في حوار هادئ مع قداسة البابا

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

{ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}

[العنكبوت 29/46]

ياقداسة البابا!!

* إننا نفهم أن يُسارع الغرب إلى استعداء الإسلام (المتشح باللون الأخضر رمز البيئة) واستدعائه على عجل ليكون عدوه القادم فور فراغه من صراعه مع الشيوعية (المتشحة باللون الأحمر رمز الدماء)...

فللغرب تاريخ طويل من الصراع مع الإسلام، إبان تفوقه العلمي والحضاري، سماه المسلمون حرب الفرنجة، وأصر الغرب على إضفاء الصفة الدينية عليه فوسمه بالحروب الصليبية، وكذلك إبان سقوطه الحضاري فيما أُطلق عليه الحروب الاستعمارية لاقتسام تركة الرجل المريض.

وللغرب أيضاً عداوة مع البيئة التي لم يبال بإيقاع أفدح الأضرار بها للمضي قدماً في تحقيق مشروعه التكنولوجي المرتكز على مبادئ النفعية (البراجماتية)، من دون أي مبالاة بمستقبل الحياة الإنسانية على وجه هذه الأرض.

وللغرب كذلك نظرة أحادية تتمحور حول الذات،وتستتبع الآخر إن لم تلغه؛ تجلت في حروب الإبادة الجماعية التي خاضها، وإنتاج أسلحة الدمار الشامل والإصرار على الاستئثار بها من دون سائر البشر..

ونظرة براجماتية تقدم المصلحة على القيمة فتخل بالتوازن الذي أقام الله عليه الوجود الكوني والإنساني معاً نتيجة لتعارض المصالح.

ونفهم كذلك- يا قداسة البابا – أن يساورك القلق من مجافاة قومك في الغرب للدين، حين أقاموا نهضتهم على العقلانية وتنصيب العقل الإنساني على العرش من دون الله، ثقة بقدرته على تقديم تصور شامل للحياة الإنسانية، كافٍ للسيطرة على الكون.. مجافاة حرمت الكنيسة من روادها حتى كادت تقفر إلا من النـزر اليسير الذي أفلت من قبضة الإلحاد .. فتسارع إلى احتواء فتنة العقلانية الغربية في محاضنها الأكاديمية.

* ما لا نفهمه- يا قداسة البابا –مسارعتك للانخراط في حملة الغرب الشرسة لاستعداء الإسلام التي لم تكد تبدأ بتصريحات تاتشر وريغن، وحروب بوش في أفغانستان والعراق ولبنان، وفضائح غوانتنامو وأبي غريب و الفلوجة والبصرة.. حتى استمرت تدنيساً وقحاً للمصحف كتابه، وإساءات إعلامية لمحمد نبيه ورسوله، وتسفيهاً لفكره، وإكراهاً على تبديل مصطلحاته وتغيير مناهجه..

وجاءت كلمتكم في جامعة ريجنسبورغ لتتوج الحملة المستعرة ، وتؤججها.

ما لا نفهمه كذلك – يا قداسة البابا- اختيارك لنص تاريخي مشبوه –باعترافك- حين أشرت إلى أنه حوار بين الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني باليولوغس الواسع المعرفة، وفارسي متعلم؛ توقعتَ أن يكون الإمبراطور نفسه هو الذي نسج الحوار، فصدرت حججه في تفصيل أوسع من تفصيل حجج محاوره، وأنت محق في هذا التأويل، لأن شخصية المحاور مبهمة لا تفصح إلا عن فارسي متعلم.

* لِمَ- يا قداسة البابا- لم تتابع تفحص النص، بحسب مقتضيات البحث العلمي- وأنت تحاضر في الجامعة التي رعت نشأتك- فقررتَ أن الإمبراطور لا بد أنه كان يعرف الآية 256 من السورة الثانية {لا إكراه في الدين}، وأنه وفقاً لأهل الخبرة(!!) فإن هذه السورة تعد إحدى سور الفترة الأولى، عندما كان محمد ما يزال ضعيفاً وتحت التهديد، وأن الإمبراطور كان بالطبع يعرف التعليمات التي تطورت فيما بعد في القرآن، فيما يتعلق بالحرب المقدسة.

إن السورة الثانية من القرآن- يا قداسة البابا- هي سورة البقرة، وكل العلماء من المسلمين والمستشرقين الغربيين يعرفون ويجمعون على أن هذه السورة بأكملها من القرآن المدني الذي نزل في المدينة بعد الهجرة، عندما كان محمد وصحبه يحققون الانتصار تلو الانتصار رداً على الاعتداءات المتواصلة للمشركين الذين كانوا يستهدفون وأد الرسالة الإنسانية الوليدة والقضاء على دولتها في مهدها. وليست من القرآن المكي الذي كان يتنـزل إبان نشوء الدعوة في مرحلة الاستضعاف، ولا معنى- أصلاً- لنـزولها في هذه المرحلة التي لا يتأتى فيها الإكراه من مستضعف هو ذاته يعاني من الإكراه.

وقد أورد المفسرون – يا قداسة البابا – قول ابن عباس إن هذه الآية نزلت في أنصاري اسمه الحصين أراد إكراه ابنين نصرانيين له على الإسلام، فأبيا إلا النصرانية، فأنزل الله هذه الآية مؤكداً للحصين حرية العقيدة، ونفي الإكراه.

وبحسب قواعد العربية – يا قداسة البابا – فإن الحرف الذي استهلت به الآية حرف نفي وليس حرف نهي ، أي إنه نفي لجنس الإكراه وليس نهياً عنه، والجملة برمتها خبرية وليست إنشائية، بمعنى أنها تقرر حقيقة أن الدين اعتقاد ذاتي ينشأ من قناعة وجدانية تستقر في الضمير، لا يتأتى معها الإكراه الخارجي.

فالآية – يا قداسة البابا – بهذه الصفة لا تقبل النسخ ولا التعديل – الذي وهمتم أن الإمبراطور كان يعرفه- لأن الحقائق لا تخضع للنسخ والتعديل.

وتأكيداً لمبدأ حرية العقيدة الذي نزلت {لا إكراه في الدين} لتقريره وتطبيقه الفوري على الولدين النصرانيين اللذين أورد ابن عباس أنهما كانا سبب نزول الآية.. جاء في الآية 99 من السورة العاشرة قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً،أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟! } [يونس 10/99] معلماً نبيه أن الاختلاف والتعدد سنة من سنن الله لا يتأتى لأحد مخالفتها أو اختراقها.

وعلى الرغم – يا سيادة البابا – من إيراد القرآن قصة أصحاب الأخدود من نصارى نجران الذين صبروا وآثروا الاحتراق بالنار على الرجوع عن إيمانهم {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} [ البروج 85/8]، فقد استثنى من غضبه من لم يقوَ على احتمال الأذى {إلا من أُكرِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} [ النحل 16/106]. ليؤكد استحالة الإكراه في مسألة الإيمان التي هي قناعة ذاتية داخلية لا يزيدها الإكراه الخارجي إلا عمقاً ورسوخاً، والتاريخ البعيد والقريب كلاهما يؤكد ذلك، فالإيمان الذي حرص الاتحاد السوفييتي على انتزاعه بالإكراه على مدى سبعين عاماً، عاد أقوى مما كان بمجرد انهياره.

وها هو القرآن – يا سيادة البابا – يمضي في توكيده لحرية العقيدة، محدداً لرسله جميعاً مهمتهم في صيغة سؤال إنكاري {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين؟!} [ النحل 16/35]، ومؤكداً ذلك على رسوله الخاتم محمد {إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر } [ الغاشية 88/21-22] {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [ الرعد 13/40] مكرراً ذلك في عشر آيات في صيغ شتى، محدداً مهمة الرسول كلِّ رسول {ما على الرسول إلا البلاغ} [ المائدة 5/99].

أما مسألة العقل والعقلانية فمشكلة كنسيّة مع فلاسفة التنوير اضطرتهم لتنحيتها من طريقهم لكي يحققوا نهضتهم، ولا علاقة للإسلام بها، فلم يواجه المسلمون مشكلةً دينية إبان نهضتهم العلمية، وإعمال عقلهم فيها؛ بل كان الدين وقوداً غذى شعلة ازدهارهم الحضاري..

ويكفي الإسلام – يا قداسة البابا- أن كتابه القرآن كان معجزته التي أنهت عصر المعجزات الحسية الخارقة، وأن رسالته كانت الخاتمة التي بها انقطع وحي السماء معلناً بلوغ الإنسانية رشدها، ليتابع العقل الإنساني رسالة الأنبياء، ويقود الإنسانية إلى خالقها جاهدة في تحقيق هدفه من الخلق.

* ذلك – يا قداسة البابا – غيض من فيض من الجديد الذي جاء به محمد، وغاب عن الإمبراطور البيزنطي، فلم ير فيه "إلا أشياء شريرة ولا إنسانية" لما كان على عينيه من الغشاوة.. أقدمه بين أيديكم مقدمة لحوار بنّاء مع الإسلام، يعيد الإنسانية إلى رشدها، على المنهج الذي رسمه لها خالقها.

لن يجد المسلم أي صعوبة للبدء بهذا الحوار، فالإسلام الذي يدين به يمثل سلة الأديان جميعاً، لا يصح إيمان المسلم به ما لم يؤمن بكل أنبياء الله وكتبه ورسله {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } [البقرة2/136].

والإسلام لا يحتكر الجنة ولا يوصد أبوابها من دون المؤمنين بالله من كل ملة ودين {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة2/62].

و هو يمد يده للحوار {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران3/64].

فإلى كلمة السواء؛ نختتم بها عصور الصراع والخصام، ونصنع بها للإنسانية غداً أفضل!!

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.