في يوم اللغة العربية .. " اللغة العربية " إحدى ضحايا الحرب

الأربعاء, March 1, 2017
كاتب المقالة: 

اللغة العربية كغيرها من اللغات، كائن حي يتنفس بالاستعمال والتطور والمعاجم اللغوية الصادرة باستمرار، والحروف التي تتألف منها اللغة العربية عند ابن عربي أمة من الأمم لها عالمها وأنبياؤها، وهي عند المفكر الحروفي فضل الله الأسترابادي كائنات عُلْوية تهدي إلى الحقائق.

هذا الكائن (اللغة) يجب أن يتحقق فيه التوازن والتآزر بين جميع أعضائه وذلك بالاستقرار والنماء والاستعمال الجاد والإغناء بالمستجدات، ولولا ذلك لاندثر الكثير مناللغات.. ولأنها الحرب التي تلقي بظلالها على كل شيء لا ينكر أحد أن تأثيراتها طالت لغتنا العربية في بعض جوانبها.

الانصراف عن القضايا اللغوية
لا ينفي د. ممدوح خسارة عضو مجمع اللغة العربية بدمشق تأثيرات الحرب على اللغة العربية، وأول هذه التأثيرات التي يلحظها انصراف الناس عن القضايا اللغوية والاهتمام بها ومتابعتها إلى ما هو أمسّ في حياتهم، فالباحث الذي يريد أن يبحث ويطور في اللغة العربية صار همّه بالدرجة الأولى أحداث الوطن وما يجري فيه، وأشار إلى أن الثقافة بشكل عام انصرفت عن اللغة العربية كمحور أساسي إلى محاور أخرى لها علاقة بالشأن العام، وهذا كله برأي د. خسارة انعكس بشكل مباشر على واقع اللغة العربية، ونوه كذلك إلى الجهود التي بذلها المجمع لوضع مشروع قانون حماية اللغة العربية، وهو مشروع هام وضروريّ، ويأسف لأن تتابع الأحداث في ظل الحرب جعل الجهات الوصائية تتريث في إقراره لصالح معالجة أولويات لها علاقة مباشرة بحياة الناس.
ولا يخفي د. خسارة أن قدرة المجمع على النشر قد خفّت في ظل الحرب لأن الميزانيات ضعفت، ولذلك لدى المجمع حالياً نحو 30 كتاباً جاهزة للنشر لا يستطيع أن ينشرها لأن الأزمة المالية انعكست على أعمال المجمع، وبالتالي لم يعد بإمكانه متابعة النشر كما كان يفعل في السابق، إلى جانب توقف المجمع عن عقد مؤتمره السنوي الذي يتم فيه عادةً دعوة رؤساء مجامع اللغة العربية من أنحاء الوطن العربي، لأنه لم يعد لديه إمكانية لاستقبال الوفود من خارج سورية، إلى جانب أن الضيوف صاروا يخشون المجيء إلى سورية في ظل الحرب.
ويوضح د. خسارة أن الحرب كانت لها انعكاساتها على التعليم بشكل عام، وقد باتت مشكلتنا اليوم ليست في واقع اللغة العربية فقط، وإنما في التعليم بشكل عام في ظل وجود سوريين يعيشون في المناطق الساخنة دون مدارس وتعليم، وهذا سيخلق جيلاً غير متعلم وسينعكس ذلك على اللغة العربية والثقافة والعلوم كافة، لذلك وضمن ظروف الحرب يؤكد خسارة على ضرورة وجود أولويات على صعيد تمكين اللغة العربية، وأولها الاستمرار في التعليم باللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا واستخدامها في إعلامنا ومؤسساتنا، وهذا هو مضمون مشروع قانون حماية اللغة العربية الذي اقترحه مجمع اللغة العربية، وبيّن د. خسارة ضرورة أن نتابع طريقنا في ترسيخ اللغة العربية والمحافظة عليها لأنها هويتنا، والحرب يجب أن لا تمنعنا من أن نتكلم بلغتنا العربية، لغة الدولة الرسمية.

