قرآناً عربياً ..عن واجب المسلمين والعرب تجاه اللغة العربية!!

السبت, September 12, 2015
كاتب المقالة: 

 (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِســـــانِ قَوْمِهِ ) [ إبراهيم ١٤ /٤ ] ، (وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيّاً) [ الأحقاف ٤٦ /١٢ ]، نزل به الروح الأمين جبريل على مسامع الرسول العربي في غار حراء في مكة المكرمة ؛ لينذر به (أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَها) [ الشورى ٤٢ /٧ ] في خطاب عالمي (يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) [ مريم ١٩ / ٩٧ ] ؛ أصبحت بموجبه مكة المكرمة ، أم القرى وسرة الأرض ، يتوجه المسلمون إليها من كل أنحاء العالم ، في صلاتهم خمس مرات كل يوم ، ويحج كل مسلم إليها مرة في العمر ، في الموسم السنوي الذي أذن به إبراهيم (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلَى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ) [ الحج ٢٢ / ٢٧-٢٨ ] .. فكان أعظم وأقدم وأخلد مؤتمر في تاريخ الإنسان، مازال يكبر ويتعاظم عاماً بعد عام !!
لم تحُل اللغة العربية التي نزل بها القرآن دون بلوغ دعوته إلى كل أجناس البشر، وأن تحتل مكانتها اللائقة بها، وبكتابها المقدس، وأن تكون لغة عالمية معترفاً بها رسمياً من بين ست لغات للتخاطب في هيئة الأمم المتحدة، فما واجب المسلم الديني؛ عربياً كان أم أعجمياً، تجاه لغة كتابه المقدس (القرآن) الذي لا تصح صلاته إلا بها ؟! وما واجب العربي التي هي لغته القومية تجاهها ؟!
أما الواجب الديني الذي لا بد للمسلم فيه من الأذان للصلاة بالعربية، ومن قراءة الفاتحة وبضع آيات من القرآن في صلاته اليومية بلغته الأصلية (العربية)، فقد يكتفي بحفظ ما تصح صلاته به عن ظهر قلب، وقد يكتفي بتلاوة بعض سور القرآن بالعربية لمجرد التبرك بها؛ يستوي في ذلك العربي والأعجمي .. أما الغوص في معانيه، ووعيه بوصفه دستور المسلم ومحور حياته، فإذا كان غير العربي يستطيع أن يحصل على مبتغاه منه بترجماته المتعددة إلى لغته، من دون أن يتذوقه ويستمتع بإعجازه وطلاوة لغته وأسلوبه، فهل يليق ذلك بالعربي الذي أكرمه الله بتنزيل القرآن بلغته ؟!
هذا عن المقدس ، وأما الجانب القومي المتعلق بالإنسان العربي ؛ فالحديث عنه يتفرع فرعين اثنين؛ أولهما يتعلق بالعربي ولغته التي ضيعها في أوطانه ، ينبئك عنها لافتات في الشوارع هجرت الحرف العربي إلى حرف لاتيني هجين، وعبارات على صدور الفتيان والفتيات بالحرف الأجنبي لا يدرون ما تعنيه ، ولغة متبادلة على الفيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي اختلطت فيها العامية بالعربية والأجنبية ، فلا قاعدة ولا هوية ، وعربية منقوصة بين أيدي المثقفين والمتعلمين؛ سكنت فيها أواخر الكلم ، وغابت القواعد فأصبح الفاعل منصوباً والمفعول مرفوعاً.
وثانيهما يتعلق بالعربي المهاجر، وخاصة إلى أميركا التي تستقبله بالأحضان؛ فغالباً ما يكون من المتفوقين النوابغ الذين لم تستوعبهم بلدانهم، تستثمر نبوغه وتتلقف أبناءه جيلاً بكراً؛ تمنحه الجنسية الأمريكية بالولادة، لتصوغه طبقاً لثقافتها؛ رضيعاً تتابع نموه، وإجراءات أمانه، ولقاحاته، وغذاءه، لا تنقطع صلتهم به وبوالدته عند خروجها من مشفى التوليد .. ثم طفلاً تتولى فطامه عن أصوله ؛ تتعهد لغته التي ينبغي أن لا تشوبها لكنة قد تعلق بها من لغة آبائه، وألا تزاحمها لغة أخرى تستميل لسانه ولهجته إليها ، وتخرجها عن صفائها ، وتتعهد مناهج تعليمه التي تتمحور حول تاريخ أمريكا، واكتشافاتها ، وعلومها ، واختراعاتها ، وجذورها الحضارية الأوربية، وصورة قاتمة مشوهة عن العالم العربي والإسلامي، تحنطه عند قصص علاء الدين، وتعرض تخلفه، متجاهلة تطلعاته إلى اللحاق بالركب الحضاري العالمي، وإسهامه برفده وتنميته، بل وجاهدة في العمل على إطالة أمد تخلفه ، وإثارة الفتن فيه، للإبقاء عليه سوقاً مفتوحة لتصريف منتجاته !!
هذه لمحة موجزة عن واقع قراءتنا للقرآن؛ عرباً وأعاجم، بلغته التي أنزل بها، وواقع اللغة العربية التي نزل بها القرآن؛ في عقر دارها وفي المهاجر، سبق أن تحدثت عن القراءة المجدية التي أمرنا الله بها للقرآن، والجديرة بأن نرتقي إليها في حلقة سابقة، وسأترك الحديث عن واجباتنا تجاه لغتنا العربية في أوطانها وفي المهاجر إلى حلقة قادمة؛ فإلى لقاء قريب إن شاء الله !!

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.