كلمة الأستاذ محمد عدنان سالم مدير ومؤسس دار الفكر في حفل تكريم وسام العالم الجزائري -الطبعة العاشرة

السبت, December 16, 2017
كاتب المقالة: 

كلمة المكرم: محمد عدنان سالم

في حفل تكريمه

16/12/2017

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة والأخوات!!

إنه لشرف كبير لي أن تكرمني الجزائر.. أتقبل حفاوتها بفخر؛ يلهج به لساني بالشكر، وقلبي بالمحبة!! 

لقد سبق لي أن رفضتُ في بلدي سورية أكثر من تكريم. لا لزهدي به، بل لشعوري أنني أقوم بواجب؛ أنال أجري عليه من الله تعالى. لكن تكريم الجزائر ليَ اليوم؛ ممثلةً بمؤسسة وسام العالـِم الجزائري؛ له مذاق خاص، أدخل البهجة إلى نفسي؛ فلئن كنت شاميَّ المولد والـمُقام، فأنا جزائري الفكر والهوى!!

أيها الحفل الكريم!!

أعتقد أن كثيراً منكم، وخصوصاً كبارَ السن؛ يعلمون عمق الصلاتِ بين الجزائريين والسوريين عموماً، والدمشقيين على وجه الخصوص، ويعرفون تلك الروابطَ التاريخيةَ والاجتماعيةَ والفكريةَ القديمة.. لا أشير إلى اليوم الذي كانت فيه الدولة الإسلامية محكومة من عاصمة الأمويين، بل في العصر الحديث؛ حين كان الهمُّ في البلدين واحداً، والنبضُ متناغماً، وأسلوبُ الحياة ملوناً بألوان قوس السماء الرائعة.

ظلت العلاقة بين الشام والجزائر وشيجة العُرى؛ تحكمها المودة والمحبة، وتصدّقها أيام التاريخ؛ ذاتُ العسر إبان اضطراب الحياة في الجزائر، منتصفَ القرن التاسع عشر؛ التي اضطُرت بعض أهلها إلى النزوح تحت الضغوط الاستعمارية القاسية، فاختار كثيرون منهم دمشق على بعد الشُّقة، مع أن مصر كانت أقرب إليهم، والحجازَ كانت أقدسَ عندهم.. فتوجهَت إليها على دَفَعات؛ لعل أولها ما كان بزعامة الشيخ محمد المهدي الزواوي السِّكلاوي، دخل دمشق عام 1840م وبصحبته 500 أسرة، ونشر فيها العلم والتصوف، وكان له مريدون احتفوْا به حتى لحق بربه عام 1278هـ/1861م، وحين شيعت البلدة جنازته؛ سدّ الناس عليها طرقاتها بزحامهم!!

ثم دخلها الأمير عبد القادر عام 1847م، وكانت النية أن يسكن تركيا، فاستقر رأيه أن يتديَّر دمشق، وكان عرفها في رحلاته إلى الحج مع أبيه!!

وقام في دمشق حي للجزائريين خصوصاً، والمغاربة عموماً (المغرب والجزائر وتونس وليبيا)؛ حيٌّ مثل باقي أحيائها تماماً، لا يختلف عنها..لم يكونوا منعزلين البتة، بل اختلطوا بأهلها اختلاط الإخوة وأبناء العمومة، وسكن بعضهم في كلّ أحياء دمشق، وعدّوا أنفسهم دمشقيين؛ فلم تمض سنوات قليلة حتى اختفت لهجتهم المغاربية، وتكلموا بلهجة الدمشقيين، ولم يعد أحد يميز المغاربي من الدمشقي إلا باسم أسرته؛ كبيت المبارك، وبيت المجد، وبيت السكلاوي، وبيت اليَنيوي، وبيت الطيِّب، وبيت الهاشمي.. وأُطلق على كثير منهم في النفوس الدمشقية؛ أسرةُ الجزائري. واكتسبوا الجنسية السورية!!

وأَدخل الجزائريون خصوصاً والمغاربة عموماً؛ إلى دمشق علماً وفكراً، كما عُرفوا بالتصوف الذي استقطبوا إليه كثيراً من الخاصة والعامة، وكان للأمير عبد القادر؛ مجالسُ في التصوف يحضرها كبار علماء دمشق، واختص بفكر الشيخ محيي الدين بن عربي؛ وأرسل إلى قُونية بعض علماء دمشق؛ ليصححوا نسخة الفتوحات المكية التي كانت فيها بخط مؤلفها!!

وكانت للأمير مواقف عظيمة في دمشق؛ يوم دافع عن النصارى؛ في الفتنة التي أشعلها الغرب بين المسلمين والمسيحيين؛ تذكر له فتشكر، وسانده فيها جماعة الجزائريين الذين جاؤوا معه وهم أهل جهاد وقوّة.. فدفع بهم كيد أصحاب الهوى!!

وثمة نموذج آخر من نسائم الجزائر؛ كان في دمشق؛ ذلك هو محمد البشير الإبراهيمي (1889- 1965م).

