لحظة رمضانية لو نعيشها

الاثنين, June 6, 2016
كاتب المقالة: 

ليست هي – بالتأكيد –لحظة التحلق حول مائدة الإفطار؛ نحدّق بنهمٍ خلالها بما تفيض به من أطباق شهية، تغرينا روائحها الزكية، من دون أن تمتد يد إلى شيء منها بانتظار الأذان..

وليست – كذلك- لحظة الأذان الذي نمسك فور استماعنا إليه عن أي شراب أو طعام.

فعلى الرغم من كونهما لحظتين حاسمتين، نعيشهما كل رمضان؛ تغيران من نظام حياتنا اليومية، وتخرجاننا من الرتابة والإلف فيها، لننخرط بهما فيما يشبه دورة تدريبية، تسودها روح الجماعة والفريق، بكل ما تنبض به من تعاون وتكافل ومشاعر إنسانية وأشواق ربانية، يذكيها الإيقاع الواحد والعمل المشترك.. على الرغم من ذلك، فإنهما لحظتان تتكرران في كل رمضان من كل عام، قد يؤول بهما التكرار إلى الإلف والاعتياد ونوع من الفولكلور والتراث الشعبي، يفصلهما عن مقاصدهما، ويضعف من قدرتهما على تحقيق أهدافهما وآثارهما المرجوة.

أما اللحظة الرمضانية التي لا تتكرر إلا لماماً عبر القرون، فهي اللحظة التي ترافق انطلاقة كل دورة حضارية جديدة للأمة، تنتقل بها من حالة الركود والسكون والكلالة والعجز والغيبوبة ، إلى حالة الحركة والفعالية والكفاءة والنمو والحضور والشهادة..

إنها لحظة ]اقرأ[ يرويها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه الملك في غار حراء، فقال له: اقرأ! فقال: ما أنا بقارئ. قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ!فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال:] اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم[ [العلق96/ 1-5  ]، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال زملوني!زملوني! فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: "كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

كان ذلك في شهر ]رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان [ [ البقرة 2/185].

وكانت ]اقرأ[ أول كلمة نزل بها وحي السماء، وعاها الرسول، وأدرك أبعادها ومراميها، وانطلق بها يبني للإنسانية حضارة عالمية نموذجية وارفة؛ أصلها ثابت في الأرض وفرعها يَصَّعَّدُ في السماء.. يبنيها على وقع صيحة اقرأ- التي ترددت أصداؤها في غار حراء- في أقل من ربع قرن، هي أقصر مدة عرفها التاريخ لبناء الحضارات..

كيف حدث ذلك؟! هل قرأ رسول الله، والله يقول: ]وَما كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [ [ العنكبوت 29/48 ] ؟!

لقد أرسى الوحي الإلهي للقراءة قواعدها، ومهد أرضها ووفر المناخ المناسب لانطلاقها قاعدة لمشروع حضاري إنساني كبير.

nهكذا بدأ بتحرير عقل الإنسان من الخرافة والوهم والشعوذة، وربط حصيلته المعرفية بالمنطق والبرهان والبينات، واعتبار العقل هبةً من الله للإنسان، ونعمة أنعم بها عليه وجعله مسؤولاً عن إعمالها وحسن توظيفها واستخدامها ]ولا تقف ما ليس لك به علم. إن السمع والبصر والفؤاد؛ كل أولئك كان عنه مسؤولاً[ [ الاسراء 17/36].

n وجعل مسؤوليته فردية ومباشرة من دون وسطاء ولا أوصياء، فحرره بذلك من كل أصناف التبعية:

-للآباء : ]قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا[ [المائدة5/104] ]أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون[ [البقرة 2/170] .

-وللكبراء :] وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً[ [الأحزاب 33/30].

