غيّر نظاراتك تتغيّر حياتك

الاثنين, September 5, 2016
كاتب المقالة: 

إنما الإنسان هو عبارة عن كومة من المفاهيم والرؤى، هو يجسّد ثقافة ما على رقعة إجتماعية معيّنة، وعبر خبرته الطويلة يحدث الكثير من التجارب، يتعامل معها في إطارها الوظيفي، وبواسطة معطياته النفسية، ليتخذ بعد ذلك هذه العمليات الحياتية مرجعيات يحاول تجاوزها كلّما استطاع ذلك. ومع هذا! هو لا يقدر على تخطّي ما يحمله ولا يتمكن من التعبير عن رفضه لما هو فيه، سوى بعدما يقوم بإطلالة سريعة وخاطفة على مستنقع غريب عنه يسكنه بشكل أزلي، ألا وهو الطبيعة الإنسانية. 

تختلف نظراتنا إلى كل المواضيع والمواقف، لكن هذا لا يعن بأننا مختلفين دائما، حيث يبقى الإنسان قادرا على إدراج تجليات أفعاله ضمن قائمة مسؤولياته، بينما هو يمتلك جزء يمكّنه من تحرّي القدرة على استفتاء ضميره بشكل يظهر من الإعتماد على ذاته ضمن أحرج المنعرجات خلال أيامه، وفي هذا الصدد نجد ستيفن كوفي يرى بأنّه "... من بين كل ألف ورقة شر نقتلعها، توجد واحدة متميزة بالقرب من الجذر...". أين تتكوّن لعبة خفية تتحكم بها التصورات الذهنية، هناك قدرة ما على تعديل ما يطرق التفكير البشري، وعلى هذا الأساس تُحاك قضايا المعرفة الإنسانية ومدى رسمها للوحتها البشرية الخاصة عن الكون وعن الإنسان في حدّ ذاته، تظّل المعرفة الفردية لأي كان مستندةً على أساس شخصي، وهذا بالذات ما يفسّر إختلاف الأفراد الذي يطبع سلوكهم وقيمهم، رغم إنتسابهم لنفس الثقافة وإيمانهم بنفس المعتقَد. يرى ستيفن كوفي بأن مطابقة المبادئ مع العادات التي يقوم بها الفرد تؤدي إلى إعطائه قدرة كبيرة على الالمام بما يتصوّره وما يقوم به في مجاله الخاص، ويمتدّ هذا الاحتواء إلى محيطه، ليتمكّن من صياغة قوانين الطبيعة كما هي موجودة في الطبيعة، وهذا يقود إلى إحترامها وإعطائها النمط الفاعل الخاص بها؛ قد تكون هذه العملية قَدَرًا أو صدفة، تحدث بسرعة أو إثر صدمة، لكنّها لن تدوم سوى بالتوجيه وإعادة النظر إليها من مختلف الزوايا وانطلاقا من الأرض بشكل مباشر، ليتمكّن الفرد في آخر المطاف وعبر إحترامه لما تفرضه الطبيعة عليه، من الإقرار الموجَّه من طرفه إلى تطبيق قوانين الطبيعة شخصيا وبلا تذمر.

صعوبة تطبيق ما يحمله الإنسان من قوانين طبيعية هي التي تؤدي إلى الكسل والخمول، ثم تضييع الوقت وإفساد الأمور، وبتكرار هذه العمليات يصل الأمر بالإنسان إلى التهكّم أو الاكتئاب من شدّة لوم نفسه والمجتمع والتاريخ وكل ما يتصل بالإنسانية ووجوده هو بالذات. تعتبر القوانين الصعبة هذه عبارة عن تمارين يجب على الفرد اعادتها لأكثر من مرة، من أجل كسب التأقلم معها وصياغتها وفق ما يريد وكأنه يتفاوض معها في شكل مواجهة بينهما تبحث عن مهادنة بعدها، هذه الصورة الرسمية التي تأخذ قالب الفهم العميق لما يتولّد عن صراع الذات بالذوات الأخرى هي قيمة تتغيّر عبر الصبر على الوقع الذي يطال الإنسان أوّلا، والتكيّف مع معطيات الفرص التي تتوالى على الفرد خلال الكثير من المواقف ثانيا، بعدها تتصل الظروف فيما بينها لتقرر مستوى تقدّم الفرد في ظلّ تتباع مثل هذه الإمتحانات عليه، وهي بذلك تقوم ببردِه بشكل مكثّف إمّا ليصير حادًّا بفطنته، أو لتكسره بالاعتماد على غبائه وانغلاقه. 

