لبيبة خمار في النصوص السردية: فن الكتابة الرقمية وآفاق التلقي

الاثنين, April 9, 2018
كاتب المقالة: 

تواصل الدكتورة لبيبة خمار، رائدة الأدب الرقمي في المغرب والعالم العربي، سلسلة مشروعها الرقمي، من خلال إصدارها الثاني المعنون بـ«النص المترابط: فن الكتابة الرقمية وآفاق التلقي»، الصادر عن دار رؤية سنة 2018 (في333 صفحة). أما إصدارها الأول فكان سنة 2014 عن دار النشر نفسها بعنوان «شعرية النص التفاعلي: آليات السرد وسحر القراءة»، والكتاب الثالث من هذا المشروع هو تحت الطبع. وتعتبر لبيبة خمار أول كاتبة عربية ألفت وأخرجت سرودا رقمية كنوع جديد من أنواع الأدب الرقمي، أطلقت عليها كجنس أدبي اسم «قصة الفيديو»، وهي كالآتي: «غرف ومرايا» و«حذاء الحب» و«هي والحمام».
في كتابها الأول تنوعت النصوص الرقمية ما بين غربية «الواقي الشمسي» لألان سالفاتور، ونصوص عربية «شات» لمحمد سناجلة؛ أما في إصدارها الجديد، فقد اشتغلت على نصوص رقمية مغربية «حفنات جمر» لإسماعيل البويحياوي و«محطات سيرة افتراضية لكائن من ذاك الزمان» لمحمد شويكة. وهما حسب سعيد يقطين في المقدمة التي خص بها الكتاب «من أهم الكتاب المغاربة الذين شغفوا بالنص المترابط ولقد حاولا، كل من جهته، ترجمة هذا الشغف إلى نص يتجاوز الكتاب الورقي، عبر استخدام الوسيط الجديد في تلقي نصوصهم السردية».
أما بخصوص الكتاب فيقول يقطين: «يزخر الكتاب بعدة مداخل يستدعي كل منها مباحث مستقلة، يمكن أن تتم من خلال ورشات للعمل التطبيقي، أو حلقات للدراسة النظرية، تعميقا للبحث والتفكير والتأمل والاستيعاب. ولا يمكن لهذا النوع من الأعمال أن يتم بصورة فردية أو انفرادية. فمن متطلبات الوعي الرقمي التي لا نوليها كبير عناية، العمل الجماعي. وهذا واحد من أهم مميزات الإبداع الرقمي التي تجعله مختلفا عن الإبداعات السابقة عليه.

 لبيبة خمار، خاضت هذه المغامرة، بوعي وحماس وطموح. وهي في ذلك تراهن على المستقبل. وبدون هذه الرهانات لا يمكننا أن نفتح نوافذ جديدة للبحث والدراسة والإبداع والتجاوز».
يضم الكتاب بين دفتيه، مدخلا حددت من خلاله الكاتبة الموضوع، والأساس النظري، والمنهجي من خلال ثلاثة محاور: التخييل المترابط، وسيرورة التكوين والتلقي، والرواية المترابطة المغربية بين المنهجية والمفهوم. ولمقاربة هذا الموضوع، قسمت لبيبة خمار عملها إلى ثلاثة فصول، ولكل فصل مباحث ترصد من خلالها الكاتبة أدق التفاصيل المرتبطة بفن الكتابة الرقمية وآفاق التلقي، ثم خاتمة وتركيب عام.
ومن أهم الإشكالات التي وقفت عندها لبيبة خمار بتريث كبير، نظرا لدقة عملية انتقال النص الأدبي من وضعيته الورقية إلى الرقمية، وما ينتج عن ذلك من تشويش تجنيسي على النص الرقمي، حيث أكدت أن التجربة المغربية في الإبداع الرقمي، لم تنتج بعد جنسا روائيا قائما بذاته، موضحة ذلك بالقول: «عرف الإبداع الرقمي المغربي ظهور عدد من القصيصات المترابطة المقتربة في بنائها، وأسئلتها من الرواية، وقد دفعنا هذا الاقتراب إلى التساؤل عن الشكل الذي ستتخذه الرواية المترابطة، فهل من الممكن أن تنهض وتتقوم على القصيصات، أو القصة القصيرة متقدمة كرواية بأسلوب السرد الموجز؟ هذا السؤال الجوهري دفعنا إلى الاشتغال على التخييل المترابط بما فيه من قصة قصيرة وقصيصات ذات بعد روائي جعلنا ننعتها تجاوزا بالرواية المترابطة التي ما زالت تبحث عن نموذجها، وعن صوغ شكل تفاعلي ودلالي يلائمها كي نقف عند ملامح الاقتراب، وعند الاتصالات، والارتباطات التي تقيمها هذه القصيصات مع بعضها البعض كي يتسنى لها الاقتراب، أو التحول إلى رواية مترابطة».
ومن خلال هذا «التخييل المترابط»، الذي تريد من خلاله الكاتبة تجاوز إشكالية التجنيس وعلاقته بالحامل الرقمي، عمدت لبيبة خمار إلى طرح الإشكالية من زاوية أخرى، تمس عمق التشكل السردي، وهي إشكالية مركزية ترى في السرود الموجزة والموجزة جدا خميرة مخصبة للرواية، تمكن المبدع من تحقيق وحدة إبداعية من داخل التشتت والتشظي. وهو الأمر الذي دفع الكاتبة إلى التساؤل: «هل من الضروري لهذه السرود أن تتمحور حول شخصية واحدة محورية تلتف حولها كل الأحداث لتصنف كرواية مترابطة رغم أن عقدها السردية قد تتوزع بشكل متداخل، أو متوال، أو مقلوب، أو متضاعف وانعكاسي؟ كيف نتعامل مع السرود الموجزة التي تترابط عقدها بارتباطات متعددة تجمع بين الثيمة المتعددة، أو الموحدة، أو الشخصيات المتعددة التي تولف بين عدد من العقد السردية؟ أنصنفها كرواية مترابطة؟ أم نعتبرها قصيصات مترابطة تناسلت وتضخمت وتولدت من بعضها البعض؟». كما وقفت الكاتبة عند العلاقة بين المبدع وعمله من ناحية التجنيس، وبين المبدع والناقد، متسائلة: هل نكتفي فقط بقصدية المبدع في تجنيس العمل الرقمي غاضين الطرف عن مواربة وخدعة التجنيس، أم أن هناك إمكانية ليرتهن هذا الأخير في تصنيفه لرؤى الناقد الرقمي الرامية إلى تحديد منطلقات جديدة يمكن الارتهان إليها أثناء التبويب، وتحديد الثابت، والمتغير من السمات، والخصائص؟ فقد جنس إسماعيل البويحياوي «حفنات جمر» باعتبارها قصيصات مترابطة، لكنا رأينا أنها تخييل ملتبس اجناسيا يمكن تصنيفه كرواية مترابطة، أو قصيصات ذات بعد وملمح روائي. وذهب محمد شويكة في «محطات» مذهبه نفسه، لكننا رأينا خلاف ما رأى، لإمكانية أن يكون العنوان الفرعي المجنس فيه إشارة إلى البناء السردي المبني على استقلالية المقطعات السردية المتمتعة بوحدة الأثر، لذلك فهي تناوش الحدود الفاصلة بين، القصة، والرواية المترابطة. ولأن الكاتب يكتب في حدود الخطاب الروائي المترابط، فإن هذا لا يعني الانزياح عن خصائص الخطاب الروائي عامة، لذا عمدت لبيبة خمار إلى استحضار مقولات السرد الأساسية أثناء الاشتغال على الرواية المترابطة، من خلال الوقوف على الزمن: زمن القصة وزمن الكتابة الذي أدى على مستوى التلقي إلى ظهور مفهوم « القراكتابة». كما استحضرت الكاتبة الصيغة السردية، من خلال صيغة العرض الدرامي التي تتيح كما تقول، «الانفتاح على كل أشكال التعبير الدرامي من مسرح، وسينما، وموسيقى، وفوتوغرافيا، وفنون تشكيلية ملتحمة بالسرد، ومقتفية أثره في الحكي». وتستدعي الكاتبة من خلال أدوات الاشتغال على المتون، الرؤية السردية والصوت، والرؤية الدرامية أو المشهدية المتمثلة في زوايا التصوير، وحجم اللقطات، وسلمها.
لقد اعتمدت الكاتبة في إنجاز عملها على تأمل خاص حول التخييل المترابط المغربي ذي البعد الروائي، محاولة كما تقول «الوقوف عند الارتباطات القصدية المولفة بين العقد السردية، مع القبض على العناصر التي مهدت لظهورها، والوقوف عند الخلفيات الوجودية، والمعرفية والتخييلية التجريبية، المتضافرة مع التحولات السردية الغربية المواكبة لتغير الوسيط التي أثرت في الثقافة العربية وفي إقبالها على الحاسوب كسند، وعلى الشبكة كمروج لثقافتها وثقافات غيرها. عناصر حفزت على تطورها، وتبلورها، وامتدادها المتداخل والمتشابك كرؤية للذات، وللعالم، وللسرد متبنية شكل، ومعمارية الجذمور التي مكنتها من الانتشار، والتناسل، والتصدع بلا بداية، ولا نهاية، وبلا وسط، بانية عوالمها المتفككة والمختلفة والمخالفة».
وكأي عمل علمي رصين، يتأسس على أسئلة مصاحبة تقعد لعملية التحليل، فإن لبيبة خمار استدعت حزمة من الأسئلة التحفيزية من قبيل: كيف يتشكل هذا المتعدد في بنية واحدة؟ وكيف ينشطر ويتكاثر؟ وكيف يلم شتاته ويولف بين علاماته؟ وكيف تتحدد آليات الاشتغال التي ينبني فيها العمل على السردي، وعلى السمعي، والبصري في الآن نفسه؟ وما هي التحولات التي طرأت على السارد، وعلى اللغة داخل السرد المترابط المغربي؟ وما هي المفاهيم والمقولات التي ستقدم الإطار المنهجي المسعف والمساعد على سبر أغوار كوسمولوجية الرواية المترابطة المغربية، وعلى سيرورة التأليف والخلق التي مرت منها، وسيرورة التلقي التي أدت إلى إعادة إنتاجها، وانكتابها؟
وليس بخاف على المتلقي، أهمية المفاهيم في تفسير وتحليل العمل الإبداعي، وهي المفاهيم التي ترى الكاتبة أنها ستوفر الجهاز المنهجي الذي سيمكن من إبراز الخصائص البنيوية للتخييل المترابط المغربي، واستجلاء هيكله، وتنظيمه وجمالياته، والرفع من دعائم كوسمولوجيته. ومن بين هذه المفاهيم نذكر: 1- الجذمور الذي يلقي الضوء، كما توضح لبيبة خمار، على كيفيات تشكل الرواية المترابطة، باعتباره تقنية معمارية تمكن من الانتشار الشبكي المتاهي الذي توضع بين جنباته الحكاية؛ و 2- الشكل الطبولوجي/ المكاني باعتباره ينبني على المتغيرات المكانية التي تقبض على خصائص العقد السردية، وقد جاء هذا المفهوم ليوائم الرواية المترابطة التي انتقلت من مفهوم النص المتضام المرصوص، إلى النص الانتشاري، المتصدع، والمتصل عبر الروابط، ومن الإطالة، والهدر اللغوي، إلى الحذف والاقتطاع والاجتزاء؛ و 3- الوصف الاستطلاعي الذي يمكن من التعرف على جماليات المرئي الانعكاسي، والمنظور الالتفافي، من خلال التسلل إلى البنيات المغمورة التي لا يظهر منها إلا السطح.
وقد دعت الكاتبة النقاد إلى ضرورة التسلح أثناء المعالجة والمقاربة بتصميم مضبوط وبمنهجية واضحة، مؤكدة أن «كيفيات تبنين النص الرقمي، وكيفيات تعالق نصوصه على اختلافها هو الكفيل بتبيئته وتجذيره في ثقافتنا، وإزالة اللبس عنه وتأسيس معرفة علمية به تعمل على ردم الهوة بين الممكن والمتحقق، والقضاء على القطيعة الابستمولوجية ما بين النظرية والتطبيق، دون أن يتحول التطبيق إلى تبرير للنظرية».

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: