قراءة في كتاب "أزمة الأقليات في الوطن العربي "

الأحد, August 27, 2017
كاتب المقالة: 

من يجرؤ على الكلام؟! من المؤسف والمعيب أن يجد العربي والمسلم أن الآخرين يولون اهتماما لقضايا تمس الصميم العربي والإسلامي ، في الوقت الذي نجد اهتمامات العرب والمسلمين تنصرف في معظمها إلى قضايا لا تزيدهم إلا تخلفا وتشبثا بالواقع الذي يعيشون ، ولعل من أهم الموضوعات المسكوت عنها في الخطاب العربي موضوع الأقليات في الوطن العربي ، هذا الموضوع الذي كاد أن يكون من محرمات الكتابة والبحث ، أو على الأقل يفضل أن يكون من المسكوت عنه . إذ لا تعتبر معالجة هذا الموضوع من النشاطات الفكرية البريئة ، فهي غالبا ً ما تثير الريبة والشك وتذهب بالظنون بعيداً خاصة إذا كانت الأجواء السياسية غير عادية . ولأن الكثير من الدول العربية يمور في داخلها صراع أقليات كامن وناعم لم ينفجر بعد . ومن الممكن جداً أن يعبر عن نفسه بأشكال أخرى في أي لحظة . كل هذا لم يجعل الاهتمام بمسألة الأقليات يحتل مكانة متقدمة في الفكر العربي أو المجال الأكاديمي والبحثي أو حتى في العمل السياسي المباشر .

يؤكد الباحث السوداني الدكتور حيدر إبراهيم علي ، أن البحث عن حلول علمية وواقعية لمشكلات الأقليات من خلال التسامح والقبول بالآخر وتبني التعددية السياسية والثقافية ، هو المدخل الصحيح لقيام دولة وطنية قوية يمكن أن تتجه نحو وحدة قومية شاملة ومستدامة . ولكن حين تنشغل كل دولة بأزماتها الداخلية خاصة المتعلقة بدمج الوحدات الاجتماعية والثقافية ، فسنكون أمام دول ومجتمعات فسيفسائية مبعثرة تنقصها القدرة أو القوة الذاتية . وفي تأريخه لأزمة الأقليات في الوطن العربي يرى مدير مركز الدراسات السودانية أنه وفي بداية الدولة الإسلامية كان النبي يتخطى العصبية محاولاً تشذيبها وتوجيهها بحيث تقبل العيش في إطار سياسي واحد لا يلغيها بل يوازيها ، وينظم علائقها بعضها ببعض ، وبالعالم الخارجي على أن تبقى العصبية ذاتها عماد التضامن الداخلي ، أن يمثل الإسلام فكروية الإطار السياسي .

ولم يكن هذا الانتماء وما قد يتبعه من عصبية معلناً ولا جزءاً من تعاليم الدين الجديد ، بل كان يدين مثل هذا السلوك باعتباره من بقايا الجاهلية . ولكن لم يغب عن التأثير في الصراع السياسي حول السلطة لفترات طويلة . وبعد ذلك كان على الدين الجديد تحديد علاقاته مع الآخر في مستويات أخرى حسب رؤية شاملة " weltanschuung " قسمت الناس في العالم إلى مسلمين وكفار وهم : ذميون ومشركون ، ثم إلى دار الإسلام ودار العهد ودار الموادعة ، ودار الكفر ، ودار الحرب . وهناك ثلاث فئات على الصعيد الديني : المسلمون وأهل الكتاب وعبدة الأوثان أو الكتابيون وغير الكتابيين . وهذا التصنيف كان محط نقاش وتعديل وتغيير ، حسب تغير ظروف الزمان والمكان ، خاصة وأنه لم يوجد نص صريح يحدد كل فئة أو مجموعة بصورة قاطعة . ونتج عن ذلك تعدد المعاهدات والاتفاقات مع غير المسلمين ، كما اختلفت المعاملة حسب الحاكم وحالة البلاد من استقرار وسلام وحرب وتنافس ورخاء اقتصادي أو ضيق . ومن هنا يمكن القول إن الدين الإسلامي القائم على عقيدة توحيدية كان عليه حين توسع من مجتمع المدينة لكي يصبح إمبراطورية تضم أصحاب مختلف الأديان والملل ، وكثيراً من المجموعات الإثنية المختلفة والقبائل المتنافرة ، أن يبحث عن صيغة تمكن كل هذا التنوع والتعدد من التعايش داخل الدولة الإسلامية دون الإخلال بالمبادئ العامة التي جاء بها الدين ، وأهمها العدل والمساواة والتكريم . وهذه هي المعادلة الصعبة التي مازالت تواجه المسلمين ـ عملياً ونظرياً ـ فقد عجز الإسلاميون حين حكموا عن حل النزاعات الإثنية سلمياً . كما أن المفكرين الإسلاميين لم يقدموا اجتهادات عصرية مجمعا عليها أو يمكن الاتفاق عليها بقصد أن تعمم ، وتكون وجهة نظر المسلمين عامة في التعامل مع الأقليات وبالتحديد غير المسلمين . ظل معلقاً ، وبقي التجريب والخطأ هو مبدأ التعامل مع الأقليات . ويرى الدكتور حيدر علي أنه وبالرغم من أن الحكمة في التعامل مع غير المسلمين قامت على البر بهم وبالتالي الاتجاه نحو التسامح والقبول ، إلا أن بعض الفقهاء والباحثين والنشطاء في العمل الإسلامي الحركي فضلوا انتقاء الأحكام والوقائع الاستثنائية التي تميل نحو التشدد والتضييق على غير المسلمين . واعتبروها هي الأصول في معاملة غير المسلمين ، وهذا ما يوصلهم إلى حلول ومعالجات خاطئة هي التي تؤدي بالتأكيد إلى الفتنة التي يخشونها .

ولما كان الوعي بوضعية الأقلية في الحالة العربية ـ الإسلامية ـ هو أشبه بالمياه الجوفية : موجود وغير مرئي ، ولكن عند الحاجة يمكن التنقيب والحفر لإظهاره . فإن حيدر علي يعمل فرشاته النظيفة وبكثير من التأني في إزالة الغبار والأتربة عن موضوع الأقليات في الوطن العربي بعيداً عن معاول الحفر والتنقيب التي غالباً ما تؤذي . ولعل دقته في العناية البالغة بهذا الموضوع الشائك تعود في المقام الأول إلى أن الوطن العربي يتميز بالتنوع والاختلاف والتمايز حيث أنه يضم عددا كبيراً من المجموعات الإثنية والدينية والمذهبية ، رغم الحديث عن ثقافة عامة منتشرة حتى بين الأقليات . ولكن يرى البعض وجود علاقة معقدة تتمثل في وجود عنصرين في المجتمع العربي الإسلامي يعملان في اتجاهين متعاكسين : ثقافة مشتركة أو اتحاد ثقافي قوي مؤثر على كل الجماعات الأخرى ذات الثقافات الخاصة من جهة ، ومن ناحية أخرى ميل بالغ الإفراط إلى الغلو الأيديولوجي في الفوارق بين الجماعات . لذلك لم يكن للتمثل assimilation آثار عميقة وواسعة في هذا السياق العربي الإسلامي . وفي محاولة منه لإيجاد الحلول لهذه الأزمة المستعصية على الحل يذهب حيدر علي إلى أنه من ضمانات حلول مشكلات الأقليات قيام الدولة المدنية وليست الدينية ، أي التي تبعد الدين عن السياسة والدولة ، لأن بعض المواطنين لا يدينون العقيدة نفسها . ويتحدث البعض عن عدم ديمقراطية مثل هذا الوضع ، على احتمال وجود أغلبية تريد تطبيق الشريعة الإسلامية مثلا . وهنا تبرز قضية المواطنة ، هل تحدد حسب العقيدة والدين أم حسب الانتماء للوطن والقومية؟ هذه إشكالية تخضع الآن لكثير من النقاشات والحوار . وهناك اتجاه يقول بإمكانية التوفيق بين الدولة الدينية وحقوق المواطنة ، إلا أنه وعلى صعيد الواقع والممارسة عجزت بعض الدول التي طبقت قوانين إسلامية عن احترام حقوق غير المسلمين وإشراكهم في الحكم بطريقة متساوية . ويبقى مطلب الدولة المدنية ، أي التي ليست دينية ولا عسكرية ، هو المدخل لتعددية سياسية وثقافية تبعد أي احتمالات صراع تقوم حديثاً بسبب ظلامات العرق أو الدين أو الثقافة .

ويتوافق رأي الدكتور حيدر علي مع رأي محاوره الدكتور ميلاد حنا الذي يرى أن آليات المجتمع المدني تساهم إيجابياً في إقلال التعصب . وفي الدول والحكومات التي تقهر آليات المجتمع المدني ـ من أحزاب سياسية ونقابات على أنواعها وصولاً إلى الجمعيات غير الحكومية ـ نجد أن مجال النشاط للانتماءات المكتسبة محدود للغاية ، فالدولة محتكرة لأدوات صياغة الوجدان الإنساني والمفاهيم الجماعية ، لذلك يسود التعصب في هذه المجتمعات ، وتعم فكرة "رفض الآخر" فهناك علاقة وثيقة بين ممارسة الديمقراطية على كافة صورها ، وبين توفير المناخ السياسي الملائم لثقافة "قبول الآخر" مما اضطر بعض الدول الغربية لأن تشكل آليات مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان ، أو متابعة ما يجري بالنسبة لاضطهاد "الأقليات" وتصدر لذلك تقارير سنوية تسجل ما يسمونه "الانتهاكات" وهذه التقارير الدولية هي آلية ضغط معنوية هامة وغالباً ما يعقبها ـ إذا استفحلت ـ فرض عقوبات ، ولكنها أمور ليست منزهة عن الهوى ، وسوف تشهد مرحلة ما بعد أيلول (سبتمبر) عام 2001 مزيداً من هذه الآليات الغربية ـ كما يرى الدكتور ميلاد حنا ـ وذلك لما يلاحظ من وجود مناخ عام للتعصب الديني في بعض الدول بذاتها أطلقوا عليها عبارة كورية هي أنها "دول الشر" قاصدين أنها دول تحث على التعصب . وبدلا من هذا التوجه السلبي يحسن إنشاء آلية جديدة تعمل على فتح القنوات والنوافذ التي تدعم وتنمي الخصوصيات الثقافية للأقليات على أنواعها ، فالحزب الذي يصل إلى الحكم من خلال ثورة دينية أو حركة عسكرية أو حزب شمولي غالباً ما تمالئ "الأغلبية" العرقية أو الدينية فتقهر "الأقليات" على أنواعها ، ومن ثم تمنع تنظيماتها ، بدعوى أنها تسعى إلى خطف الحكم ، فتظهر تلك الأخيرة لتكوين جماعة "تحتية" تمارس فيها خصوصياتها الثقافية ، فالمسلمون في الفلبين يكونون تنظيماتهم لممارسة خصوصيتهم الثقافية وعبادتهم من صلاة وصيام وحفظ القرآن ، وكذلك يفعل الأكراد في دول الجوار في العراق وتركية وإيران وسورية إذ يكونون أحزابهم للنضال من أجل الحصول على الاستقلال ، ليتكلموا لغتهم ويمارسوا عاداتهم وثقافتهم ، ويلاحظ المرء أن الشيعة في بعض دول الخليج يحاولون أن يكتسبوا موقعاً على الساحة السياسية كمشاركين ووطنيين في إطار دولتهم لأنها وطنهم ، وقد اضطر أهالي جنوب السودان أن يكونوا حركة وجيش تحرير السودان ، لكي يتحرروا مما يتصورونه قهر أهل الشمال ، وقد يحتاج هنا الأمر الأخير إلى تفاصيل أخرى لأنها مشكلة أكثر تعقيداً .

فكل أقلية عرقية أو دينية أو مذهبية لها خصوصياتها الثقافية بشكل أو بآخر ؛ ممثلة في لغة أو عقيدة أو أماني مشتركة ، وهو أمر أدركته الديمقراطية في الغرب ، ولذا سمحت بتكوين المؤسسات غير الحكومية على أنواعها حيث تجتمع هذه الأقلية أو تلك وتمارس طقوسها ، وتتكلم لغتها ، وفي كثير من الأحيان تقدم الدولة معونات مالية وإعفاءات من الضرائب ، كما تعطي هذه الجماعات حق البث الإذاعي أو التلفزيوني لمدد قصيرة أو طويلة أسبوعياً حسب وزنها ونضالها والمناخ السائد ، ويرى الدكتور حنا أن الوحدة ممكنة وثرية من خلال التنوع باحترام الخصوصيات الثقافية ، فلا يوجد تنوع أكثر من ذاك الموجود في مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية ، وربما كان ذلك سر قوتها كمجتمع ، حتى صارت الدولة العظمى في العالم .

إن ما يطرحه المتحاوران، سواء اتفقنا معهما فيه أم اختلفنا، يعد الخطوة الأولى والأصعب في موضوع الأقليات، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل سيعمل الباحثون والمفكرون العرب على البحث في هذا الموضوع الشائك و"المخيف" من غير أن يؤدي ذلك إلى الصدام والتناحر فيما بينهم، أم أنهم سيستمرون في سباتهم تاركين لغيرهم مهمة البحث في أخص خصوصياتهم؟ .

الكتاب : أزمة الأقليات في الوطن العربي ( سلسلة حوارات لقرن جديد ) .
الكاتب : د.حيدر إبراهيم علي و د. ميلاد حنا .
الناشر : دار الفكر دمشق  .

 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.