كتاب الصين المقدس

الثلاثاء, November 22, 2016
كاتب المقالة: 

ما يقوله هذا الكتاب هو أنَّ النفس هي كرسي الوهم والخطر والهوى؛ لذا يجب قهر النفس والتغلب عليها من خلال الاستسلام الكامل للداو. القلب الفارغ الشاغر تماماً هو الوحيد القادر على عكس الحقيقة العظمى من خلال نقائه. حب الدنيا وحب الشهرة والعجب بالنفس؛ هي من الأمراض القاتلة التي يحاربها الكتاب بلا هوادة؛ لأنها كلها حجب تحجب القلب عن الداو. فقط من خلال إغلاق كل بوَّابات النفس نستطيع أن ندخل باب الداو، وبالتالي نتمكن من أن نجوب العالم دون الحاجة للخروج من باب الدار.

ويتكلم الكتاب بشكل مسهب عن صفات الأولياء والعارفين للداو، وكيف تصبح أحوالهم بعد معرفتهم للداو. والصفات التي يتركها الكتاب تُطابق إلى حدٍّ كبير الصفات المعروفة إسلامياً لمثل هؤلاء العارفين. فهو يؤكِّد أنَّ هؤلاء لا يهتمُّون بذواتهم وشهرتهم على الإطلاق؛ لذلك فإن الندرة من الناس تعرفهم، وأنَّ كل همِّهم هو معرفة الكون ومساعدة المخلوقين ومعرفة الداو. وأنَّ تصريف أمور الكون تتمُّ من خلالهم؛ لأنهم هم الخلفاء (الأبدال)، وهم الذي وصلوا إلى علم التصريف وعلم التمكين. والكتاب أصلاً موجَّه إليهم لا إلى غيرهم، فهم وحدهم الذين يفهمون ما يقول. ونستطيع أن نضع عدة تسميات لهم منها: «أولو الألباب» أو «العارفون » أو «المقرَّبون» أو «الأولياء»، أو رجال الداو الذين طرحوا أهواءهم جانباً ولا يرغبون بأي شيء لأنفسهم، وبالتالي أصبحوا تجسيداً للهداية وللإرادة الداوية في كل شؤونهم. في كل الكتاب حيثما وجدتم كلمة «أولو الألباب» فإنه بالإمكان استبدال أي مفهوم آخر بها مما ذُكِر هنا.

ويتحدث الكتاب أيضاً عن الدولة والحكم ورجالهما، وعن أسس الدولة العادلة التي يرضى الناس عنها وترضى عن الناس؛ والتي تزدهر بها البلاد والعباد. ويقول: إن الدولة ورجالها يكتسبان مصداقيتهما، لا من خلال زيادة فرض وإثبات وجودهما، بل من خلال إثبات الداو، وتقليل وجودهما إلى أن تصل الأمور لمرحلةٍ وكأن الداو هو الذي يسيِّر الأمور، وأنَّه لا وجود للدولة على الإطلاق، وهذا وحده هو الذي يضمن التمكين والاستمرار للدولة ورجالها (تحكم الداو في كل شأن).

في عدة حالات تكون الآيات موجهة لنصح رجال الدولة، وموجهة لنصح الأفراد أو لنصح أولي الألباب كأفراد أو جماعات، وهنا تزداد أهمية هذه النصائح؛ فهي متعددة المقاصد متنوعة الأبعاد، لها درجات مختلفة من الأعماق والتأويلات.

يتكلم الكتاب عن الحروب والإفساد والبغي، ومعالجة النَّتائج السلبية لهذه المفاسد تأخذ حجماً كبيراً من الكتاب. يقول مثلاً: إنَّ الحروب لا تبدأ بالإعلان الرسمي عنها، ولا تنتهي بمجرد توقيع اتفاق سلام، إنَّ الأمر أعقد من هذا بكثير. وأيُّ فرح بالنصر والاقتتال ما هو إلا فرح وقبول بقتل الإنسان للإنسان! وأيُّ جيش كبير يعني سنين طويلة من الجوع والمعاناة؛ لذا يجب تجنُّب الحروب والفساد بتجنُّب كلِّ ما يؤدِّي إليهما، ويجب معالجة المشاكل قبل أن تحدث، ويجب التفكير في منحى تطور الأمور وهي ما زالت بعد في مهدها، وأن الطَّريق الطويل يبدأ بخطوة.

ومن أخطر ما يقول به الكتاب هو أنَّ محاولة الحكَّام فرض إيديولوجيات وضعية معينة على الناس، والتطبيل والتزمير لها ليل نهار، يؤدِّي إلى رفض الناس لها، وإلى ظهور الفوضى وانتشار المكر بين الناس؛ لأن الزائد عن الحدِّ لابدَّ له من أن يؤثِّر عكس المراد. وهذه النظرية متوافقة مع أحدث نظريات علم الاجتماع وعلم النفس الحديثين؛ فإذا أردت أن تُكْرِه الناس على أمر ما، وأن تُلجِئهم إلى الفوضى والمكر، وأن تشوه عقولهم، ما عليك إلا أن تفرض عليهم أمراً معيناً فرضاً وتكرههم على قبوله بشكل قسري، فهذه هي أفضل طريقة لتجعلهم يكرهونه من خلال ما تظهر على إجبارهم على حبه، وغالبية الناس اليوم تعي هذا الكلام. أمَّا إذا أردت أن يحب الناسُ شيئاً فاعرضه عليهم بهدوء واتِّزان، فالمبالغة تؤدِّي حتماً إلى عكس المراد. وتكتمل هذه الفكرة بقوله: إنه كلما تمادى الحكَّام في فرض القوانين والنَّص على المحرَّمات؛ ازداد المكر والخداع وكثر اللصوص وقطَّاع الطرق. فإظهار العدل والأمانة والأمن في المجتمع لا يتمُّ من خلال القهر والفرض وإكثار المحرمات، بل يتم من خلال إظهار الداو والتَّأكيد على أخلاقه وسننه في الكون والطَّبيعة، ممَّا يؤدي إلى أن يعيش الناس بأمان وسعادة وسلام، دون الحاجة لأيِّ وسيلة من وسائل فرض السلطات. والاعتماد على الوازع الداخلي للإنسان لا على الوازع الخارجي هو أساس استمرار الدولة ورجالها وازدهار المجتمع، والاعتماد على الوازع الخارجي هو أساس الظلم والتخلف وانهيار الدولة ورجالها.

من محتويات ( كتاب الصين المقدس ) الصادر حديثاً عن دار الفكر بدمشق.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.