نزل دمشق عام 1917م، فتلقفته وهَنِئت به؛ فقدم لها خلاصة علمه؛ محدثاً بارعاً في مجالس العلم، مع علمائها الكبار وشبابها التواقين للمعرفة، وأستاذاً في تاريخ الأدب وعلم اللغة في مكتب عنبر؛ المدرسة التجهيزية الوحيدة، التي خرّجَت كبار العلماء.. وأقبل طلابه عليه فأحبوه بصدق ومدحوه؛ المسلمون منهم والمسيحيون؛ لأنه غرس في نفوسهم حب العربية.. وكتب في مذكراته يقول" لقد أقمت بين أولئك الصحب الكرام أربع سنين إلا قليلاً، فأشهد صادقاً أنها هي الواحة الخضراء في حياتيَ المجدبة، وأنها الجزءُ العامر في عمري الغامر، ويارعى الله عهد دمشق الفيحاء وجادتها الهوامع.. فكم لنا فيها من مجالس نتناقل فيها الأدب، ونتجاذب أطراف الأحاديث العلمية"(1).

ومن كبار العلماء الجزائريين، الذين كان لهم أثرهم في دمشق الشيخ طاهر الجزائري؛ أحد مؤسسي المجمع العلمي العربي فيها، ودارِ الكتب الظاهرية، ودارِ الكتب في القدس.. ويعدّ الشيخ طاهر أحد أعمدة نهضة العصر الحديث، يقف جنباً إلى جنب؛ مع جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الحميد بن باديس، ومحمود شكري الآلوسي(2).

كانت المحبة إذن، تربط بين دمشق والجزائر؛ ليس بالإسلام الذي يجمعهما، ولا بالعروبة، ولا بالفكر ولا بالوجدان فحسب؛ ولكن بذلك كله.

واليوم وقد استدار التاريخ؛ إذا بالجزائر تستقبل دفعات من السوريين ينزلون بها على شَبَه مما كان بإخوانهم في الجزائر آنذاك.

لم نكن في دمشق على مدى الأيام؛ نحسُّ أننا نتعامل مع أشخاص جزائريي الأصول، ولا هم يُحسّون كذلك بغربة؛ وتداخلت الأصول برابطة الزواج، واختلطت حتى جاء جيل، تجري في عروقه الدماء الزكية من المغرب والمشرق معاً.

وترتبط ذكريات الدمشقيين والجزائريين معاً؛ بالاستعمار الواحد الذي حكمهما كليهما، دخلت فرنسا بلديهما محتلة.. قدَّمت الجزائر من أجل الحرية على مدى أكثر من مئة وثلاثين عاماً قاسية، ألفَ ألفِ شهيد، ولئن قدَّمت سورية أقل من ذلك بكثير؛ إلا أنها كانت تشعر بألم أهلها في الجزائر، فلما استقلت الجزائر كان ابتهاج السوريين عظيماً جداً.. وأخذ أبناؤها ينشدون إلى جانب النشيد السوري نشيد الجزائر:

قسماً بالنازلات الماحقات     والدماء الزاكيات الطاهرات

أيها الحفل الكريم!!

بقيت الجزائر هاجساً في أفكار السوريين عموماً، والدمشقيين خصوصاً، وفي قلوبهم.. ومن منطلق ذلك الهاجس؛ استقبل شباب دمشق، المفكر الكبير مالك بن نبي، حين نزلها سنة 1971م، فأقبل عليه الشباب والفتيات، استمعوا منه إلى كلام جديد في النهضة .. كلام أخذ عليهم قلوبهم.

واتصلت صداقته بدار الفكر التي أصفاها ودّه، وعهد إليها بأن تتولى نشر كتبه، وتقوم عليها، فصدر عنها من كتبه الكتاب تلو الآخر؛ انتظمت جميعها في سلسلة (مشكلات الحضارة).

ولقد توطدت علاقتي الشخصية بمالك بن نبي؛ أواسط ستينيات القرن الميلادي الفائت، ووجه إليّ رسالة من جامعة الجزائر؛ يوم كان مديراً للتعليم العالي، فكتب في 23 جوان 1965 يقول:

"أُسلِّم لكم حق الطبع لكل ما يبدو لكم مفيداً من كتبي"، ثم كلفني نشر كتبه عندما التقينا معاً في الخرطوم، إبّان احتفالها ببداية القرن الخامس عشر لنزول القرآن الكريم.. ثم توالت لقاءاتنا بعد ذلك في بيروت ودمشق..

وانتشرت آراء بن نبي في دمشق بين الشباب، وأحدث ذلك فيهم فكراً جديداً تمثّلوه، وآمنوا بأنه يبشر بنهضة حضارية جديدة لأمة طال رقادها..

وحين انطفأت تلك الشعلة الوهاجة؛ حزنت دمشق، ورأى الشباب في موته خسارة للفكر الحضاري الإسلامي.. وبقي الرجل في قلب دار الفكر؛ حتى أقامت له أسبوعاً ثقافياً عام 2006 استدعت من أجله لفيفاً من كبار العلماء والباحثين والمثقفين؛ ليشاركوا فيه ويقدموا إضاءات مفيدة على فكره.. ويذكّروا به.

وفي العام الماضي 2016 كان لدار الفكر شرفُ إصدار أعماله الكاملة في أربعة مجلدات؛ ألحقت بها فهارس بمثابة مفاتيح لأفكاره.

ودار الفكر، ومعها الشباب المتفتحون الواعون؛ يؤمنون بأن أفكار بن نبي وبعد مضيّ 44 عاماً على رحيله ما تزال حية، لم يتجاوزها الزمن، وهي بانتظار جيل يتبناها رسالةَ خلاص وتغيير، كان مالك بن نبي ينتظره عندما كتب مقدمته للجزء الثاني من كتابه (وجهة العالم الإسلامي –المسألة اليهودية).

ربما الأوفى أن أخص بالصفحات القادمة جيلاً سيأتي؛ يعقب جيلي، لنؤكد لهم- وهم بين أنقاض عالمنا- أن عليهم واجبَ بناء عالم خاص بهم.

ولقد عرف الجميع في دمشق وخارجها، أن دار الفكر حين تولت إصدار أعمال بن نبي لم تفعل ذلك لغرض النشر التجاري؛ إذ إنّ قُرّاء الفكر الذي يبشر به وأسلوبَه العميق؛ قراء قليلون، ولكنهم النخبة التي تقدس المنهج القويم وتأخذ به.

ولذا كان رواج كتب مالك قليلاً على استحياء، ولم تألُ دار الفكر تجاهه جهداً في الدعاية له والحث على الأخذ به وفهمه.. فما كان نشره إلا منهجاً أخذت به الدار فسها.

ولعل دار الفكر واسمها يدل عليها- وقد انطلقت منذ عام 1376هـ/ 1957م- هي في سورية الدارُ الأولى التي تعنى بخطاب الفكر والنهوض، وليس بدعاً أن تستقطب مالك بن نبي وأمثاله، وليس بدعاً أن تربطها بمالك رابطة المنهج الصادق، فيختارها صديقة له، ويصطفيها موضع خلته.. ولئن أصدرت الدار كتبه؛ لقد سرها أن تقوم بذلك لتحقق على الواقع اسمها، ولتطابق التسميةُ المسمى، فكانت إصداراتها تدور على طريق أفكار مالك، ومشروعه النهضوي الذي ما يزال حياً متألقاً..

واليوم وأنا أقف هذا الموقف، في بلد مالك بن نبي الأول، فإن ما يبعث في نفسي السرور أن تستضيفني مؤسسة وسام العالم الجزائري؛ التي أُسست بهدف إنهاض أمة أتى عليها اليوم زمنٌ رديء؛ آن لها أن تتجاوزه لتستأنف دورة حضارية جديدة، على هدي خطط مالك وأفكاره.

وأي نهضة أعظم من تكريمها الهيئات والشخصيات التي قدمت لبلادها جهوداً معرفية حضارية؛ كما أخذت على عاتقها تنظيم تظاهرات ثقافية وعلمية ونشر التراث الفكري الجزائري، وإصدار نشريّات ومطبوعات ومجلات لخدمة ما يَسُوق إلى النهوض العلمي.. كل ذلك لخدمة هذه الأمة العظيمة الولود؛ لئلا تنسى حضارتها ولا رجالها، وليعرف الجيل الجدي؛د أولئك الرجالَ الذين قدموا عصارة ما عندهم.. وهل الأمة إلا بأبنائها وبناتها؟!

والمطلوب اليوم من الإخوة الجزائريين أن يبشروا بفكر مالك بن نبي تلميذ الأنبياء، الماتح من معينهم، وهو المتابع بحق لمسيرة ابن خلدون.. وهو مغاربي أيضاً.. نضع أيدينا بأيديهم لحمل فكر الرجل؛ الذي لقي ربه وقد أعذر إلى قومه!!

كما أدعو من على هذا المنبر إلى إصدار سفر في مجلدات؛ يتناول التاريخ الحضاري في العلاقات بين الجزائر ودمشق، ويتضمن العلائق الاجتماعية والفكرية والثقافية .. لأن ذلك جزء من تاريخ حضارة أمة عظيمة ولود..

إنني أرى في تكريم مؤسسة وسام العالم الجزائري لي؛ تكريماً للمفكر العظيم مالك بن نبي رحمه الله؛ الذي ترفرف روحه بيننا؛ بعد أن لقي وجه ربه راضياً مرضياً، بما قدم لأمته من فكر النهضة.

أكرر شكري لمؤسسة وسام العالـِم الجزائري، وأرجو لها كل خير وسداد!!

وآمل أن يهتدي بخطاها آخرون؛ يسيرون إلى طريق الحق والازدهار والتقدم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

(1)  نشرت دار الفكر فيه كتاباً قُدم رسالة ماجستير في جامعة دمشق محمد مهداوي وطبع سنة 1408هـ/1998م.

(2)  وقد ترجم كتاب علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري، وتاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري لكثير من علماء الجزائر الذين سكنوا دمشق وأثروا فيها. وهو من تأليف مطيع الحافظ ونزار أباظة من منشورات دار الفكر. طبع منذ عام 1407/1986م.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: