو ضعف في الإرادة وخور في العزيمة؛ سوف يؤول بنا إلى مزيد من الذل والتبعية والانهزام.
وثالثتها: أن التحوُّل في مدارسنا وجامعاتنا عن التعليم بلغتنا العربية إلى لغات أجنبية بدءاً برياض الأطفال؛ جريمة كبرى وانسلاخ من الذات والهوية، سيكون وصمة عارٍ على جبين الجيل الذي هانت عليه نفسه قبل أن تهون عليه لغته.
إن تعلم اللغات الأجنبية شيء والتعليم بها شيء آخر، فتعلم اللغات الأجنبية وإتقانها أمر هام، وضرورة للتواصل مع العلم، أما تدريس سائر العلوم بلغة أجنبية؛ الأمر الذي أخذ ينتشر ويتنامى في المدارس والجامعات الخاصة، فظاهرة خطيرة تجب معالجتها واستئصالها قبل أن تستفحل، مهما روَّج لها دعاة التغريب والتبعية..
وإن الاستخدام المكثف للغة العربية في التعليم بجميع مراحله، وفي نشاطاتنا الثقافية، ومعاملاتنا الاقتصادية، سوف يطور مصطلحاتنا، ويثبت حيوية لغتنا وقدرتها على استيعاب المستجدات، وهو ما يتطلب الكثير من الوعي والجهد..
3-العامية والفصحى
تتنامى دعوات لاستخدام العامية بديلاً عن الفصحى، بحجة أن اللغة كائن اجتماعي متطور ومتغير؛ ينتجه المجتمع حسب طاقته وحيويته، وحسب حاجاته وإنتاجه..
وتجاوباً مع هذه الدعوات قامت إذاعات وقنوات فضائية، تلوي ألسنتها، لتروِّج كل منها لعامية بلدها، وتمادى التعصب للعاميات، حتى أصبحت لغة الخطاب والمحاضرة والتعليم، وغدا كثير من المثقفين عاجزاً عن صوغ جملة واحدة بالفصحى؛ دون ارتكاب أخطاءٍ مخزية فيها، بسبب إهماله استخدامها، وإلفه استخدام العاميات.
لست من دعاة إلغاء العاميات لإحلال الفصحى محلها، فلكلٍّ دورهُ ومكانُه، إنما أدعو إلى تفصيح العامية لتقترب من الفصحى ما أمكن، وهي ما كانت دعوةَ الغيورين على العربية، وكان الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يدعوها بالعامي الفصيح، ويكثر من استخدامها في مقالاته وكتبه، ويشير إليها، في محاولة للارتقاء باللغات العامية الدارجة لتتقارب، وقد أثمرت هذه الدعوة أواسط القرن الماضي، فاندثرت كلمات عامية هابطة، وحلت محلها كلمات فصيحة درجت على ألسنة الناس، وحققت فعلاً اجتماعياً أكد حيوية المجتمع وقدرته على تطوير لغته نحو الأسمى.. أما ترك العاميات تتطور عفوياً لتواصل هبوطها وهجنتها، فلا أراه دليلاً على حيوية المجتمع، مهما حاول المتشدقون إضفاء صفات الحيوية والحراك الاجتماعي عليها.
ومن تجربتي الشخصية بصفتي ناشراً عربياً أتواصل يومياً مع ناشرين من أقطار عربية متباينة اللهجات؛ أستطيع أن أؤكد أن الفصحى اللينة هي وسيلة التفاهم بيننا، لولاها لاحتاج كل منا إلى الاستفسار عن ربع المفردات العامية المحلية، أو إلى الاستعانة بمجموعة من القواميس الشارحة لها.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.