في مدرسة الحج المتفردة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

في مدرسة الحج المتفردة

محمد عدنان سالم

لم يكن هلال ذي الحجة من عام 1419هـ قد أهلَّ بعدُ، عندما وصلتُ المدينة المنورة، وكنتُ قد آثرت أن أبداً بها رحلتي إلى الحج، أستأنس بها، وأتزود من روحانيتها، وأنهل من جلالها وجمالها، وأستذكر من تاريخها، وأستنطق من جبالها وسهولها ما يعينني على خوض غمار (دورة الحج) التي أزمعتُ الانخراط فيها، والتفرغ لها هذا العام.و(دورة الحج)- كما يحلو لي أن أسميها،

 وكما بدت لي من خلال تأملاتي الهادئة في مسجد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام- دورة تدريبية صارمة، ذات برامج تثقيفية وتربوية تطبيقية مكثفة، تنظمها كل عام مدرسة بيت الله الحرام الذي رفع قواعده أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل، ثم دعوا الله أن يتقبل منهما، وأن يبعث في ذريتهما رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فكان ذلك البيتُ أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات، مَقامُ إبراهيم، ومَن دخلَه كان آمناً [آل عمران 3/96-97].

والميْدان الذي تقام فيه أنشطة هذه الدورة هو الوادي الذي أسكن فيه إبراهيم من ذريته مبتهلاً إلى الله (ربنا إني أسكنتُ من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون [إبراهيم 14/37]، فتقبل الله دعاءه، قائلاً له: (وأذن في الناس بالحج، يأتـوك رجالاً، وعلى كل ضامر، يأتين من كل فجٍّ عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات [ الحج 22/27-28]..

هكذا كان دعاء إبراهيم أكثر الأدعية الإنسانية بركة، وأطولها عمراً، وأبقاها أثراً، فما تزال أفئدة الناس تهوي إلى البيت الحرام، ووفودُهم تتكاثر عاماً بعد عام حتى ضاق بهم الوادي ذرعاً، وألجأ إدارات الحجّ إلى التشدد في طلبات الالتحاق بدوراته السنوية، للحد من تكرارها، وإفساح المجال لحجاج جدد، لم يسبق لهم أداؤها..

ذلك أن اتباع (دورة الحج) إلزامي، فهو فريضة على كل مسلم مستطيع (ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلاً( [آل عمران 3/97]؛ فريضة تسقط عن المسلم إذا أداها مرةً في العمر، ولا يُقبل فيها البدل إلا لعذر شرعي.. وإنما كانت كذلك لما تنطوي عليه من معان سامية ودروس بالغة، لا يمكن تبليغها إلا بالرحلة إليها، ولما تتضمنه من شعائر لا بد من ممارستها، فهي رحلة العمر التي يتوِّج بها المسلم وعيه الاجتماعي من خلال عبادات تتدرج به من صلاة الجماعة في مسجد الحي إلى صلاة الجمعة في المسجد الجامع في المدينة، يجتمع فيها المسلم مع إخوانه يوادهم، إلى صيام وزكاة يشاركهم بهما جوعهم وعطشهم ويتحسس آلامهم ويعينهم على قضاء حوائجهم، إلى حجٍّ يخرج به بعيداً عن أهله ومجتمعه الصغير،إلى مجتمع عالمي كبير، يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد، ليستيقنوا وحدة أصلهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم "كلكم لآدم وآدم من تراب ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ". وليتعارفوا على اختلاف شعوبهم وقبائلهم (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم( [ الحجرات 49/13].

وحين يعود المسلم من رحلة الحج إلى بلده، فإن المجتمع يمنحه شهادة تقديرية عظيمة، ويضفي عليه لقب (حاج) في احتفال كبير تضاء له الأنوار وتنصب الزينات وتقدم الهدايا، وهو درجة أخلاقية تختلف عن الدرجات العلمية، فهي ترتب عليه في المجتمع من الواجبات أكثر مما تمنحه من الحقوق، فقد أصبح حاجاً لا يليق به أن يكذب أو يغش أو يخلف الوعد أو ينقض العهد أو يأتي المنكر أو يسيء إلى أحد أو يُرى حيث نهاه الله أن يكون..

ظلت هذه المعاني السامية للحج تتدفق على خاطري، كلما اعتكفت في مسجد الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم، وكنت قد اتخذت لي فيه مكاناً قبالة الروضة الشريفة أبكر له قبل الأذان كي لا يفوتني.. حتى قطع علي تأملاتي يوماً شاب قدم نفسه لي بلغة عربية تعروها لكنة أعجمية، على أنه بوسني يدرس في الجامعة الأردنية، وقد جاء ضمن بعثتها إلى الحج، فعرفته بنفسي، ورأيتها فرصة أثري بها تأملاتي، وأضم إليها انطباعات شاب مسلم ينتمي إلى بيئة أخرى غير بيئتي، فبادرته بسؤال عن انطباعاته في بداية رحلته إلى الحج، فحدثني عن إعجابه بتوسعة الحرم وعظمة البنيان ووفرة الخدمات.

ثم أردف قائلاً: لكن هذا كله ليس بالذي يبهرني فأنا أرى نظائره في كل بلد متحضر.. إنما جئت لأشاهد أين كان الرسول الأعظم يسكن، وكيف كان يعيش، وكيف كان يبلغ الرسالة، ويهدي النفوس، ويشيد حضارة الإسلام، فأنا أشعر أني فسيلة من غرسه، ونبتة من بذره، وشعاع من نوره،جئت أبحث عن جذوري في أعماق الزمان والمكان، عن أصولي التي كلما أوغلت في أعماق التاريخ، امتدت فروعها لتملأ جنبات الأرض، وتفرعت أغصانها لتطاول السماء، متحدية كل الصعوبات والعوائق..

تهفو نفس إلى غار حراء لتصغي إلى نداء (اقرأ( يهبط به أمين الوحي جبريل ليلقي به بنبرة صارخة حازمة في أذن الرسول الأمي الكريم، يكررها الأمين ثلاثاً تتزايد شدتها وتتسارع وتيرتها مصحوبة ًبضمة شديدة تبلغ الجهد- كما ورد في الحديث- كمن يريد أن يوقظ أجيال الإنسانية القادمة على التوالي حتى قيام الساعة، في شخص هذا الإنسان العظيم.

تهفو نفسي إلى رؤية غار جبل ثور الذي ضم الرسول الكريم وأبا بكر الصديق مهاجريْن إلى المدينة (ثاني اثنين إذهما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا( [التوبة9/40] يُغشي أبصار قريش، وهي تقف على باب الغار، ولو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآهما..

أتوق لرؤية ساحات المعارك الظافرة التي خاضها الرسول في سبيل إرساء أسس العقيدة في بدر وأحد والخندق وخيبر والحديببية..

أريد أن أقرأ السيرة العطرة على الأرض..

كنت أنظر إلى الشاب البوسني يتحدث بحرقة، وكنت في الوقت ذاته أجتر ذكريات حجي الأول قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وكنت يومها في مثل سنه وانفعالاته المستعرة، لم ترُق لي الزيارات الساذجة التي كان ينظمها أدلاء جهلاء، يقفون على أبواب الحرم، يتصيدون الحجاج، مستغلين غربة بلادهم ولسانهم، ليقلّوهم إلى أماكن لا تنطق، ويحدثوهم بما لا طائل وراءه مقابل دريهمات.

حدثته عن بعض مشاعري آنذاك، أشعرته بموافقتي التامة على انطباعاته، حدثته عن المدينة المنورة التي زرتها من قبلُ ، وسكنت حواريها وأزقتها، وشربت لبن منائح الجيران من أهلها يصبحوننا به من غير مقابل؛ قِرىً للضيف ووفاءً بحق الجوار، وكنت أخفف الوطء على أرض المدينة؛ شعوراً غامراً أحسه في أعماقي بأن أقدام الرسول الكريم وأصحابه قد وطئتها، وأنها شهدت مجالسهم، وأنصتت إلى محاوراتهم مع النبي المصطفى، ومجادلتهم المنافقين والمرجفين والكفرة المعاندين، ورصدَت غدر اليهود ونقضهم العهود، وامتزجت بدماء المؤمنين الذائدين عن حياض الدين، في حومة المعارك التي خاضوها مع المشركين، وسجلت وجفات قلوب المؤمنين، وتثبيت النبي لهم، يحفر معهم الخندق يوم تداعت الأحزاب على المدينة لاستئصال شأفة الإسلام.

لم أشأ أن أوئسه أو أصدمه بواقع مرير، يشير إلى أن حالة التخلف وضعف الفعالية التي تعاني منها الأمة الإسلامية، تحول دون تحقيق تغييرات ثقافية واجتماعية كبيرة، بالسرعة ذاتها التي يمكن بها تحقيق إنجازات عمرانية ومادية، فللتغيير الثقافي شروط دقيقة، نفسية واجتماعية يجب توفيرها أولاً، قبل الدخول في عملية التغيير.. اكتفيت بأن نقلت له انطباعاً عدتُ به إلى أصدقائي وأهلي من حجي الأول، يتلخص في أني لاحظت في رحلتي البون الشاسع بين عظمة النظام والمنهج الإسلامي، وعجز المسلمين – إلى حد الكلالة- عن تطبيقه.

ثم نادى المؤذن للصلاة فغاض رفيقي الشاب البوسني في زحام الصفوف المتراصة، وغصت في أعماقي وذكرياتي وهمومي، وقد أوشكَت أيام المدينة الساكنة الهادئة الممتعة على الانتهاء، وبدأ الاستعداد لمكة بشعائرها ومشاعرها المتتابعة، التي لا تتيح لك فرصة لأي استرخاء قد يكون سبباً في ضياع عملك كله.

**********

التجرد من (الأنا)؛ من الشخصية والخصوصية والانتماء العائلي، والدرجات العلمية والمراتب الوظيفية أول إجراءات الانخراط في (دورة الحج): فوثائق سفر الحج تؤخذ من الحاج، وتستبدل بها أرقام تكتب على سوار بلاستيكي، يضعه الحاج في يده، يتم التعامل معه على أساسه، إلى أن ينهي دورته ويسترد جوازه.. بذلك يتحول الحاج إلى رقم يستدل به عليه، وعليه أن ينسى اسمه ومراتبه كلها.

والتجرد من اللباس والرياش ومستلزمات الأناقة ثاني الإجراءات، وهو (الإحرام)، فعلى الحاج أن يخلع كل مخيط فيودعه في حقائبه، ويستبدل به إزاراً ورداءً أبيضين ونعلاً بسيطاً يتوحد بذلك مع سائر إخوانه الحجاج، من كل حدب وصوب وجنس ولون ولسان، فلا فوارق هنا، ولا امتيازات، ولن تميز في الحجيج أميراً من فقير، وسيداً من حقير؛ الكل بين يدي الله، يجأر إليه بدعاء واحد؛ كلهم يطلب المغفرة، ويرجو رحمة ربه، ويعلن عبوديته وخضوعه إليه.

هكذا، يتجرد الحاج من متاع الحياة الدنيا وزينتها وكل أسباب التفاخر والتفاوت، فيصبح مؤهلاً لا تباع الدورة التي تأتي أعمالها متلاحقة، وبرامجها مكثفة، يأخذ بعضها برقاب بعض، ويدعم بعضها بعضاً، لتأكيد الوحدة الإنسانية وترسيخ المبادئ السامية التي أرست قواعدها مدرسة الأنبياء، في منهجية موحدة منذ تأسيسها على يد أبي الأنبياء إبراهيم، حتى خاتم الأنبياء سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.

مناسك الحج جميعها تؤكد للحاج وحدة الرسالات السماوية؛ السعيُ بين الصفا والمروة، والطواف بالبيت العتيق، واستلام الحجر الأسود، ومقام إبراهيم، وحِجر إسماعيل، وعرفة ، ومزدلفة، ومنى، وجمع الحصى، ورمي الجمار، وعيد الأضحى الذي يمثل احتفال التخرج لدفعة جديدة من الحجاج حملة الرسالة.. كل أولئك يذكره بأنبياء الله ورسالاتهم، لا يفرق بين أحد منهم بدءاً بأبيهم إبراهيم وانتهاء بخاتمهم محمد بن عبد الله الذي جمعت رسالته الخاتمة الرسالات كلها، وتوحدت بها الأديان كلها.

لا أعرف أمة في الدنيا،ولا ديانة، ولا مذهباً، اجتمع لها من الرموز الفكرية العميقة والمبادئ الإنسانية الشاملة، على صعيد واحد وفي مدرسة واحدة، خلال فترة قصيرة واحدة، مثل الذي يجتمع للمسلمين في موسم الحج.

لا أعرف موسماً متجدداً أبقى في تاريخ البشرية وأكثر قدرة على الاستمرار والتجدد والتطور والنماء والعطاء والشمول الإنساني كموسم الحج..

مَن مِن الأمم مجَّد الأمومة، كما مجَّدها الإسلام في السعي بين الصفا والمروة، مخلداً ذكرى لوبْة هاجر بينهما بحثاً عن قطرة ماءٍ لرضيعها إسماعيل، فانبجست لأم إسماعيل (زمزم) نبعاً غزيراً لا ينضب، يسقي الملايين من الحجاج، وممن ينتظر أوبة الحجاج في أصقاع العالم؟‍!

أيٌّ غير الإسلام آخى بين جميع أنبياء الله، وعلق إيمان المرء على إيمانه بهم جميعاً (لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون( [ آل عمران 3/84]، وجسد ذلك في مناسك الحج، يبدأ الحاج طوافه من الحجر الأسود، مستلماً إياه أو مشيراً إليه، وينهيه بركعتين خلف مقام إبراهيم، ماراً في كل طوفة بحجر إسماعيل؟!

أيٌّ من الحضارات وحَّد الإنسانية، وألغى الفوارق بين البشر، مثلما يفعل الإسلام في الحج؛ يستقبل الناس من كل فج عميق، يجمعهم في صعيد واحد بلباس واحد على كلمة سواء واحدة؛ يجأرون بها على الله خالقهم بنبرة ولغة واحدة (لبيك اللهم لبيك).؟!

أيٌّ منها يملك مثل هذا المشهد الرائع تبثه الفضائيات في الحج وفي سائر الأيام؛ يلتف فيه المسلمون حول الكعبة، ينتظمون في دوائر تتسع وتنداح حتى تعم الكرة الأرضية كلها، تتفتح أوراقها وقوفاً، وتغمض ركوعاً وسجوداً، ثم تتناثر لتتبرعم وتتفتح من جديد، تفعل ذلك خمس مرات في اليوم، يخيل للمرء أن صفوفها المتباعدة قد استقامت وما هي إلا منحنيات، تحنو على مركز الدائرة مكة، ويشتد حنوها فيها، حتى تتقابل صفوف المصلين محيطة بالكعبة إحاطة السوار بالمعصم؟!

ألا تستحق مكة أن تكون سرة الأرض؟! وأن تكون الكعبة مركز الكون؟! إنني واثق إنهما لكذلك، وقد بدأ مصطلح مكة (المركز)يستخدم عالمياً، مبشراً بمستقبل مشرق لهذا الدين.

أيُّ الثقافات أقامت نصباً للشيطان، رمز الشر والفساد وبثِّ الفرقة وإثارة الشحناء والبغضاء بين الناس، وجَمَعت الناس في يوم مشهود كيوم الحج لرجمه، إعلاناً لبراءتهم منه، وعزمهم على اليقظة لأحابيله؟!

أيّ الأمم تملك مثل ما تملكه أمتي من قيم وشعائر، ورموز، ومدارس، وتطبيقات يومية، وتدريبات سلوكية، وتعليم مستمر، وتزكية دائمة؛ تصون الإنسان من الانحراف؛ تذكره إذا نسي وتعينه إذا ذكر؟!

أفيليق بأمتي أن تفرِّط بهذه الثروة التي وهبها الله وائتمنها عليها، رسالةً تؤديها كل يوم، ويوم الحج الأكبر على وجه الخصوص؟!

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.