-وللأحبار: ]يا أيها الذين آمنوا، إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله[ [التوبة 9/34].

nوحث الإنسان على التفكر والتدبر والنظر والاعتبار والاستزادة من العلم بلا حدود: ] وقل رب زدني علماً[ [طه 20/114] ]وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً[ [ الاسراء 17/85  ].

n وجعل التنوع والتدافع والاختلاف سنة من سنن الله تعالى، ونعمة أنعم الله بها على الإنسان لتكون وسيلته لتنمية أفكاره وتقويمها وتنقيتها من الشوائب، ودفن ما فني منها، واستيلاد جديدها الذي يعينه على مواصلة كدحه في سبيل اكتشاف نواميس الكون، والوصول إلى الحقيقة الضائعة التي تفلت منه كلما ظن أنه أمسك بتلابيبها، وحذر من التوحد والتفرد، ورتب عليهما العقم وفساد الأرض ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض[ [ البقرة 2/251] و ]لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله[ [الحج 22/40].

n ورسم الحوار طريقة لتلاقح الآراء، ومخضها لاستخراج زَبَدها، ووضع للحوار قواعده وأساليبه وأشكاله وآدابه من توخي الحق والانصياع له، والصدق والتجرد، والدخول في الحوار من دون مسلمات مسبقة، وطلب الدليل والبرهان، واعتماد العلم، كما بين ضرورة قطع الحوار عندما يتحول إلى نوع من المكابرة والتناقض والتعصب واحتكار الحقيقة.

nوأعلى من شأن الكلمة، وأوسع فيها حتى ضاقت عن استيعابها أشجار الأرض لو أنها تحولت إلى أقلام، ومياه البحر لو تحولت إلى مداد، لكي لا يني الإنسان عن البحث ولا يكف عن طلب المزيد من العلم، كما أعلى من شأن الكتاب، وجعله معجزة النبي الخاتم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، عند ما طالبه قومه بالمعجزات ليثبت لهم بها نبوته، فقال جل وعلا: ]أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم[ [العنكبوت 29/51]، وربط العلم به ]قال الذي عنده علم من الكتاب[ [ النمل 27/40 ]، ثم جعله أول ما يواجه به الإنسان يوم القيامة ]ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك[ [ الاسراء 17/13] .

n ثم إنه جعل المعلومة التي يحصلها الإنسان بعد تعبه في البحث عنها، أمانة في عنقه بمثابة الشهادة، التي يجب عليه أن يبلغها ويصدع بها ]ومن يكتمها فإنه آثم قلبه[ [ البقرة 2/283 ].

n وفي هذا المناخ المواتي لانطلاقة ]اقرأ[، ومن خلال هذه المدرسة الرمضانية، نهض بلالٌ ليعلم أحرار العالَم كيف تمارس حرية التعبير عن الرأي من طرف واحد، فكان يرفع سبابته مشيراً، عندما يعجز لسانه – تحت وطأة التعذيب- عن النطق بكلمة أحَد أحَد، مثلما راح المأمون يغذي بيت الحكمة بالكتاب، يجمعه من أطراف الدنيا، يشترطه غرامةً وضريبةً على ملك قبرص، ليدفع إليه بكتب الفلسفة المحجور عليها من قبل الكنيسة مخافة أن يضل بها الناس، ثم يعمد إلى دفع وزن ترجمتها ذهباً للمترجمين، ليضعها في أيدي الباحثين الأحرار من خريجي مدرسة ]اقرأ[.

فهل يليق بأمة ]اقرأ[ – التي ذاقت حلاوتها وجنت ثمراتها حضارة كانت ملء السمع والبصر- أن تزهد بالقراءة لتذوق مرارة الذل والهوان التي تعيشها اليوم؟!

ومن لي - في عصر المعلومات وثورة الاتصالات- بمن يستعيد لنا كلمة ]اقرأ[؛ تقرع أسماعنا من جديد،كأنها تَنَـزَّل علينا الآن غضة مجلجلة مثلما تنـزلت أول مرة،  لتستنهضنا إلى استئناف دورة حضارية إنسانية جديدة، فنؤدي الدور الذي انتدبنا له الله تعالى ] لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً [ [البقرة 2/143]

لتكن )اقرأ( شعارنا لرمضانٍ جديد مختلف، نلتهم فيه زاداً معرفياً يؤهلنا للدخول في عصر المعرفة، والإسهام الفعال في إنتاجها، فقد أخذت معلومات الإنسان في عصر المعرفة تتضاعف في العقد الواحد أكثر من مرة، ونصيبنا من هذا الإنتاج الغزير المتنامي لا يجاوز الصفر. لن يبدع الإنسان إذا لم يقرأ.

وليكن رمضاننا الجديد موسماً لتغذية العقول بالقراءة، بديلاً عن موسم إتخام البطون بأصناف الطعام، فالبطنة تذهب الفطنة، وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه. 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة