لقاء مع الأستاذ محمد عدنان سالم

الأحد, February 8, 2009
كاتب المقالة: 

ماذا قدم اتحاد الناشرين السوريين بمناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية .. وما هو المطلوب من دور النشر لانجاح هذه الفعالية .. وبالتالي ماهو دور الكتاب في احتفاليات الثقافة العربية؟! ..

هذه النقاط وغيرها كانت محور لقائنا مع الأستاذ محمد عدنان سالم رئيس اتحاد الناشرين السوريين ومدير دار الفكر .  

* : القدس عاصمة للثقافة العربية .. كيف تراها؟!

 

** ـ توجوها عاصمة ثقافية في المنفى لتكون محوراً لثقافة مغايرة!! .. ثقافةٍ تتشكل بعيداً عن مجرى الأحداث؛ تضعها تحت المجهر حتى تتبدى لها كل الجراثيم والديدان التي أنتجتها.. تحفر حولها حتى تتعرى لها الجذور التي أنبتتها.. تحلل عيناتها في مختبرات التاريخ ومراكز الأبحاث لتضع يديها على مكمن الداء.. توجوها عاصمة ثقافية في المنفى، لأنها في المنفى ستكون أكثر شفافية وقدرة على مراجعة الذات، والكشف عن أسرار نفي الذات، والقابلية للاستلاب والانسلاخ من الذات، والتخطيط بعيد المدى لاستعادة الذات، والتأهب لاستئناف دورها الحضاري الإيجابي المشعِّ؛  حقاً وعدلاً وحباً..

لن تستطيع ثقافة في موطنها أن تخرج من سياق التاريخ، طبقاً للمرحلة الحضارية التي تجتازها.. ولن تكون مواجهتها للأحداث أكثر من ردود أفعال آنية لا تندرج في خطة استراتيجية محكمة.. ولن يكون دورها إلا دور المنفعل بجزئيات خطة الفاعل..لا بد من انسحاب ثقافي مؤقت خارج ثقافة الانفعال قصير المدى، لإنتاج ثقافة استراتيجية مغايرة.. لا بد من الاغتراب بعيداً عن ثقافة الهزيمة والذل والعجز والانكسار والعشوائية والتفكك، للانخراط في ثقافة التخطيط والفعل والتعاون والتلاحم ورصِّ الصفوف، حتى لا يبقى فيها فرجة لشيطان يتسلل عبرها.. فطوبى للغرباء.

لا بد من المنفى لإنتاج ثقافة مغايرة.. هكذا عادت القدس على يد جيل نور الدين وصلاح الدين.. وهكذا سوف تعود..

* ـ  ما المطلوب  من دور النشر لتأخذ دورها في إنجاح هذه الفعالية؟

** ـ لم تكن القضية الفلسطينية خلال العام 2008 المنصرم، مطروحة على الساحة الثقافية ولا مطلوبة من القراء بشكل ملح، ولم يكن إصدار كتب عنها يعد مشروعاً مجدياً من الناحية الاقتصادية، فلم يصدر عنها إلا النـزر اليسير عن دور نشرٍ  معنية أو مهتمة بها، والمطلوب من دور النشر، التي يفترض فيها ألا تكتفي بنشر ما يطلبه المجتمع ويروج لديه، مما يمكن أن يرد لهم نفقات ما ينشرونه، ويحقق لهم ربحاً يستعينون به على المتابعة، بل أن تقوم بنشر ما يحتاج إليه المجتمع من ثقافة تعينه على تجاوز أزماته، وصناعة مستقبله.

وهذه القدس عاصمة للثقافة العربية 2009 مناسبة كبرى ليقوم الناشرون فيها بواجبهم كأصحاب رسالةٍ ثقافية؛ عليهم أن ينشروا بين أيدي الأجيال جرائم العدو الصهيوني الغاشم، واغتصابه الأرض، وتشريده أهلها، وعدوانه على أبسط حقوق الإنسان، وأهمها حق العودة، وفضح أكذوبة حق إسرائيل المعتدية الغاصبة في الوجود

.س5 ما قراءة اتحاد الناشرين السوريين ومن ثم اتحاد الناشرين العرب لهذه الفعالية، وهل هناك برنامج خاص لكل منهما؟!

لقد كانت القدس بوصفها عاصمةً للثقافة العربية عام 2009 على جدول أعمال اتحاد الناشرين العرب على مدار العام الماضي، وكان يحث الناشرين في اتحاداتهم المحلية على إنتاج المزيد من الكتب والفعاليات التي تجعلها أكثر حضوراً في الذاكرة العربية، وأكثر وعياً بمعاناتها تحت وطأة الاحتلال، وأكثر عمقاً في تحليل أسباب سقوطها وسبل استعادتها..

