كيف تكون ناشراً صاحب مشروع؟!

الجمعة, October 29, 2010
كاتب المقالة: 

  ربما يكون العنوان الأفضل الذي يتطابق مع رؤيتي للموضوع هو: لن تكون ناشراً إن لم تكن صاحب مشروع.

 

المشروع والمعايير

ربما يكون العنوان الأفضل الذي يتطابق مع رؤيتي للموضوع هو: )لن تكون ناشراً إن لم تكن صاحب مشروع(.

ذلك أن أهم ما يميز هذه المهنة، هو أنها- على الرغم من الصفة الربحية التي تتسم بها بوصفها مهنة للكسب- لا بد أن تكون لها رسالة تتوخى تأديتها، وهدف تسعى لتحقيقه، ومنهج تلتزمه، وشعار ترفعه، ووجهة تتوجه إليها؛ أياً كانت الرسالة والهدف والمنهج والشعار والوجهة؛ فذلك كله سيكون بمثابة الهوية التي سيتعرف الناس من خلالها على مشروعك أيها الناشر، وسيمنحونك من الثقة والاحترام بقدر التزامك بها. ومن دونها لن تحظى بأي احترام، على المستوى الشخصي، أو على المستوى المهني.

وبهذه المعايير، نجد أن صناعة النشر في الغرب قد تبوأت مكانة مرموقة ؛ جعلت المجتمع ينظر إليها بوصفها حجر الأساس في العملية الثقافية، والمصنع الذي يزوده بالأفكار والمعلومات.. مثلما ينظر إلى الناشر بوصفه قطب الرحى الذي يدير هذه العملية بأطرافها المتعددة التي تبدأ بالمؤلف لتنتهي بالمجتمع القارئ.

لم يحظ الناشر بهذه المكانة في الغرب إلا بعد نضال مرير وتجربة طويلة؛ ترسخت خلالها لصناعة النشر معاييرها الواضحة، وأخلاقياتها التي التزمها الناشر بصرامة كالقوانين، فتعززت بها مكانته، وفتحت له قاعات الشرف، وحظي باحترام كل من المؤلف والقارئ على السواء.

أما في وطننا العربي، فلا تزال المهنة- للأسف- في بداية الطريق، ولا يزال تصنيفها الاجتماعي يقع على الهامش، ولا يزال الناشر في مرمى الاتهام، إلا من عصم ربك من الرواد الملتزمين بشرف المهنة وأمانة الرسالة. 

إن أهم مستلزمات الريادة ومرحلة التأسيس هذه، تغليب لغة الواجبات على لغة الحقوق، والتشبث بالأهداف المعلنة، حتى تترسخ للمهنة معاييرها وتقاليدها وثوابتها. فلن يحترم الناس مهنة لا يحترمها أهلها.

ولئن كان بناء هذه المعايير وإرساؤها تقاليد مهنية راسخة من ضرورات صناعة النشر عامة، فهي عند النشر للأطفال أكثر إلحاحاً؛ لما يتسم به كتاب الطفل من تعقيدات تتعلق بالعمر وشرائحه ومتطلباته..

حين يتوجه الناشر بكتابه للكبار، فما عليه بعد أن يحسن اختيار النص؛ إلا أن يحسن إخراجه بكل ما يتطلبه من تدقيق لغوي، وإخراج فني، وفهرسة. أما حين ينشر للأطفال، فإنه يتوجه إلى شرائح عمريةٍ متعددة؛ يحتاج كل منها إلى اختيار ما يلائمه من موضوعات، وأساليب، ومفردات لغوية، وصور، وأشكال، ورسوم، وألوان، وأوعيةٍ، وإخراجات مشوقة، وأدوات مساعدة.

وإذ يكتب الكبار للكبار فثمة مدركات ولغة مشتركة بينهم؛ تضمحل وتتباين عندما يكتبون للأطفال، فيواجهون صعوبة التحول إلى عالم الطفولة الذي تجاوزوه منذ زمن بعيد، وذلك ما لا يحسنه إلا القلة من الكتّاب الموهوبين.

المشروع وتحديات عصر المعرفة

لقد استطاع الناشر الغربي أن يرسخ تقاليده في سياقٍ حضاري مواتٍ ومستقر؛ أفاد فيه مما أمده به عصر الصناعة من أدواتٍ، استطاع أن يوظفها ويواكب تطورها، منذ غوتنبرغ ومطبعته اليدوية،حتى الأوفست متعددة الألوان، وجامعات الأحرف المعدنية اللينوتايب  والأنترتايب والمونوتايب . فأنتج للطفل الكتاب الملوَّن والمزركش والمنوع؛ مصحوباً بالأدوات والأصوات والصور والأشكال المتعددة.

وها هو ذا يواجه التحديات الكبيرة التي فرضها عصر المعرفة؛ فاستهل بها الألفية الثالثة بثورتين عارمتين في المعلومات والاتصالات؛ لم تشهد الإنسانية في تاريخ تطورها نظيراً لهما في الحجم والتسارع والشمول.

هل سيبدأ الناشر العربي من حيث انتهى زميله الغربي، أم سيختزل الزمن، فيواجه معه، تحديات عصر جديد سواءً بسواءٍ:

التحدي الأول: تبادل المواقع بين الأجيال الإنسانية :

أول هذه التحديات تبادل المواقع بين الأجيال، فعلى مر التاريخ كانت حكمة الآباء هي التي تصنع الأبناء، وكان الآباء دائماً في موقع المعلم والمربي؛ يقدم حصيلته المعرفية للجيل الجديد ليبني فوقها، ويضيف إليها، فتنمو المعرفة وتتراكم على طريقة لقمان ) إِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ..  وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ( [ لقمان 31/13و18و19].

فإذا بعصر المعرفة يقلب المواقع، فيفجر –بأدواته- المعرفةَ بين يدي الأجيال الصاعدة، ليجعل هذه الأجيال في موقع المعلم لآبائه على طريقة إبراهيم إذ قال لأبيه: )يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيّاً( [ مريم 19/43].

لقد وجدنا أنفسنا فجأة في خضم المعلوماتية وثورة الاتصالات، التي اقتحمت علينا مثل سيل عرم؛ انهمرت علينا المعلومات فيه من السماء عبر الفضائيات والأقمار الصناعية، وتفجرت بها الأرض من تحتنا عيوناً عبر الحواسب والشابكات (الإنترنت)..

لم يستطع جيل الآباء – على الرغم من محاولاته- أن يلم بها ويكبح جماحها، فآوى إلى جبل يعصمه من أمواجها الهادرة. وترك لجيل الأبناء أن يمسك بناصيتها، وها هو ذا جيل الأحفاد الذي ترعرع بين الأزرار والفئران والحواسب الشخصية والهواتف المحمولة والمواقع الإلكترونية، والبريد الإلكتروني، يتأهب ليقودها بجدارة.. وأصبح مألوفاً مشهد الجد يقف مشدوهاً بين يدي حفيده؛ يجيبه عن كل تساؤلاته بلمسات بارعة يجريها على جهازه الشخصي أو هاتفه المحمول.. يطلعه على موقع بيته وموطئ قدمه.. لقد أصبحت المعرفة والمعلومات طوع بنانه، فتولى تقديمها لآبائه، محتفظاً لهم بكل الاحترام والتقدير.

 

 

التحدي الثاني: الأجيال التكنولوجية للمعرفة

لم تُحدث التطورات لأجيال التكنولوجيا في عصر الصناعة المنصرم صدمات كبرى لدى المستهلك؛ كالذي تُحدثه التطورات لأجيال عصر المعرفة الراهن.

فقد كانت وتائر الانتقال التدريجي في المنتجات الصناعية؛ من اليدوي إلى الآلي (الأوتوماتيكي)، إلى المبرمج إلكترونياً مقبولة ومستوعبة؛ بحيث يمكن لها أن تتعايش جنباً إلى جنب، من دون أن يلغي جديدها قديمها.. فلا تزال السيارات ذات التدريج اليدوي تعمل إلى جانب الآلي (الأوتوماتيكي)، إلى جانب المبرمجة إلكترونياً، وكذلك المطبعة (على سبيل المثال).

بينما نجد أجيال المنتجات الإلكترونية الجديدة تلغي قديمها، بما تنطوي عليه من تطوير يجعل استخدامها عديم الجدوى لأن الجديد أقل كلفة وأسرع انتقالاً وأكثر استيعاباً وشمولاً..ففي الأوعية الثقافية تم الانتقال من الـ CD إلى DVD إلى Blu-Rayومن البريد الإلكتروني إلى  الشابكة (الإنترنت)  إلى الكتاب الإلكتروني بسرعة كبيرة.

وما ندري ما تخبئه الأيام القليلة القادمة من وسائط، قد تعرض صفحات الكتاب في الهواء الطلق على شاشة افتراضية ليس لها وجود مادي ولا ملمس.

التحدي الثالث: تبدل أوعية المعرفة

ما زالت المعلومات تبحث لها عن أوعية جديدة تستوعبها، كلما فاضت معلومات الإنسـان -خلال رحلته المعرفية الأبدية- عن قدرة أوعيتها القديمة عن الاستيعاب.

فمنذ أن ضاق الإنسان ذرعاً بذاكرته الداخلية وعاءً لمعلوماته التي بدأت تتراكم، وتاقت نفسه لنقلها إلى محيطه الخارجي وأجياله القادمة؛ أخذ يبحث لها عن ذواكر خارجية يودعها فيها ويطورها كلما دعت الحاجة إلى أوعية أكثر استيعاباً..

هكذا اخترع الحرفَ ونقشه على الحجر، ثم كتبه على رقائق العظام، وسعف النخيل، وجلود الحيوانات، وبعد اكتشاف الورق، انتقلت المعلومات إلى بطون الكتب عن طريق النساخة اليدوية، ثم عن طريق الطباعة التي وفرت لنا الكتاب في أبهى حلة؛ ألفنا استقاء المعلومات منها، وما زلنا نستمتع بقراءتها، على الرغم من زحف الكتاب الإلكتروني وسرعة انتشاره..

ما أود التأكيد عليه هنا أن أوعية المعلومات تتطور وتنمو باطراد مع ازدياد حجمها، وأن الورق لم يعد قادراً على استيعاب الانفجار المعلوماتي الراهن الذي أخذت معلومات الإنسان فيه تتضاعف في العقد الواحد أكثر من مرة، بعد أن كانت تحتاج لتضاعفها إلى قرون وعقود. وأن النشر الإلكتروني قادم لا محالة، نشهد حضوره وتناميه يوماً بيوم. وما لم ندرك ذلك نحن الناشرين فسيتجاوزنا الزمن ليجعلنا في عداد المهن المنقرضة.

التحدي الرابع: متغيرات عصر المعرفة

1-لقد ترتب على اعتماد عصر المعرفة ثروةَ المعلومات والعمل الفكري:

آ – تبدل في معايير وموازين ارتقاء الأمم والشعوب، التي سوف تقاس بما تملكه هذه الأمم من ثروة المعلومات، لا بما تملكه من ثروة المال وترسانة السلاح.

ب – تراجع في العمالة اليدوية وتضاؤل في قيمتها، إزاء تقدم العمالة الفكرية وتصاعد الطلب عليها.. وبذلك سيتخلص الإنسان تدريجياً من الأعمال العضلية التي لم يخلق من أجلها، وينصرف إلى الأعمال الفكرية التي ميزه الله تعالى بها )وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها( [البقرة: 2/31].

2- كما ترتب على تحرره من قيد المكان:

آ – تمازج الأمم، وتعارف الحضارات، وبروز فكرة القرية العالمية ( العولمة )، وتعذر تشكيل الكيانات القومية بمعزل عن الأسرة الدولية.

 ب – إمكانية تأسيس مراكز للأبحاث وإنتاج المعلومات والبرمجيات في أماكن متباعدة، والاستفادة من فروق أسعار العمالة الفكرية، من دون حاجة لجمعها في مكان واحد.

ج – ضآلة الحيز الذي تشغله بالنسبة إلى ضخامة حجمها، وسهولة التصنيف والتخزين والاسترجاع، وإقامة الشبكات.

د – زوال الحاجة إلى الأبنية الواسعة لإنشاء المشاريع الكبيرة إذ يصبح بالإمكان إنشاؤها على موقع وهمي في الشابكة (الإنترنت)، مثل موقع ( أمازون ) الذي يستوعب أكثر من 5 ملايين عنوان، ويزوره حوالي 4 ملايين زائر يومياً وموقع ( ياهو ) الذي يرتاده ( 26 ) مليون زائر يومياً، مستغنياً عن أماكن العرض ومقتصداً في مستودعات التخزين، مما يسهم إلى حد كبير في الاقتصاد بالنفقات.

التحدي الخامس: تفاقم القرصنة الفكرية 

في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى حماية الحق الفكري، نظراً لما تطلبه عصر المعرفة من تزايد في العمالة الفكرية على حساب العمالة اليدوية، وحاجة عمال الفكر إلى استثمار جهودهم الفكرية، كي يتمكنوا من الاستمرار في بذلها. تتفاقم القرصنة في العالم العربي، وترتفع نسبتها من 65% من حجم التداول في الكتاب الورقي إلى ما يزيد عن 90% من حجم التداول في الأوعية الإلكترونية؛ ذلك أن تقنيات ثورتي المعلومات والاتصالات، سهلت عمليات النسخ والنشر، وأخرجتها من الحيز المكاني الضيق الخاضع للقانون المحلي، إلى الحيز العالمي الخارج عن نطاق سيادتها ، من دون أن يواكب ذلك تطوير للتشريع الدولي يحمي حق المؤلف.. فإذا بمئات المواقع تتبارى لسرقة المحتوى الفكري، لإتاحته للجمهور؛ مستبيحة حقوق المؤلف والناشر على حد سواءٍ. ومنها مواقع عالمية ذائعة الصيت.

وعلى الرغم من الآثار السلبية الكبيرة التي يتركها هذا العدوان الصارخ على حركتي الإبداع والنشر، فإني واثق من أن عصر المعرفة قادر على إنتاج تشريعات يحمي بها نفسه، ويحفظ بها للمبدع حقه، وإلى أن يتمكن من ذلك، فلا بد لنا من اللواذ بالأخلاق التي تسد ما تستطيع من ثغرات العجز القانوني، في مجتمع المعلومات.

الكتابة للأطفال في عصر المعرفة

قبل أن نلقي باللوم على الفضائيات والحواسيب، والإنترنت والجوال والبريد الإلكتروني وبقية الوسائط الرقمية، لا بد أن نتساءل!!

-هل كان أطفالنا يقرؤون قبل أن تستهويهم هذه الوسائط؟!

-هل يعد استخدامهم المفرط للوسائط الرقمية الراهنة؛ قراءة تغنيهم عن الكتاب؟!

-هل الوسائط الرقمية نقمة؛ علينا أن نتخذ منها موقفاً سالباً؟! 

-ما آثار الوسائط الرقمية في أذواق أطفالنا وممارساتهم؟!

-ماذا يمكن للكتاب الورقي أن يقدم للطفل في عصر الشابكة (الإنترنت) والفضائيات؟!

-كيف سنكتب لأطفالنا بعدما أصبحوا معلمينا؟!

-ما اهتمامات أطفال اليوم؟ أما زالت حكايات الجدة تشدهم؟!

1-أطفالنا لم يكونوا يقرؤون

أزعم أن الطفل يولد قارئاً، فأبواه يشجعانه على القراءة أو يصرفانه عنها. ثم تقوم المدرسة في أهم مراحل تكونه بدور رئيسي في غرس حب القراءة والمطالعة لديه أو غرس كراهيته لها، وتبغيضها إليه. 

في الغرب: تبدأ الأم بالقراءة لطفلها وهو جنين في بطنها، وتتابع مشوار القراءة معه رضيعاً وشادياً، حتى تسلمه إلى المدرسة التي تضع القراءة في رأس أولوياتها وصلب مناهجها، لتصنع منه قارئاً يلوب على الكتاب أكثر مما يلوب على الرغيف.

وعندنا لا تحظى القراءة راهناً بأي اهتمام من الأسرة، ولا من المدرسة التي تثقل كاهل الطفل بالمقررات المدرسية التلقينية ، لتصنع منه إنساناً يكره القراءة.. يمزق كتابه المقرر فور مغادرته قاعة الامتحان.

ونحن لم نكن نعرف في تراثنا أيام صعودنا الحضاري إلا ما كان يندرج في باب تأديب الصبيان؛ مما يكتبه الكبار للكبار. ولعل في ذلك ما يفسر لنا ضعف حركة النشر للأطفال في الوطن العربي، مقارنة بنظيرتها في البلدان المتقدمة، فلا يطبع الناشر العربي من كتاب الطفل أكثر من بضعة آلاف لعالم عربي يزيد عدد سكانه عن ثلاث مئة مليون نسمة، تزيد نسبة الأطفال والشباب فيه عن 60% من مجموع تعداده.

وفيه كذلك ما يضيف إلى أعباء الناشر في جوْدة الإنتاج، عبء الترويج لمنتجاته، وإيجاد أسواق لاستهلاكها. 

2-أطفالنا والقراءة الرقمية

في غمرة انصراف أطفالنا عن القراءة، هبطت عليهم الفضائيات والشابكة (الإنترنت) والهاتف المحمول.. لم يكن كل ذلك من صنع آبائهم، ولم يكن منشؤه في بيئتهم، فكان من الطبيعي ألا يحسنوا استخدامه، لأن التكنولوجيا تأبى أن تطيع غير صانعيها. 

صانعو التكنولوجيا الرقمية – نظراً لإدراكهم العميق لضرورة التدرج في التحولات الثقافية والاجتماعية الأساسية- لم يسمحوا لأطفالهم أن يتحولوا بالقراءة من الكتاب الورقي إلى الكتاب الرقمي، ولن يسمحوا بذلك قبل التأكد من امتلاكهم ناصيته من جهة، وقبل استقرار تكنولوجيا الكتاب الرقمي، الذي ما زال قيد التجربة والتطوير، على حالٍ مقبول- تبدو ملامحه الآن في الكتاب الإلكتروني ( ebook) - من جهة أخرى.

الطفل الأميركي- على الرغم من الدروس المستفيضة التي يتلقاها في اسـتخدام الحاسـوب والشابكة (الإنترنت) وإتقانه العمل عليها- ما زال عليه أن يقرأ في كل يوم قصةً يلخصها ويحكيها ويلوب  عليها، ويقول: هل من مزيد؟!

هذا الإصرار على الكتاب الورقي في العالم المتقدم – الغربي منه والشرقي الأقصى- مبعثه الخوف على الجيل المخضرم أن يسقط على جسر العبور بين وعاءَي المعرفة التقليدي الورقي والجديد الإلكتروني.

ذلك الخوف الذي لا مسوِّغ له عندنا، فنحن نجتاز المسافة بين الوعاءين على أرض مسطحة؛ لا تتطلب منا بناء الجسور ولا ارتقاءها، فأطفالنا- إلا من عصم ربك- لا يقرؤون على الورق ولا على الشاشة. 

3- الوسائط الرقمية إنجاز حضاري كبير

إنه قفزة إنسانية كبرى في تاريخ التطور البشري، يستهل به الإنسان عصر المعرفة، في طريق كفاحه المرير للوصول إلى عصر الحكمة؛ عصر تخلصه من تهمتي الفساد وسفك الدماء اللتين اتهمته بهما الملائكة عندما كان مشروعاً للخلق.

وشأن كل قيمة أو ابتكار، يمكن للإنسان أن يستخدمها بإيجابية فينميها وينمو بها، أو بسلبية تخرجها عن مقاصدها فتسقط وتنعدم جدواها، ويسقط هو معها. يبدو أن معظم شبابنا قد مارسوا هذه الوسائط بوجهها السالب، فـ(المسنجر) – الذي قرب الأبعاد واختصر المسافات واختزل النفقات، فمكّن الناس من التواصل عبره، وعقد اجتماعاتٍ ذات أطرافٍ متعددة ومتباعدة، كان اجتماعها في المكان الواحد سيكلف الكثير من المال والوقت- يستخدمه شبابنا في السفاسف التي يسمونها (الدردشة، التشات).

والفيس بوك الذي يمكن أن يكون منبراً للتعبير عن الرأي، وإيصال رسائل إيجابية تصحح المفاهيم وتكشف الزيف والأوهام، إذا استخدم بوعي وحذر.. يستخدم شبابنا منه الألعاب لتزجية الوقت، ويعكفون عليها لدرجة الإدمان، من دون انتباه لمحاذير اختراق الخصوصيات؛ وإساءة استخدامها لتشويه السمعة والإيقاع بين الناس.

هذه الصورة السالبة ليست الصورة الشاملة لشبابنا، فلسنا نعدم أطفالاً وشباناً وفتيات؛ يستثمرون الوسائط الرقمية أفضل استثمار.

سارة؛ القارئة النهمة منذ طفولتها، أتقنت فن القراءة للأطفال في يفاعتها؛ تجمعهم على بساط أرضي؛ تقرأ لهم بنبرة وحركات ووسائط تثير انتباههم، فيتفاعلون معها ويطلبون المزيد..

سألتُها، وقد أصبحت في الجامعة، عن استخدامها للوسائط الرقمية، فقالت: الجهاز الشخصي (لاب توب)، والهاتف المحمول، أصبحا الصديقين الودودين اللصيقين بي، لا أستغني عنهما ليلي أو نهاري..

 أتصفح في عجالة أخبار العالم ومستجداته..

أبحث في المواقع الكبيرة عن معلومة تهمني في أبحاثي، فتنهال علي عشرات المراجع، أختار منها ما أتوقع فائدته لي، وأعرض عن الباقي..

أبحث فيها عن جديد الكتب والمراجع في اختصاصي..  

أقرأ كتاباً كاملاً يستهويني، وغالباً ما يكون بالإنجليزية..

 ألخص عليه قراءاتي، وما التقطته فيها من أفكار ملفتة وإبداعات؛ أصنفها لتسهيل بحثي عنها واسترجاعها..

أعرض بعض الأبحاث باستخدام برنامج (البوربوينت).. أصنع أفلاماً لبعض الوقائع الاجتماعية والثقافية لتوثيقها.. أشعر بسعادة غامرة مع صديقيَّ الحميمين: الـ (لاب توب) والهاتف المحمول لما يقدمانه لي من خدمات مجانية؛ توفر علي وقتي.

قلت لسارة:

هل تستمتعين بقراءة كتاب ٍعلى الشاشة؟ وهل تغنيك هذه القراءة عن قراءة الكتاب الورقي؟  

قالت: نعم، لكنني ما زلت أشعر مع الكتاب الورقي بثقة أكبر، فالكتاب الإلكتروني يعوزه التوثيق، وكذلك المعلومات، فالشابكة (الإنترنت) تقدمها لك من دون توثيق، وأحياناً مع إغفال المصدر، وأحياناً أخرى بأسماء مستعارة، أو حتى من دون أسماء، كما تقدم لك أخباراً مختلَقَة برمتها، أو ملفقة، أو نسج خيال.. إنه العالم الافتراضي الذي يقدم لك كل شيء، ملقياً عليك عبء الفحص والتمحيص والتدقيق لتنحية الزبَد والأشواك واقتطاف المعلومات النافعة.

 

كتاب الطفل المنشود في المرحلة الراهنة

في المرحلة الراهنة- التي يلتقي فيها الورقي بالرقمي، فيما يشبه تلاقي قطارين يسيران في اتجاهين متقابلين في منتصف الطريق- أتصور كتاب الطفل مزدوج الأوعية: ورقياً؛ يَستخدم أحدث الفنون الطباعية والفنية اللافتة للطفل، وإلكترونياً يستخدم الوسائط الرقمية، جنباً إلى جنب مع الكتاب الورقي، فيرضي ذوق الطفل وأشواقه كلها، ويثبِّت المعلومات الواردة فيه في ذاكرته: فيتحول كتاب الطفل إلى مجموعة تضم إلى جانب الكتاب: دفتراً للرسـم والتلوين، ولوحةً تركيبية، وشريطاً صوتياً تمثيلياً، وقرصاً ليزرياً تفاعلياً، ولوحة جدارية (بوستر)، وشخصيات. يعيش معها الطفل بكل أحاسيسه،ويستخدم فيها كل طاقاته، فتلبي كل احتياجاته.

ومن حيث الموضوع: ينبغي لنا أن نرصد توجهات الأطفال، ومتغيراتها المتسارعة في العصر المتفجر الراهن:

أما زالت حكايات الجدة والشخصيات والمعارك التاريخية تشدهم، أم أصبحوا يميلون أكثر إلى الخيال العلمي، والمخترعات الحديثة، والشخصيات الافتراضية، وتوقعات المستقبل؟!  

كيف سنكتب لأطفالنا بعد أن شبوا عن الطوق، وجاءهم من العلم ما لم يأتنا؟!

وما الآثار التي تركتها الفضائيات ووسائل الاتصالات المتطورة والوسائط الرقمية على أذواقهم وممارساتهم؟!

لابد أن نعد استبيانات دقيقة ومدروسة للتعرف على هذه التوجهات، وأن نتعرف على آرائهم فيما ننشره لهم.

ليكن هذا مشروعَنا القادم لنشر كتاب لأطفالنا؛ مميز وواعد.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة