كرة القدم في الأدب المصري: الملاعب تلخّص أحوال البلاد

الاثنين, July 2, 2018
كاتب المقالة: 

الأدب لم يكن ليتعالى على المتعة الجماهيرية الأكثر شعبية في العالم، لعبة ديمقراطية أتاح من خلالها الفقراء لأنفسهم بابا ملكيا إلى قلوب المشجعين.

المواهب فوق العادية في كرة القدم تجعل من اللعبة فنا يضاف إلى الفنون السبعة الجميلة، وبأقدام هؤلاء تنال الكرة حظا من الموسيقى، وحظا آخر من الإيماء/ الرقص. وإذا كان هذا الارتقاء بالكرة يسوؤك، ويخدش كبرياء الفنون النخبوية، فيمكنك أن تكتفي بذكر حقيقة استقرار الكرة فنا كوكبيا يفوق الفنون التقليدية باتساع دوائر متابعيها، متعة تتجاوز لغات اللاعبين. كما انفردت كرة القدم عن بقية الفنون باتحاد دولي “الفيفا” يضم أكثر من 210 اتحادات لكرة القدم، وهو رقم يزيد على عدد أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويضع الفيفا قانون اللعبة، وينظم شؤونها حول العالم، ويمنح الجوائز، ويشرف على المسابقات وأكثرها أهمية بطولة كأس العالم كل أربع سنوات.

ولم يكن الأدب ليتعالى على المتعة الجماهيرية الأكثر شعبية في العالم، لعبة ديمقراطية أتاح من خلالها الفقراء لأنفسهم بابا ملكيا إلى قلوب المشجعين، وصاروا أيقونات عابرة للأجيال والثقافات، وفي مقدمتهم مارادونا الأرجنتيني، وقبله بيليه البرازيلي أفضل لاعب في تاريخ كرة القدم، وقد اختاره الفيفا أحسن لاعب في القرن العشرين. بيليه قاد منتخب البرازيل للفوز على منتخب مصر عام 1960 في ثلاث مباريات ودية بالقاهرة والإسكندرية، وفي عام 1963 قاد بيليه فريق سانتوس للفوز على الأهلي بالقاهرة. وفي عام 1963 أيضا تأهلت غانا والمغرب ومصر لدورة طوكيو الأولمبية، وضمت مجموعة مصر كلا من تشيكوسلوفاكيا وكوريا الجنوبية والبرازيل التي تعادلت مع مصر، وفازت مصر على كوريا بعشرة أهداف نظيفة، سجل منها مصطفى رياض ستة أهداف، وبفارق الأهداف تفوقت مصر على البرازيل التي خرجت بعد الدور الأول.

لا آثار لتلك المباريات البرازيلية في الأدب المصري، وقد تفاوتت حظوظ الأدباء المصريين في المعرفة بفنون الكرة وقوانينها، وكذلك بممارستها في الصبا والشباب، والاقتراب من سيكولوجية جماهير جعلت من فريقي الأهلي والزمالك أكبر حزبين في مصر عددا وأنصارا وتأثيرا، وهذا ما يرصده الكاتب المصري مصطفى بيومي في كتابه “كرة القدم في الأدب المصري.. شهادة اجتماعية وسياسية”. ولعل تزامن هذا الكتاب مع مونديال روسيا 2018 فرصة للتنويه بجهد بحثي مهم وغزير لبيومي الذي نشر نحو أربعين عملا منها “معجم أعلام نجيب محفوظ”، و”محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في الأدب العربي”، و”الفلاح والسلطة في السينما المصرية”، و”أم كلثوم في الأدب المصري”، و”نجيب محفوظ والإخوان المسلمون”، و”معجم شخصيات موسم الهجرة إلى الشمال”.

حظوظ الأدباء المصريين تفاوتت في المعرفة بفنون الكرة وقوانينها

    في كتاب بيومي قراءة لأعمال أحد عشر كاتبا تفاوت تفاعلهم مع كرة القدم، انطلاقا من اهتمامهم باللعبة ووعيهم بتفاصيل عالمها، في أعمال سجلت تأثير هذا الاهتمام والوعي في التناول الدرامي. ففي مقابل الرؤية الفلسفية والاجتماعية والسياسية لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، لا يبدو صنع الله إبراهيم على دراية بمصطلحات الكرة وقوانينها، أما بهاء طاهر فيماثل “بطله الراوي في الجهل الشامل بالكرة، لكنه يرصد دور الرياضة الشعبية واسعة الانتشار كأداة فعالة للتنفيس ذي المنحى العدواني العنيف عن الفراغ وهيمنة الشعور بالخواء”.

من المستقر في الخطاب العام والأدبيات المصرية تفوّق المصريين في الأداء الفردي، الرياضي وغير الرياضي، وإخفاقهم في العمل الجماعي، وليست كرة القدم استثناء. وينبه كتاب بيومي إلى قدم هذا التصور، ففي عام 1950 حاور توفيق الحكيم عصاه، وقارن كرة القدم المصرية بنظيرتها العالمية، ولاحظ  أن اللاعب المصري أكثر مهارة من الأوروبي، ولكن الفرق المصرية، وقوامها من هؤلاء اللاعبين الموهوبين، لا تحقق إنجازا في مبارياتها؛ لأن كل فرد في الفريق “يلعب مستقلا عن المجموعة، وتطغى عليه براعته الخاصة، فيتصور أن في إمكانه أن يقذف الكرة إلى الهدف بقدمه وحدها.. ويؤدي ذلك إلى ضياع الرابطة بينه وبين زملائه اللاعبين، وإلى اختلال النظام”. وفي عام 1971 قال الحكيم في كتابه “بنك القلق”، على لسان مشجع يفرط في الحماس لفريقه، إنه “بغير هذا الانفعال أشعر أن حياتي راكدة. أنا لا أريد الذهاب إلى الطبيب، حتى لا يعطيني مهدئات لأن هذا هو ما سيفعله. تذهب إلى الطبيب فيقول لك توتر أعصاب، ويكتب لك المهدئ. أنا يا سيدي متحمس. ويجب أن أتحمس لوجهة نظري، لمبدئي، لعقيدتي. لماذا تريد إطفاء حماسي”.

ربما لم يلعب توفيق الحكيم الكرة، ولكن نجيب محفوظ بشهادة رفاقه، كان لاعبا ماهرا، وقال صديقه أدهم رجب، في فبراير 1970 ضمن عدد خصصته مجلة “الهلال” لمحفوظ، إنه “كان أشبه بالصاروخ المنطلق، وكان هذا يلائم الكرة في عصر صبانا، ففي شبابنا الباكر كان عقل اللاعب في قدميه، وكان اللاعب القدير هو اللاعب الفرد الذي ينطلق بالكرة كالسهم نحو الهدف”. وعلق محفوظ على شهادة صديقه بإن الأدب أضاع مستقبله الكروي المرموق. وسيكون لكرة القدم مساحات في الكثير من أعماله القصصية والروائية، بداية من مجموعته القصصية الأولى “همس الجنون”، ففي قصة “مفترق الطرق” يتذكر “جلال” الموظف في وزارة المعارف زميل الدراسة “حامد باشا شامل” الذي صار وزيرا. وكانا يتنافسان في لعب الكرة التي لا تخضع للوساطة، والفوز في مبارياتها للأكثر موهبة، وكان جلال يتفوق على حامد، ولكن ملعب الحياة لا يخضع لعدل أو كفاءة، إذ أبقى الفقر على جلال في القاع، أما حامد فتسلح بأصوله الطبقية، وترقى حتى عين وزيرا.

وفي “المرايا” يتذكر الراوي مشاهدته للمبارة الأولى في حياته، ورؤية لاعبين ستحتفظ بهم ذاكرته، منهم حسين حجازي ومرعي، في تلك المباراة رأى “الإنكليز وهم يلعبون، وكنت أعتقد أنهم يقتلون فقط، وهالني أن أرى علي الحسني وهو يكاتفهم فيطرحهم أرضا فلا يعقب ذلك معركة دامية. سررت وسعدت، وبدأت أعشق هواية جديدة. وآمنت بأنه يمكن الانتصار على الإنكليز ولو في ملعب النادي الأهلي”. في “المرايا” أيضا يتوقف الراوي أمام بدر الزيادي زميل الدراسة البدين خفيف الروح، قلب الهجوم في فريق المدرسة، وكان لاعبو الكرة في المدرسة موضع احترام، وقد قتل الزيادي في مظاهرة احتجاجية ضد الاحتلال البريطاني ودكتاتورية الملك فؤاد، وسيرد ذكر بدر الزيادي في فصل “عيد منصور” في رواية المرايا، “ويوم قتل.. لم يكن يخفي ارتياحه لخلو الميدان من منافسه في رئاسة فريق الكرة”، وسيقول عيد منصور للراوي: لم تعد مصر بالمقام الصالح للأذكياء!

ولا يفوت محفوظ أن يرصد الاهتمام الرسمي بكرة القدم، بعد ثورة 1952، فيصرخ عامر وجدي في رواية “ميرامار” في ما يشبه الرثاء “أيها الأنذال، أيها اللوطيون، ألا كرامة لإنسان عندكم إن لم يكن لاعب كرة!”.

وبدرجات متفاوتة عني بكرة القدم أدباء آخرون منهم إحسان عبدالقدوس في قصة “لاعب الكرة.. يحب”، وعبدالرحمن الشرقاوي في رواية “الفلاح”، وفتحي غانم في أكثر من قصة ورواية، وأبوالمعاطي أبوالنجا في رواية “ضد مجهول”، وبهاء طاهر في قصة “المظاهرة”، وصنع الله إبراهيم في رواية “شرف” التي تدور أحداثها في أحد السجون. ويسمح ضابط السجن بتشغيل التلفزيون ليتيح للنزلاء مشاهدة مبارة الأهلي والزمالك في الدوري المصري، وكان أغلب النزلاء ينتمون إلى الناديين الكبيرين، ولكن المتطرفين من أعضاء الجماعات  الإسلامية رأوا في المباراة لهوا محرما يستدعي الرفض، وهم بذلك يتفقون مع مثقفين جادين يتحفظون على ولع الجماهير بالمباريات، ويرفضون هذا النوع من الإلهاء الذي يبلغ عند المتشددين درجة التحريم، حتى أنهم أثناء المبارة لزموا زنازينهم، “وارتفعت منها أصوات قراءة القرآن”.

    أيقونات عابرة للأجيال والثقافات

يستنتج مصطفى بيومي الدراية المحدودة لصنع الله إبراهيم بكرة القدم ومصطلحاتها؛ إذ لا معنى لقول “شرف” بطل الرواية “بدأ فريق الأهلي يسجل انتصاراته التي توجت بفوزه”، أو قول أحد السجناء إن بين الأهلي والزمالك اتفاقا سريا على أن “يخرج الفريقان متعادلين دون نقاط استعدادا لمباراة الكأس، وإن الأهلي خرق الاتفاق”، فلا وجود لتعادل دون نقاط، وهذا الوعي المحدود بعالم الكرة ينتقل من الروائي إلى أبطال الرواية.

ويختتم المؤلف كتابه بفصل عن رواية “إصابة ملاعب” لأحمد الصاوي، ويراها الأكثر قربا في الأدب المصري من عالم كرة القدم وتداخلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية والأمنية. وفيها تؤدي مصادفات معقدة إلى ضرورة أن يلعب الفريق المصري أمام الفريق الإسرائيلي في نهائيات كأس العالم، وتنتهي الرواية قبل ساعتين من الموعد المحدد للمباراة. ويطرح الكاتب أسئلة عن تحول الكرة إلى بيزنس، مثل أي سلعة، وعن ندرة اللاعبين المسيحيين في المنتخب المصري، ويتساءل عن الترحيب بالمدربين المسيحيين الأجانب واللاعبين المسيحيين الأجانب، في حين تضيق الأندية المصرية باللاعبين المسيحيين المصريين، وكيف يلزم المدير الفني المحافظ لاعبيه بالصوم في مباريات تقام في نهار رمضان، ويصر على إظهار الفريق الوطني في صورة “منتخب الساجدين”، ويعلن أن التدين معيار اختياره للاعبين قبل الكفاءة.

لا يقطع السرد بأن تنظيم مباراة مصر وإسرائيل قرار عمدي، أو أنها “المصادفة الكارثية التي تتم بشكل عفوي”، ولا تخلو الرواية من أسئلة عن التطبيع، وهل نواجه العدو أم نهرب من مواجهته؟ وفي الفريق محترف مصري في أوروبا، ولكن أباه شهيد من ضحايا الإرهاب الإسرائيلي، وأمه عانت قسوة التهجير من مدينة الإسماعيلية بعد عدوان يونيو 1967. وهناك متشدد يفرح بالمباراة ويبشر أنصاره بأن “العدو سيأتي ويوفر على المجاهدين عناء السفر إليه”. وتنتهي الرواية قبل بدء المباراة التي تتجاوز حدود الملعب إلى دوائر أخرى أكثر التباسا والتهابا.

تمنيت أن يضم الكتاب فصلين عن عملين يصعب استبعادهما، وهما قصة “الكرة ورأس الرجل” 1968 لمحمد حافظ رجب، وأجواؤها كافكاوية، على عكس رواية محمد البساطي “دق الطبول” 2006، وفيها يذهب مواطنو إمارة لا تحددها الرواية خلف فريقهم الوطني لتشجيعه في مبارياته بالمونديال، ويكون على الوافدين وهم خليط من جنسيات مختلفة أن يديروا شؤون الإمارة في غياب المواطنين.

المصدر: 
العرب
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.