قراءة في كتاب "في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم" من سلسلة رسول الإنسانية

الثلاثاء, January 5, 2016
كاتب المقالة: 

الرحلة إلى المدينة..الدخول..أرأيت لو أزمعنا الرحيل معاً إلى مدينة الرسول رحيلاً غير عادي، لا نركب فيه طائرة ولا حافلة.

لن نحتاج إلى تأشيرة دخول، لأننا سنركب عجلة الزمان لتعود بنا إلى الوراء، فتضعنا على تخوم المدينة عند ثنيات الوداع، قبيل وصول النبي إليها قادماً من مكة لنتشرف باستقباله.
ستفاجئك هذه المدينة القرية، لن تلفت نظرك بسعة رقعتها، ولا بجمال أبنيتها، ولا بغنى أهلها.. إنها قرية عادية، لا يجاوز سكانها بضعة آلاف أو أكثر بقليل.. إلا أنها ستدهشك بأمور أخرى!
هذه القرية الواقعة في شمال الجزيرة العربية الغربي قريباً من البحر إلى شرقه أسست حضارة، شملت جوانب الحياة كلها، واستطاعت منذ حلّها رسول الله r أن تحرك العالم كله، حركةً ما تزال حتى اليوم تنتشر وتتسع.. وتخيف حلفاء الشيطان.
سندخل هذه القرية مع شدَّة الحرِّ في شهر تموز/يوليو عام 622 من الميلاد؛ وهي السنة الأولى لهجرة رسول الله، وسنبقى فيها عشرة أعوام وأشهراً نشهد أياماً مختلفات، كل يوم له طعمه، ونعيش حياة عجيبة، ما أظن قرية عاشت مثلها من قبل. سنشهد تخطيط العمران، ونشاهد كيف بني مسجدها، وكيف أنشئ سوقها.. نبيع فيه ونشتري، ونرى مرابضها ومرافقها العامة وبساتينها وآبارها ووديانها ومقبرتها. نعيش مع أهلها حياتهم خلال طبقاتهم الاجتماعية، ونتعرف الأسرة المسلمة وأفرادها وأحوالها الشخصية ومشكلاتها..
نراقب عن كثب سياسة النبي وتحركاته الدبلوماسية، ونستمع إلى خطبائه وشعرائه، ونستقبل معه الوفود، ونقعد مع وزرائه وأمرائه وقضاته، ونلاحظ التنظيم الإداري، وننتفع بالحركة العلمية ونشارك في العبادات..
هل نستطيع معاً أن ندخل.. ونسلّم على الرسول r، ونتشرف بصحبته ونعيش معه؟
هيا بنا.. إنها رحلة غير عادية إلى زمان استثنائي جداً.. زمن المعجزات المستمرة.
ولكن!!
لنقف قليلاً، فليس الناس فيها كلهم مؤمنين، إن فيهم مشركين يكرهون الرسول، لا يريدون أن يتبعوه، ولا يرجون له الخير..
فيها منافقون، يشتغلون في المؤامرات ويسرعون في الفتنة، ويتربصون بالمسلمين الدوائر وبالرسول.. ولكنهم في حيرة من أمرهم، يعيشون في اضطراب..
فيها يهود، يتصلون بالمسلمين، تربطهم بهم علائق اقتصادية، وموالاة، ومعايشة، فكيف سيتصرفون؟
سيزورها نصارى يسألون عن الدين الجديد.. ويجادلون، ويحاورون.. ولا يقطعون برأي..
سيكون من حول المدينة قبائل يكره أفرادها المسلمين، لا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان؟
فالمدينة إذن ليست كسائر المدن.. إن فيها عجائب وغرائب، فكيف سيكون حالها خلال عشر سنوات؟
إنها سنوات مليئة مليئة..

 

الاستقبال

نحن الآن نقف خارج يثرب مع الصحابة ننتظر قدوم رسول الله، علمنا أنه خرج من مكة مهاجراً منذ أيام، وقد آن له أن يصل.. هذا هو اليوم الثالث أو الرابع الذي نخرج فيه منذ انبلاجة الضوء في الصباح. بعضنا يعلو سطوح المنازل، وبعضنا الآخر يتربص تحت ظل النخيل، وعيوننا تتأمل الأفق البعيد تنتظر أن يطلع علينا الرسول.. نحدّ البصر، فلا يرجع إلينا إلا بمرأى الصحراء الممتدة بالرمال.. قلوبنا تتلهف، وكثير منا لا يعرف شخص الرسول.. نرسم صورته في خيالنا على ما وصفه لنا الواصفون، نخرج كل يوم، ثم نعود إذا ارتفعت الشمس التي تغلبنا وتسوط رؤوسنا.

مع الحشود الواقفة التي تجمعت للقاء الرسول لفت نظرنا طفل في نحو العاشرة أو الحادية عشرة، إنه زيد بن ثابت.. كان متلهفاً، شديد التلهف، لا تهدأ حركته، ينظر معنا في الأفق..

أترك الكلام لزيد هنا..

قال زيد:

وطال الانتظار حتى أتعبنا حرّ الشمس في ذلك اليوم الصائف[1]، فعدنا إلى منازلنا..

يهودي نادى من أعلى أُطُمه[2]، وقد رأى الركب من بعيد يرفعه السراب:

- يا بني قَيْلَة.. يا بني قيلة.. هذا جدكم قد جاء.

وما إن لامس هذا النداء آذاننا حتى خرجنا أرسالاً[3]نتصايح، وأنا أتراكض مع لِداتي، نسبق الكبار إلى أطراف البلدة، حيث طريق مكة.. كان الكبار يخبُّون[4] رجالاً ونساء:

- هذا رسول الله.. هذا رسول الله قد جاء.

ملأ كلامنا أجواء يثرب، ورددت صياحنا طرقاتها وتجاوبت معه النخلات الباسقات، وانبعثت به أسطحة الدور.. قال الكبار: لم يأت على يثرب مثلُ هذا اليوم، ولا عُرفت ساعة مثل تلك الساعة التي اضطربت لها القلوب فرحاً، وابتهجت الأسارير.. وكانت قلوبنا تخفق بالحب، وبروعة اللقاء..

أقبل ركب رسول الله يتهادى من البعد، وكان معه جماعة في نحو سبعين راكباً، يحملون لواء يتحرك مع النسمات الواهنات، توقفوا في ظل نخلات خارج البلدة، حيث كنا نتجمع في حشود أكثر من خمس مئة إنسان، خرج كبار يثرب كلها، لم نعرف أيهم الرسول؟

قعد رجلان في ظل نخلات.. ووقف الباقون الذين لم يكونوا من أهل يثرب..

تهامس من ورائي ناس:

- أي الرجلين الجالسين رسول الله؟

- لا أدري!

لم تطل الوقفة بنا حتى قام أحدهما يظلل الآخر بردائه من حر الشمس، فعرفنا أن الجالس هو الرسول.

كان رجلاً متوسط القامة، ليس بالنحيف ولا الجسيم، عريض الصدر أبيض اللون بياضاً مزهراً، مستدير الوجه مليحه، واسع الجبين، سهل الخدين، واسع الفم أقنى، طويل شق العينين، وعيناه سوداوان، كث اللحية..

تراكضنا إليه نرحب به، والتففنا حوله..

- أهلاً بك يا رسول الله..

- السلام عليك يا نبي الله..

- قدمت خير مقدم يا أيها الرسول الكريم.. مرحباً بك.

كانت على الرسول مهابة تجلله، ونور ينبعث من وجهه الوضّاء، كان مبتسماً، يسلم على الجميع، ويلقاهم بالبشر..

وكانت أمي ما تسعها الفرحة.. تتقدم على استحياء مع النسوة، قالت لي[5]:

- يا زيد، اقتربْ من رسول الله، فالتمس منه البركة..

وازداد الناس حول النبي يستقبلونه، يرحبون به.. واندسست مع لداتي من بين الناس، أدفعهم حتى اقتربت من الرسول أكثر.. كان مما تكلّم أن قال:

- أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.

ما لبث أن جاء ثابت بن قيس[6] في جماعة من الفرسان، فخطب أمامه بصوته الجهوري خطبة رحب به فيها.. فرأينا السرور على وجه النبي..

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة