لكلِّ جيلٍ ثقافته التي استمدها من الماضي وأضافَ إليها

الأحد, December 14, 2014
كاتب المقالة: 

«الانتماءُ هو الانتسابُ الذي يُجسِّدُ خيوطَ الولاء التي تَشدُّ الإنسانَ المُنتسبَ إلى ما يَنتسبُ إليه، فيرتبطُ به وينجذبُ إليه، ويُخلِصُ له، والثقافة بحسب تعريفَ مجمعُ اللُّغةِ العربيَّةِ القاهريِّ هي كُلُّ ما فيه استنارةٌ للذهن، وتهذيبٌ للذوقِ، وتنميةٌ لمَلكةِ النَّقدِ والحكم لدى الفرد أو في المجتمع وتشتملُ على المعارف والمُعتقدات، والفنِّ والأخلاق، وجميع القدرات التي يسهمُ بها الفردُ في مجتمعه، ولها طرقٌ ونماذجُ عمليةٌ وفكريةٌ وروحيةٌ» هذا ما أكده الدكتور ماهر حبيب في المحاضرة التي ألقاها مؤخراً في المركز الثقافي في طرطوس والتي جاءت بعنوان «مفهوم الانتماء الثقافي العربي وواقعه» حيث بين أن لكلِّ جيلٍ ثقافته التي استمدها من الماضي وأضافَ إليها ما أضافَ في الحاضر، مشيراً إلى آراء بعض المفكِّرين في تعريف الثَّقافة التي وصل عدد تعريفاتها إلى ما يزيدُ على خمسين تعريفاً، إذ إنَّ مصطلح الثَّقافة من أكثر المصطلحات العلميَّة تطوراً، وشمولاً، واستيعاباً، لمفهوماتٍ متعددةٍ ويمكن إيجازها بأنَّها الجانبُ الفكريُّ من الحضارة، بما فيه درجةُ التقدُّمِ لدى الفرد والجماعة، وجملة القيم والرؤى والمفاهيم في مجتمعٍ ما.
وأضاف: «ثمَّة من شبَّه الثَّقافة بالنِّسبة إلى مجتمعها كالرائحة للزهرة، لكن تلك الرائحة ظلَّت تفوحُ وتتكثَّفُ وتورق وتتشعب فروعاً وأغصاناً حتى أوشك أن يختلطَ أمرها مع أمر الزهرة ذاتها».
وذكر الباحث حبيب بعض الخصائص التي تميزت بها الثقافة كمفهوم إنسانيٍّ عام، وهي برأيه تراكمية يتمثَّلُها المجتمع خلال مراحل متتالية وطويلة من الزمن، وتنتقل من جيل إلى جيل عبر التنشئة الاجتماعيَّة فيكتسبُ الأطفالُ خلال مراحل نموهم الذوقَ العام للمجتمع، وثقافته، وهي سلوكٌ تعلميٌّ مُكتسَبٌ عن طريق اللُّغة بشكلٍ رئيسٍ، لافتاً إلى أن الثقافة تعكسُ السماتِ الثَّقافيَّة فكريَّاً ودينيَّاً وقانونيَّاً وفنيَّاً، كما تعكس التقاليد الخاصَّة، والعادات اللُّغويَّة النُّطقية للمجتمع وتختزنُها، وهي مُتباينة من مجتمع إلى آخر تبايناً شديداً إلى حد التناقض أحياناً، ونستطيعُ التعميمَ في دائرةٍ أشمل فنقول: «الثَّقافةُ ترصدُ أسسَ التغيُّر الحضاريِّ الإنسانيِّ في تاريخ الإنسانيَّة عبر القرون بدءاً من عصور ما قبل التاريخ، إلى عصر العولمة، وليس العالميَّة، مروراً بتطور أدوات الإنتاج، من عصر الصيد والرعي، إلى عصر الزِّراعة، فعصر التمدن وظهور المدن الكبرى، وتغيُّر وسائل الإنتاج، فعصر الثورات الصناعيَّة، وصولاً إلى عصر الاختراعات الجديدة وعصر الإنترنت وذوبان الخصوصيِّة الثَّقافيَّة».
وعن هويَّة الثَّقافة العربيَّة ومُكوِّناتها يذكر الباحث حبيب: «إن الهويَّة مصدرٌ صناعيٌّ مأخوذٌ من (هُو هُو) بمعنى أنَّها جوهرُ الشّيءِ وحقيقته، ويرى أن جوهر الثَّقافة العربية هو الإسلام الذي طبعها بطابعه وصبغته فعاداتها، وتقاليدها، وأعرافها، وآدابها، وفنونها، وسائر علومها الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، وفلسفة علومها الطبيعيَّة والتَّجريبيَّة، ونظرتها للكون، وللذات وللآخر.. ومعايير المقبول والمرفوض، والحلال والحرام في المسيرة الحياتيَّة لإنساننا كلُّ ذلك وما ماثله قد انطبع بطابع الإسلام، واصطبغ بصبغته ولذلك فإنَّ ثقافتَنا إسلاميَّةُ الهويَّة، وينطبق هذا الأمر حتى على العرب من غير المسلمين».