وفي هذا الإطار كانت اللجنة الثقافية لاتحاد الناشرين السوريين تواصل اجتماعاتها لبلورة مشروعٍ فاعل يليق بهذه المناسبة:

1-فعملت على تصميم شعار خاص لهذه المناسبة، يضع القدس مهد الأديان في قلب العالم، ليسري إليها الرسول ( ص) ليلاً ثم يعرج منها إلى السماوات العلا، معبراً عن ذلك بالشكل اللولبي المنطلق منها، كما يعبر بالدوائر المتمركزة حولها عن كونها العاصمة، وبألوان العلم الفلسطيني عن الحق الفلسطيني الأبدي فيها.                    

2-وحثت الناشرين على إنتاج كتب عن القدس وفلسطين؛ توثق الجرائم الوحشية، والتهجير القسري، واستخدام أسلحة الدمار الشامل، واستباحة كل المحرمات الإنسانية، التي ارتكبتها إسرائيل.. والتي تعزز ثقافة المقاومة لهذا الاستعمار الاستيطاني الغاشم، وتؤسس لثقافة استعادة الحق والأرض.

3- كما قررت إقامة الندوات والفعاليات الثقافية لدعم هذه الإصدارات والترويج لها. 4-وإطلاق مكتبة إلكترونية تنتج الكتب الصادرة عن فلسطين مجاناً على الشابكة (الإنترنت) باللغات الأجنبية إلى جانب اللغة العربية؛ بإذن من أصحاب الحقوق فيها.  

5-اغتنام فرص المعارض الدولية للكتاب، وخاصة معرض نيويورك الذي سيكون العالم العربي ضيف شرف عليه هذا العام لتسليط الأضواء على قضيتنا المركزية، وفضح الجرائم الصهيونية بحق.

7-إطلاق جوائز عن أفضل رواية، وأفضل كتاب، وأفضل قصة للأطفال، وأفضل ديوان شعر، وأفضل لعبة إلكترونية، وأفضل لوحة فنية عن فلسطين والقدس. وقد تم رفع هذه الخطة من الناشرين السوريين إلى اتحاد الناشرين العرب لتبنيها.   

* : وكيف ترى الكتاب وتواجده في احتفاليات الثقافة العربية؟!

** ـ لم يكن الكتاب حاضراً في كل عواصم الثقافة العربية.. بعض هذه العواصم أعطته أولوية قصوى، واعتبرته محوراً رئيسياً لأنشطتها خلال نوبتها عاصمةً للثقافة، فطرحت مشاريع الألف كتاب ونفذتها كلها أو معظمها، وبعضها التفت إلى إقامة أنشطة ثقافية منوَّعة شكل الكتاب جزءاً منها، وآخرون حولوها إلى مهرجانات فنية ومسرحيات استوردوا لها فرقاً عالمية، وأطلقوا لها ألعاباً لا تمت إلى الثقافة العربية بصلة.ربما كان السؤال الأهم، هو ماذا حققت العواصم الثقافية العربية للكتاب؟! وهل استطاعت أن تعيده إلى الأيدي بعد أن تراخت عنه وهجرته؟! هل يكفي أن نطبع مئات الآلاف من الكتب لنودعها المخازن نتكدس فيها وتشكو الوحشة؟! هل بحثنا عن سبب عزوف أجيال النصف الثاني من القرن العشرين عن القراءة؟! ما الذي استهدفه مشروع العواصم الثقافية العربية؟! وهل حقق شيئاً من أهدافه؟!

إنني بحكم انتمائي إلى جيل أواسط القرن المنصرم، أستطيع بكل ثقة أن أقول: إن الكتاب كان بألف خير قبل أن تكون له عواصم ثقافية، وأنه كان في جيلي ملء السمع والبصر.. صحيح أن المجتمع العربي في تلك الحقبة كان يعاني من نسبة أمية عالية، لكنه كان يتحرق ويعمل ما بوسعه لسد هذه الثغرة، وكان مشهد الكتاب في الأيدي مبعث اعتزاز وموضع إكبار، وكان الشاب يوفر من مخصصاته ( خرجيته)، ومن أجور وسائط النقل؛ يستعيض عنها بالمشي على رجليه، لكي يشتري كتاباً يطالعه خارج المنهاج، ويزهو به بين أقرانه، يناقشونه في سهراتهم ومنتدياتهم..

* ـ ما الذي حدث بعد ذلك؟! ما الذي أسقط الكتاب من أيدي الشباب؟

** ـ يجيب البعض عن هذا السؤال بتعقد ظروف الحياة، وضيق ذات اليد، وضيق ذات الوقت، وظهور التليفزيون الذي حول الأنظار إليه لتتسمر عليه. وأرى أن تلك كلها تعلات واهية فالذين اخترعوا التلفاز لم يرهنوا أنفسهم له، ولم يتركوا الكتاب لأجله.. فلا تلوموا مستجدات العصر، ولوموا أنفسكم، وابحثوا عن السبب الحقيقي الكامن وراء الأرقام المخزية التي ينشرها العالم عن نسبة قراءة الأمم للكتب، فيضعنا في أسفل سلَّم القراءة، ويضع لنا رقماً يكاد لا يجاوز الصفر إلا قليلاً. لقد كان الكتاب يجوب آفاق الوطن العربي دون أي عائق؛ ما إن يصدر في دمشق حتى تقله شركة (نيرن) إلى بغداد ليكون في أيدي قرائها خلال ساعات.. وكان رجال الجمارك في البلدين يبحثون عن كل شيءٍ في حقائب المسافرين ماعدا الكتاب، فإذا وقعت أعينهم عليه أخذوا له التحية؛ كانوا يعدونه عنواناً لثقافة مصونة؛ في مجتمع كان يقدس الحرف؛ يربأ به أن يقع على الأرض. ثم آل أمر الكتاب إلى رقيب وعتيد يقطعون أوصاله؛ إذا فُتح له باب، أوصدت في وجهه أبواب، وإلى ثقافة أحادية ربطت الطلاب بمقررات مدرسية لا يريمونها، فإن هم حادوا عنها أو مدوا أعينهم إلى مراجع غيرها؛ سقطوا في الامتحان العسير. ثم ربطت المجتمع بثقافة السلطة لا تريمها، وبصحافتها وإعلامها لا يحق له أن يمد بصره أو سمعه خارجها، بل إنها أمضت في حجب بصره وسمعه عن كل ما هو أبعد منها، وذلك لعمري هو جوهر محنة الكتاب وثقافة الكتاب.. لقد ارتدى الكتاب- تعليمياً كان أو ثقافياً- الزي الرسمي، ففقد بذلك هويته وكرامته التي كان يزهو بها في المجتمع؛ يمشي فيه حراً طليقاً تتداوله الأيدي وتلهج به الألسن وتعقد له المنتديات، وتدور حوله المناقشات. أخلص من ذلك إلى القول: إن الثقافة فعل مجتمعي يفقد هويته إذا ارتدى الزي الرسمي، من أجل ذلك لا نرى في المجتمعات المتقدمة وزارات للثقافة ولا للإعلام، ولا مقررات مدرسية ولا رقابات!! وإن العطب الذي حاق بالثقافة العربية، فأوقف حركة النهضة العربية التي تأججت مطلع القرن العشرين، وحرفها عن مسارها لتمشي في اتجاه معاكس لا تكتفي فيه بفقدان زخمها النهضوي، بل تهدم كل ما بنته إبان كفاحها في مواجهة معركة التتريك مطلع القرن، ومعركة فلسطين أواسطه.. إن هذا العطب لم يكن ناجماً عن حالة استرخاء طبيعي كالذي يصيب الأمم إبان سأمها من تكاليف التحرر والتحضر، ولم يكن بحاجة إلى كبير ذكاءٍ لاكتشاف أنه أمر دبر بليل من أجل تمرير المشروع الصهيوني، والتمهيد لقبول وجود إسرائيل، واستساغة تجرع كل العمليات الجراحية اللازمة لإحلال يهود قادمين من أطراف الأرض مكان أهل الأرض؛ من ارتكاب مذابح جماعية وقتل وتهجير وتشريد. وإن إصلاح هذا العطب الثقافي المخطط له بإحكام، لا بد له من مخطط مواجه على المستوى ذاته؛ مشروعُ العواصم الثقافية العربية أعجز من أن يستوعبه.

* ـ تواجه الثقافة في فلسطين حصاراً صهيونياً.. كيف يمكن العمل على كسر هذا الحصار؟

** ـ أما عن الحصار الثقافي، فهو هدف صهيوني وممارسة تكشف زيف دعاواها في الديمقراطية والتحضر، وها هي لا تكتفي بمنع كتب بعينها أو موضوعات يعينها، بل تصدر قرارها بمنع إدخال الكتب الصادرة في دول بعينها، وهي تحديداً سورية ولبنان، في الوقت الذي تتبجح فيه بتبنيها لحرية التعبير.. أيُّ تدليس!! وأيُّ نفاق!! وأما عن سبل كسر هذا الحصار، فقد تكفلت بها ثورتا المعلومات والاتصالات، اللتان هزئتا بكل الطغاة، وكسرتا كل الحواجز، وطارتا بالمعلومات فوقها عبر الشابكات (الإنترنت) والفضائيات.

وإن الثقافة بطبيعتها تتحدى كل القيود، ولن يكون المثقف أسير السلطة؛ بأي شكل من أشكالها، فحركة النشر العربي المتنامية كفيلة بتوفير وصيانة شرايين التواصل الثقافي، والقفز بها فوق الحدود، وحواجز القمع.      

وحيد تاجا

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.