ينطلق الإنسان بداية من فكرة مفادها بأنه ليس مميزا عن بلايين البشر الذين يسكنون هذا الكون، ومن هذا المنطلق، وبالاستناد إلى حبّه الرهيب للتغيّر بالاتجاه "التميّز"، يصبح على الفرد أن يجتهد في إقامة الحدّ على ذاته بالارتكان إلى تطبيق تلك القوانين الطبيعية على نفسه، هذه المعطيات التي تمتزج بين الداخل البشري وواقعه هي ما يُشكّل تلك الشعلة التي تجعل "المفيد" صنعة هذا الفرد اليومية. 

لا يعن "تطبيق القوانين الطبيعية" الكذب على الذات وإيهام المحيط بذلك، لأن تلك القوة المتولّدة عن فعل راقي كهذا ظاهريا تنعكس على العمق الإنساني تأنيبا لتُظهِر بعد ذلك الضعف الذي استفحل دون دراية الفرد في ذاته "القوية" أمام الآخرين فقط، حيث أنّ قوتها يجب أن تُبنى من الداخل، عبر اعطائها الصورة التي هي عليها في الأصل، ثمّ إعادة تقييمها مرّة أخرى جديّا، ليرسوا الفرد على قيمته الشخصية الواضحة أمامه، بعدها يؤطرها بما يمكنه من تقديم ما ينقص ذاته والصبر على تعلّم ما يريد تلقينه لنفسه، وهي عملية صعبة جدا وقاسية للغاية، بالخصوص في بداية التدريب الجديد. ذاك الولاء الذي يقدّمه الفرد لذاته، إن ما كان أعمى فإنه سيفقد الكثير من فرص تحسين واقعه، فالعمى بالولاء أخطر بكثير من ما يمكن أن يسببه غيره، لأنّه ذاتيّ يفضي إلى صناعة غشاء يبعث الظلام من حوله إن ما تكاثر بداخله، هذه القيمة التي تؤلِّف لدى الفرد قدْرا كبيرا من الاستهتار بالظروف وشروطها تجعل الفرد غير قادر على تقدير الأمور، لأنّ غروره يمنعه من الجلوس في موقع ذاته المركزي بشكل سليم. 

يصبح الوقت عاملا ضاغطا على الروح البشرية حينما يتخذ عنوان العبور بلا تعبير راسخ عن هذا العبور، عبور يتيم، قد يستنزف عمر الإنسان بلا نتائج تتجلى أمامه على هيئة إنجازات معرفية كانت أم مادية؛ هذا الضغط يزيد من ارتباك الفرد، ويلجأ بدل أن يعيد مراجعة برنامجه التقييمي واعمال الجهد في تعديله بعد فحصه، إلى استكانة موحشة لأهوائه وليُلقي بأوزار أخطائه واهماله على المجتمع، السلطات أو حتى نفسه، وهي طريقة أخرى يضيع بها الزمن في اهدار وقت استدراكه أيضا. المشاكل التي تصادف الفرد عن طريق حياته لا تجد سبيلها إلى الحلّ وهي قابعة بعيدا عن تقدير مقترفها للأمور والمواقف، ولو بشكل سيّء، لكن مجرّد إقدامه على محاولة تقديره للشروط التي ولدت فيها مشاكله فهو ضمنيا يعترف بخطئه، ثم بجهله إن ما هو حاول أن يقدّم لها ما يعالج أضرارها أو يخفف منها؛ لأنّ كل طاقة الفرد البشري هي ملكه وحده، وهو من يمتلك الإمكانية لإدارتها وحملها على التوازن بداخله، إذ لا يمكن للجميع إعطاء مصائر مختلفة لمن يحبونه أو يكرهونه، وهذا ما يفسّر أعباء النفس بصورة شاملة.
 
الهوامش:
ستيفن آر كوفـي (Stephen R. Covey) ، العادات السبع للناس الأكثر فعالية، مكتبة جرير، 2009م، ط: 21، المملكة العربية السعودية، ص: 42.

 

المصدر: 
مكتبة جرير
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.