ونوه الباحث بنظرة الشاعر الناقد أدونيس إلى الثَّقافة من خلال الإنسان، إذ إن هذه النظرةً لا تخلو من الغلوِّ في التشاؤم، فيستشهدُ أولاً بقولٍ الفارابي: “كلُّ موجودٍ في ذاتهِ فذاتُهُ له، وكلُّ موجودِ في آلة فذاته لغيره” ثم يقول أدونيس: «لعلنا نجد في ذلك أساساً لتفسير سيادة مستويين من الثَّقافةِ في المجتمع العربيِّ؛ ثقافة تمجيد الراهن الموروث، وثقافة التناسل والأكل والعربيُّ في الحالين محصورٌ في المُستوى الآليِّ الحيوانيِّ للحياة الإنسانيَّة ولا يقدر أن يُمارس جوهره الإنسانيِّ حريَّة الإبداع سواء في الفنِّ أو الفلسفة أو العمل».
قريبٌ من ذلك يجد الكاتب إلياس مرقص عدم حاجة عشرات الملايين من العرب الزاحفين على بطونهم الذين يعيشون ليومهم إلى ثقافة، ويتابع قائلاً: “الذي يغزونا هو مجتمع الاستهلاك والانحلال والتغرُّب وضياع الإنسان كجملة علاقات اجتماعيَّة.
ويتساءل الدكتور حبيب «هل بقي من مقومَّات الثَّقافة العربيَّة ما يُغري بالانتماء إليها، أو بالتأثُّر بها، أمام مغريات الثَّقافة الوافدة وهي المكوِّن الأخير، الذي يتضحُ أنَّ التأثيُّرَ به أقوى بكثير، وأكثر إغراءً من المُكوِّنات الأخرى، والذي كلَّما تقدَّم بنا الزمن، قلت مساحةُ الثَّقافة العربيَّة فيه، ولاسيما أنَّ ذلك يحدثُ بتسارعٍ كبيرٍ».
ويقّر الدكتور حبيب بأنَّنا نواجهُ أخطرَ ظاهرةٍ اجتماعيَّةٍ واجهتها البشريَّة على امتداد عصورها دون سَندٍ من نظريَّة اجتماعيَّة مُتكاملة، لأنَّ علم الاجتماع تاه في غابات الأرقام ودوامة المنحنيات في اللَّحاق بالواقع الاجتماعيِّ. فالثَّقافةُ ظاهرةٌ اجتماعيَّةٌ لابدَّ لها كي تُؤتي ثمارها من أنْ تختمرَ وتنصهرَ تتفاعلَ وتترسَّخ، وأين هذا كله من سرعةِ تغيُّر السياسات، وتسارعِ حركة الاقتصاد في عصر المعلومات والاتصالات.
ويقول: إذا كانت الثَّقافة العربيَّة قُبيل عصر العولمة برأي بعض مفكرينا تجزيئيَّة استهلاكيَّة تعاني قمع السَّلطة، فإنَّنا أصبحنا نعاني بربرية ثقافيِّة في غلافٍ من وهمِ التقدُّم، على حدِّ قول جيمس ميد الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، لأنَّه إضافةِ إلى الخسائر على الصُّعُد الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، في عصر العولمة لابدَّ من أن تمتدَّ الخسارة إلى الثَّقافة فتصبحُ مُسطَّحة مُبتذلة، وستطردُ هذه الثَّقافة الرديئة الثَّقافةَ الجيدةَ ناهيك بالرفيعة، ولعلَّ هذا ما دفع لوردس اريزب المدير العام المُساعد لليونسكو لشؤون الثَّقافة إلى القول: الثَّقافة بحكم طبيعتها ترفضُ التهميش والاختزال، ولا يمكن لها أن تكونَ مجرَّد عاملٍ مُوازٍ لعمليَّة التَّنمية التكنولوجيَّة فليس دورها أنْ تكونَ خادماً من أجل تحقيق الغايات الماديَّة.
ويختم الدكتور ماهر حبيب بالقول: نعم هذا واقع الثَّقافة في عصر الاتصالات والمعلومات، الذي لا نكاد نجد مكاناً للثَّقافة العربيَّة فيه، ورغم ذلك لا تزال ترفع شركات الاتصالات العالميَّة شعاراً برَّاقاً هو الشِّعار الثُّلاثيِّ الآيات؛ أيِّ معلومات، في أيِّ وقت من أيِّ مكان، وإذاً نحن أمام ثقافة الوهم، وثقافة الهيمنة والاتجاه الواحد القائم على رفض التنوع الثقافيِّ، فالعولمة جنَّست ثقافات العالم، وطمست ملامح خصوصياتها.

المصدر: 
صحيفة تشرين
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.