اختفاء كلمات وبروز أخرى
ولأن اللغة العربية تحيا بالمتابعة والإنماء والتوليد والاستيراد تساءل الباحث والكاتب عبد الفتاح قلعة جي عن القواميس العربية الجديدة التي صدرت؟ علماً بأن الإنكليزية (أوكسفورد) تصدر باستمرار قواميس جديدة تستوعب المستجدات والمتغيرات، وأسف قلعه جي لأننا اليوم وفي ظل الحرب يختفي من لغتنا قاموس من الكلمات الطفولية والعامة كالحب والسلام والسعادة والأخوّة.. الخ، لتحل محلها كلمات أخرى أصبحت تشكل قاموسنا اليومي اللغوي، كالرصاص المتفجر والشهادة والإرهاب، وأشار إلى أنه لم يعد خافياً على أحد انخفاض مستوى الأداء التعليمي والتربوي في المدارس، حيث صار الناس يعتمدون على المعاهد الخاصة لتعليم أبنائهم، والمعاهد ليس هدفها اللغة ولا تمكينها، وإنما الربح وادّعاء أنها تحقق أعلى مستوى من النجاح لتضمن لنفسها الاستمرار، ويحزن قلعة جي كذلك أن اللغة العربية اليوم تفقد وجودها بشكل متسارع لدى ملايين السوريين المهاجرين إلى الداخل، أو إلى دول أخرى لتحلّ محلها لغة المَهاجر، إلى جانب أن مدناً وقرى خارج نطاق الدولة السورية تعاني بسبب الحرب انهياراً في اللغة العربية، إلى جانب انعدام أداء المؤسسات الثقافية في مناطق وانخفاضها في أخرى، وبالتالي هذا يعني أن الثقافة في أزمة، واللغة العربية هي قلب الثقافة وروحها. أما النهوض باللغة العربية  فيتم برأي قلعه جي من خلال توقف الحرب والعودة ثانيةً إلى ذاتنا ولغتنا.
وأشار قلعه جي إلى نقاط يحيلها للقراءة والمناقشة حول اللغة العربية والأزمة التي نعيشها اليوم، وأولها أن تمكين اللغة العربية لا شك أنه شعار هام لكنه غائم، والسؤال: كيف يجب أن تتم آليات التمكين؟ واعترف أنه مع المعنيين وخلال أكثر من سنتين كانوا يجتمعون شهرياً مع رؤساء الدوائر في حلب لتمكين اللغة، ولم يحصل شيء في هذه الاجتماعات سوى الثرثرة، ومنذ أيام أخبره مدير المسرح المدرسي عن مسابقة في النص المسرحي من أجل تمكين اللغة يشترك فيها أعضاء الجهاز التعليمي فقط!.

اللغة العربية هي الجوهر
ويرى د. راتب سكر أن الحرب أثَّرث على الاحتفاء باللغة العربية، ففي الظروف الصعبة التي تمر بها سورية أصبح الاحتفاء باللغة العربية شأناً هامشياً قياساً إلى ما هو جوهريّ، وهذه الرؤية برأيه خاطئة وهو ضدها، لأنه يعتقد أن اللغة العربية والاحتفاء المستمر بها جوهر ثابت من جواهر الهوية، فبمقدار تشبثنا بمكونات لغتنا العربية وثوابتها التي تهدد مصائر أحلامنا الوطنية والعربية تعرضت اللغة العربية للأذية، لذلك يشدّ بيد من الوداد على يد كل إنسان ظل يقدِّر أهمية الاحتفاء باللغة العربية في أصعب الظروف، وأشار إلى أن أيام اللغة العربية واليوم العالمي للّغة العربية ويوم اللغة الأم واليوم العربي للّغة العربية مسمّيات لترتيب الاحتفاء، وبالتالي علينا أن نحوِّل كل يوم من هذه الأيام  إلى احتفاء بلغتنا .
وعلى أرض الواقع يبين د. سكر أن الحرب أثَّرت باتجاهات مختلفة على واقع اللغة العربية، منها أنه لم يعد يجد للدراسات والمقالات المعنية باللغة العربية اهتماماً من قِبل القيمين على النشر في حياتنا الثقافية وفي وسائل إعلامنا، حيث تراجع هذا الموضوع إلى مرتبة ثانية مقابل تغليب ما هو يومي وحياتي، ودعا سكر إلى إبقاء اللغة العربية في صلب الاهتمام على الرغم من القهر ومعاناة الناس في المعيشة انطلاقاً من تأكيده أن اللغة العربية هي الجوهر، وهذه القناعة تحتاج إلى حب كبير يتغلب على كل الصعاب، وهذا الحب برأيه يمتلكه الأدباء والشعراء.

مفردات لا صلة لها بالعربية
ولأن الحرب طالت كل شيء كان لها تأثيرها برأي د. عبد الله الشاهر على اللغة العربية حين أفرزت الكثير من المفردات التي لا صلة لها باللغة العربية وروحها، إضافة إلى فقداننا للكثير من المؤسسات المهتمة بها سواء على المستوى المدرسي أو الثقافي، وهذا الأمر أحدث خللاً في تركيبة البنية الثقافية في ظل غياب الاهتمام بها في هذه المراكز والدوائر والمجالس والمدارس التي دُمِّرَت ونُهِبَت، ولذلك فإن اللغة العربية -برأي د.الشاهر- تحتاج للكثير، والأمل موجود بأن نعيد ألقها ووهجها، وهذا ما يجب أن يسعى إليه اتحاد كتاب العرب والمؤسسات الثقافية في مضاعفة الجهود لإعادة رونق اللغة العربية، عبر برامج مكثفة تستهدف بالدرجة الأولى أولئك الذين فقدوا فرصة التعليم.

الأم الحاضنة
وتؤكد الإعلامية والشاعرة لينة نويلاتي أنه لا يخفى على أحد أن من أولويات الحروب تدمير الثقافات والحضارات وعراقة الشعوب، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة كالمغول والتتار والاحتلال التركي والاستعمار الفرنسي والاحتلال الإسرائيلي والحرب الإرهابية الممنهَجة على سورية منذ ستة أعوام مضت، وبينت أن تدمير وتشويه تاريخ أمة ووطن يعني الإطاحة بلغتها واستبدالها بلغات أخرى دخيلة تخترق تحصين الأفراد وقلاعهم الثقافية والفكرية، ونوهت إلى أن اللغة العربية ليست كسائر اللغات، فهي تشكل وعاء الفكر الإنساني والتجارب والهموم والأحلام الإنسانية والبطولات والحضارات عبر التاريخ، وقد كانت سورية السباقة في الاهتمام باللغة وبذلت الدولة جهوداً حثيثة حافظت فيها على اللغة العربية كلغة رسمية للدولة والمؤسسات والتعليم، وأولتها الاهتمام في المجالات كافة، ولأن الحديث عن أهمية اللغة والحفاظ عليها أمر بديهي ومحسوم يبقى الأهم -برأي نويلاتي- ما الذي طال لغتنا في ظل حربٍ إرهابية غير مسبوقة منذ ست سنوات خلت وحتى اليوم؟ وما هي التحديات التي واجهتها لغتنا الأم في ظل جرائم الإرهاب وأعوانه من الخارج والتي طالت سورية وشعبها بهدف التخريب والتشويه، وتدمير العقول والفكر والتراث والثقافة وحضارة شعبنا ومستقبل أمة ووطن؟. وفي إجابة مختصرة تأسف نويلاتي أن الإرهاب استهدف هذه اللغة، ولا أدلّ على ذلك إلا تلك الجرائم التي ارتكبها بحق تلك الأوابد التاريخية والآثار التي تعبِّر عن تطور الحياة الإنسانية منذ أكثر من 7000 عام وهي نتاج أقوام عديدة وحضارات عريقة وقد تعرضت للتدمير والسرقة، وذلك يعني تدمير اللغة والتاريخ والعراقة. ويُحزِن نويلاتي القول بأن الحرب طالت كل شي ومنها لغتنا العربية التي كان من أهداف الإرهاب تشويهها وضياعها لاستباحة الدولة وعروبتها وقوميتها واستباحة العقول والنفوس الضعيفة، وللدور الكبير الذي تلعبه اللغة العربية في الثقافة السلوكية التي تُحصّن الفرد من الانحراف داخل الأزمات التي يعيشها الوطن وجب برأيها على الجميع، دولةً ومؤسسات ومجتمعاً، بناءَ الحصانة متعددة الأبعاد: الحصانة الوطنية والنفسية والقيمية وحصانة الهوية ومنهجة نظم سلوكية شفاعلة أكثر ارتقاءً في ظل التحديات الراهنة، وترسيخ التمسك باللغة العربية كهوية وحاضنة، والأهم حالياً الاستمرار في محاربة الإرهاب بكل أشكاله، سواء الإرهاب التكفيري الممنهج أو إرهاب الفكر والعقل والعقيدة والانتماء والدين، والتجذّر بالانتماء للوطن وللغتنا العربية التي ربينا عليها كإرث حضاري وطني وقومي وعقائدي والدفاع عنها دفاعنا عن الأرض.

المصدر: 
جريدة البعث
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.