كيف تجيب الأمة المسلمة عن أسئلة زمانها ؟

الأحد, November 27, 2016
كاتب المقالة: 

يرى د.‏‏ طه عبد الرحمن أن لكل زمان أسئلته وقضاياه وتحولاته، وفق ما يستجد في كل عصر من العصور، ومن هنا يرى هذا المفكر والفيلسوف، أن لكل أمة من الأمم أن تطرح لنفسها الجواب، على أسئلة راهنها، ويقول في كتابه (الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري): إن الأمة لا تكون بحق حتى ترتقي بالجواب عن أسئلة زمانها إلى رتبة الاستقلال ربه، إذ ليس لها إلى امتلاك ناصية هذا الزمان من سبيل إلا الجواب المستقل، وإلا صار ملكه إلى أمة سواها، فتُضطر إلى أن تجيب بما تجيب به هذه، مُسلَّمة، وهي راغمة، قيادها إليها، فلنسأل إذن «هل للأمة المسلمة جوابها الخاص عن أسئلة زمانها ؟»، ويزداد هذا السؤال إلحاحاً متى عُلم أن زمان هذه الأمة ليس كمثله زمان، إذ لا ينحصر في زمن البعثة النبوية، ولا في الفترة التي استغرقتها حضارتها، وإنما يمتد إلى زماننا هذا، بل إلى كل زمان يأتي من بعده. قد يبعث هذا السؤال على استغراب البعض، على استنكار غيرهم، وذلك لأسباب عدة نذكر أهمها أحدها، أن مفهوم «الأمة المسلمة»، متى نظرنا إلى حال المسلمين، يبدو إلى الوهم أقرب منه إلى الحقيقة، وأن الكلام فيه يبدو إلى اللغو أقرب منه إلى الفائدة ؛ والثاني، أن الأمة المسلمة، ولو أنها أصلاً مسؤولة عن هذا الزمان ومؤتمنة عليه بموجب نسبتها إلى الدين الخاتم، فإنها عاجزة عن أداء هذه المسؤولية وحمل هذه الأمانة، والثالث أنها كانت وما زالت تتعرض لعمليتي سلب منسق: إحداهما نهب خيراتها المادية بالاستيلاء على مواردها، والأخرى محو قيمها الروحية بنشر الفساد بين أبنائها، وقد دخل هذا السلب الثاني طوراً خطيراً لم يسبق له نظير، وتمثل في حرمان هذه الأمة من حقها في أن تختص بأصول اعتقادية من لدن أولئك الذين نصبوا أنفسهم، ظلماً وزوراً، أوصياء على الحقوق والحريات في العالم.

بيد أن هذا الاستغراب، بل هذا الاستنكار، قد تخف وطأته لو ننظر إلى الأمة المسلمة، لا على أنها واقع متحقق، وإنما على أنها واجب ينبغي القيام به في ظروف الواقع المتحقق، أو بعبارة أخرى لو أننا إليها، لا على أنها مجموعة أحداث نشهدها متحيزةً ومتحيِّنة، وإنما مجموعة قِيَم تسعى إلى أن تساهم في توجيه الأحداث المشهودة(16،15). ويرى طه عبد الرحمن أن اختلاف القيم، سنة كونية، وضمن الطبيعة البشرية التي جعل الخالق عز وجل، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (ولذلك خلقهم)، ومن هنا فإن هذا التعدد في الآراء، وطرح الفكرة ونقيضها بما يدحض الفكرة المخالفة، والتي تسهم في إقصاء الفكرة الخاطئة، لكن الإشكالية في الرؤية الأحادية في طرحه مهما رؤيته ضعيفة وسقيمة، ويظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع إيجابياً ومفيداً، ما دام نابعاً من تلك الفروق الفطرية ، وعن التباين الموضوعي في البحث عن الحق وهذا الاختلاف في حدوده الطبيعية هو أصل الوحدة، لكن الغرب اتخذ موقفاً مختلفًا، حيث تمت إقامة «مبدأ اختلاف القيم في مجال الثقافة»، ومكان «مبدأ الآيات في فضاء الوجود»، وأقام «معيار الانفصال» مكان معيار «الاتصال» ، إذ صارت القيم منفصلة بعد أن آوتها ثقافة مخصوصة، وهذه الثقافة أريد لها أساسا أن تكون منفصلة، أما الظواهر فالأصل فيها أن تكون منفصلة، وقصدنا هنا أن نبيّن كيف هذا العقل ذا الصبغة الانفصالية انتهى إلى جعل التصادم صفة لازمة للقيم ، وحتى لما تولى بعض المفكرين البحث عن السبل التي تخرج من هذا التصادم الذي ضرره بالأمم لا يقل عن ضرره بالأشخاص، ما استطاعوا الاهتداء إليها، لا لعدم وجودها أو لتعذر الوصول إليها، وإنما لبقائهم متمسكين بهذا العقل المنفصل، فيتعين إذن أن نبسط الكلام في طبيعة هذا الصدام بين القيم، ثم في الطرق التي اتُبعت في دفعه، وحتى إذا وقفنا على وجوه الخلل فيها – وهي ترجع في جملتها إلى فصل القيم عن سياقها الملكوتي – عمدنا إلى بيان كيف ندفع وجوه هذا الخلل البنيوي، واضعين القواعد الأساسية للخروج من هذا الصدام بين القيم، فلنمض إلى تفصيل هذه المطالب على هذا النسق. لقد اشتهر مفهوم «اختلاف القيم» عند أهل العقل الملكي باسم «تعدد القيم»، جرياً على عادتهم في تبديل المنفصل مكان المتصل، فـ «الاختلاف» وصف كيفي، والكيف أمر اتصالي؛ في حين أن «التعدد» وصف كمي، والكّم أمر انفصالي ؛ وما لبثوا أن اشتقوا منه المصدر الصناعي، وهو « التعددية»، أي « خاصية كون الشيء متعددا»، وانتهوا بجعله اسما دالاً على «الاتجاه الذي يقول بتعدد القيم» أو قل «المذهب الذي يدعو إلى كثرة القيم»، وضده «المذهب الذي يدعو إلى وحدتها»؛ فلنسأل إذن ما هي خصائص «تعددية القيم»- أو «التعددية القيمية» – كمذهب مخصوص؟ وما هي الظروف الموضوعية التي تسبّبت فيها ؟ ثم ما هي الطريق التي وقع التعامل معها ؟

ويرى طه عبد الرحمن في هذا الكتاب، أن مقولة الإنسان الكوني وفق الرؤية الأمريكية، تريد منها أن تهيمن هذه الثقافة الأمريكية، على الثقافات الأخرى، حيث «يسعى ((الإنسان الكوني)) ـ لا سيما في طوره الأمريكي ـ بكل ما أوتي من قوة إلى فرض رؤيته الخاصة ومعاييره الثقافية على باقي الأمم، معمَّماً عليها نمطه الخاص في التفكير والسلوك، وذلك دعماً لهيمنته الثقافية في ظل هيمنته الاقتصادية المتمثلة في السيطرة على رؤوس الأموال والأسواق التجارية والشركات العالمية؛ وهكذا، يصير النظام الثقافي العالمي الجديد عبارة عن الخصوصية الثقافية للأمريكان معمَّمةً على غيرهم من أمم العالم، مما يفضي حتماً إلى تجريد الإنسانية من التنوع الثقافي والتعدد الحضاري اللذين تنبني عليهما الخصوصيات التي تتميز بها هذه الأمم، وتستمد منها عناصر طاقتها ومعاني وجودها وأسباب عطائها؛ ولما كان العالم الإسلامي الذي أخذ أرباب هذا النظام يتوجسون منه خيفةً يحتضن ثقافات متنوعة وغنية تلبَّست بالثقافة الإسلامية المتصلة، صار أكثر من غيره عرضة لهذا التنميط الثقافي والاجتثاث لمظاهر التنوع والغنى في ثقافته، ناهيك عن منظومته من القيم الإيمانية والأخلاقية.
على أن هذا التنميط الثقافي الذي يراد بالمسلمين يظل تنميطاً شاذاً، حيث إنهم يُجبرون على أن يأخذوا من ثقافة الواقع الكوني بالجزء الذي ليس هو السبيل إلى نهوضهم الحضاري، ويُمنعون من التزود بالجزء الذي قد يضمن لهم هذا النهوض؛ فقد قرر أربابه برئاسة الأمريكان أن يمنعوا وصول العلوم والتقنيات المتقدمة إلى العالم الإسلامي، وأن يحرموا شعوبه من الاستفادة منها في تحقيق تطلعاتهم إلى التنمية الشاملة، واضعين القيود على المصانع والشركات، وممارسين الضغوط على الدول والحكومات، ومتهددين كل من يخالف قرارهم بشتى العقوبات؛ ولا يقفون عند هذا الحد، بل يجاوزونه إلى تخريب ما حصَّله المسلمون بعد جهد جهيد من هذه العلوم والتقنيات، سواء بضربها في مراكزها في الأراضي الإسلامية أو بالعمل على قطع الإمدادات الضرورية لصيانتها والمحافظة عليها، أو بالتهويل من أمرها والتخويف من الدول الإسلامية التي تمتلكها، حتى يحملها ذلك على إيقاف مؤسسات التصنيع أو غلق مراكز البحث فيها».

ويرى الباحث د. محمد الهداج في دراسته (طه عبد الرحمن، في المنهجية والخطاب)،أن د.‏‏ طه عبد الرحمن، اعتمد في نهجه ونقده الفلسفي، على أهمية الانطلاق من الإبداع الذاتي، ومن خلال الإجابات على أسئلة الحاضر والمستقبل، ومن الرؤية الخاصة بالأمة المسلمة، وليس الأخذ من الأمم الأخرى التي لها جوابها الخاص ومنطلقاتها الفكرية، التي لا تتطابق مع أسئلة الآخر وجوابه عليها، فكل أمة أسئلتها وجوابها، وفق فكرها وثقافتها، وان الأستاذ طه عبد الرحمن يرى «أن الخصائص المؤسسة لحق الاختلاف تنبني على مبدأين قرآنيين هما: مبدأ اختلاف الآيات: ويفصل القول فيه على أرضية الاختلاف بين الظاهرة، التي تحيل على ما يظهر للعيان محددا بالزمان والمكان، وبين الآية التي تحيل على التعدد لاستدعائها المعنى وهو “مولود” الاختلاف وأوضح «ثمرات». يسمي الأستاذ ـ طه عبد الرحمن ـ النظر إلى الأشياء بوصفها ظواهر “النظر الملكي” لكونه نظرا في ملك الله الظاهر للعيان في استقلال عن أي معنا أو اعتبار، ويسمي النظر إليها بوصفها آيات بـ «النظر الملكوتي» لكونه نظرا في الملكوت الذي يأتي في القرآن دائما مقترنا بالاعتبار.. مبدأ اختلاف الناس: وينبني على مفهومين قرآنيين هما التعارف والتعاون. وإذا كان التعاون يشمل “الانتظام في أعمال اجتماعية، خيرا كانت أو شرا” فإن التعارف لا يكون إلا في الاجتماع على الخير، وفي باقي فصول الكتاب يعمل آلياته النقدية والمفهومية في قراءة «ممتعة» للواقع العالمي والهيمنة الأمريكية بعد أن يؤسس لمفهومي النقد الإيماني والنقد الأخلاقي على قاعدة النظرين الملكي والملكوتي والعملين التعاوني والتعارفي، يتناول الأستاذ ـ طه ـ بالنقد، على قاعدة النظرين، البيان، الذي وقعه مجموعة من المثقفين الأمريكيين مدعين فيه كونية القيم الأمريكية داعين فيه لشن الحرب على «الإرهاب»، ومما يأخذه عليهم، وصفهم لما وقع بالحدث ومن ثم حصرهم «زاوية النظر» في أفق النظر الملكي الذي لم ير في الواقعة إلا ما أرته الشاشات: خرابا وقتلا، وإن جاوز ذلك فإلى كونه ضربا للحرية التي تعتبر الولايات الأمريكية أنها تحققها التاريخي الأكمل، ولم ير فيها الموقعون أنها مصيبة حلت بهم يستشعرون من خلالها ضعفهم وحاجتهم لغيرهم، كما لم يروا فيها أثرا لما كسبت أيديهم على الرغم مما يدّعون من ظاهر الاعتراف بأخطاء سياسية في الماضي دون تفصيل القول في هذه الأخطاء لاشتمالها على جنس ما يأخذونه على «المعتدين» من مثل قتل الأبرياء والمدنيين لا فرادى بل بالآلاف. حتى ما يبدو في البيان نظرا ملكوتيا مدخول من جهة انبنائه على بحث الإنسان عن المعرفة وليس بحثه عن الحكمة والأول يحيل على الرغبة في السيادة على الطبيعة و”إخضاعها” في حين يحث الثاني على طلب المقاصد الخفية للأشياء من أجل العمل بمقتضاها والتحكم في أهواء الذات وإصلاح أحوالها». والقضية الأساسية التي تشغل طه عبد الرحمن، هي مسألة كيف نختار فلسفتنا ورؤيتنا من واقع الأمة وفكرها، وليس استعارة الرؤى الفكرية من الأمم الأخرى، فعندما أرادت أوروبا أن تخرج من ظرفها وتخلفها وتنطلق إلى الإصلاح الديني، رجعت إلى منابع فكرها ليكون منطلقاً للإصلاح الديني.

المصدر: 
جريدة عُمان
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.