لكن الفكر لا يموت

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

لكن الفكر لا يموت

محمد عدنان سالم

بعد حج عام 1971، قرر مالك السفر إلى دمشق لإطلاع رحمة، صغرى بناته التي لم تكن قد جاوزت الثامنة، وأمها، على بعض معالم الحضارة الإسلامية فيها خلال يومين أو ثلاثة، فإذا بدمشق تمسكه ثلاثة أشهر كاملة قضاها في حوار مستمر مع شبابها المتعطش للأفكار..  

وقد استغل شبان دمشق وشاباتها الفرصة، واستثاروا كل هموم النهضة ومشكلات الحضارة وكوامنِ الفكر المستقرة في ضمير مالك بن نبي، فاستطاعوا أن يمتحوا منها العصارة ويرتشفوا منها حتى الثمالة؛ في مجالس تفاعلية أرست قواعد مدرسة فكرية جديدة تنبض بالحيوية والنماء.

وتنبري صبية في أحد هذه المجالس التي انعقدت لمالك بن نبي في دمشق- وقد ازدحمت لديها الأفكار- لتسأله: ولكن من أين نبدأ؟، فيجيبها بكل حنان الأبوة الفكرية: يابنتي !! ابدئي من حيث بدأ الرسول؛ بدأ بفكرة ملأت عليه نفسه؛ فعاشها وطبقها، وتحمل من أجلها العذاب، ورفض عروض قريش المغرية قائلاً لعمه: " والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

سجل شبان دمشق وفتياتها كل ما دار في هذه المجالس بالصوت على أشرطتهم، ثم فرغوها على الورق بأقلامهم، ودفعوا بها إليه، ليصوب النظر فيها توكيداً وتوثيقاً، فإذا به يعيدها بدوره مهداةً إليهم "إلى هؤلاء الأبناء، وتلكم البنات- بناتنا المتعففات- الذين يمثلون في اعتقادي نخبة الشباب المسلم" مع مقدمة اختتمها بقوله: "وعليه، فكتاب مجالس دمشق هو في الحقيقة كتاب شبابها المؤمن المتنور، ومن ثم فليست هذه المقدمة سوى إهدائه لأصحابه" وأرخها في 13/8/1972.

لم يقدر لهذه المجالس أن ترى النور في الثلث الأخير من القرن العشرين الذي أراد مالك أن يستنهض فيه المسلم لحمل رسالته تجاه الذات لتنميتها، وتجاه العالم لأداء دور فاعل فيه..

ولقد راودتني- وأنا أصغي إلى صوت مالك المتهدج من وراء اثنين وثلاثين عاماً، ثم أعمد إلى نشره في مجالس دمشق- أفكار وتساؤلات!!

أترى هذه المجالس قد توارت هذه المدة كلها عن الأنظار، لتبرز لنا بكل أناقتها ونضارتها، في عام الذكرى المئوية، الذي نحتفل فيه بمرور مئة عام على ميلاد مالك بن نبي في قسنطينة عام 1905؟!

أم تُراها آثرت الانتظار ريثما يستكمل المسلم تجاربه المخفقة؛ لاهثاً وراء سراب أفكار القومية والليبرالية والعلمانية والاشتراكية، متخذاً منها شعارات ظلَّ يدندن بها، ويعدو وراءها، يحسب أن سيجد عندها ماءً يروي ظمأه، حتى إذا بلغها مبحوح الصوت، خائر القوى، لم يجد عندها شيئاً؟!

أم إنها لحظت مجيئها مواكبة حضارة الإنسان المسلم إبان هبوطها، ففضلت التريث، خشية الانجراف مع التيار بتأثير قوة الانحدار، قبل أن تبلغ به القاع، يتخذ منه قاعدة ينطلق منها للانخراط في دورة حضارة صاعدة، بكل متطلباتها من عمليات التبخير والتقطير المعقدة؟!

أم إنها أدركت مجيئها مبكرة في القرن العشرين، تستشرف قرناً جديداً بل ألفية جديدة، تجتاز البشرية فيه منعطفاً حاداً هو الأخطر في مراحل تطورها، تتحول فيه من عصر اقتصاد الصناعة المرتكز إلى الأشياء، إلى عصر اقتصاد المعرفة المستند إلى الأفكار، فانتظرت حتى يستوي بها الطريق بعد حدة المنعطف التي أخلت بتوازنه؟!

أم إن مالكاً ذاته ضن بصوته أن يكون صرخة في وادٍ، تذهب بها كلالة المسلم وانعدام فاعليته، فاحتفظ به على أشرطة التسجيل ليصدع بها فينا في الوقت الذي لم يعد يحتمل أي تأجيل، مؤمِّلاً أن تكون الكلمة قد استعادت طاقتها وقدراتها الفاعلة، بعد كل الصدمات العنيفة التي توقع لنا أن نواجهها؟!

أتُرى مالكاًَ كان سيحذف شيئاً من تصوراته لدور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين، أو يضيفُ شيئاً إليها، لو أنه أدرك صدمة الحادي عشر من سبتمبر، التي افتتحت أعمال القرن الحادي والعشرين، فأفقدت الحضارة الغربية صوابها، ،وأخلت بتوازنها، وكشفت عن هشاشة بنيانها الفكري والخلقي، على الرغم من كل تقدمها التكنولوجي وتفوقها الصناعي والعسكري؟!

ثم ماذا عن زماننا الميت، إذا كان خطاب سبعينات القرن الماضي، يمكن تكراره الآن، وكأنه ينشأ من جديد،لم يفلح ثلث قرن في إدخال كلمة واحدة منه إلى الذاكرة العربية الإسلامية بله الوعي والضمير؟!

أقد توقفت الأرض عن الدوران في فلكها، فتوقف الزمان، وسكن الكون ومات الإنسان؟!

أم إن الإنسان المسلم أخرج نفسه من دورة الزمان، فدخل مع أهل الكهف يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد؟!

مات مالك

يموت الإنسان بعد أن يؤدي دوراً ما في جيله، ليولد من جديد في جيل جديد، مفعم بالحيوية والشباب والطاقة، ينضم إلى ركب الحضارة الإنسانية، الذي أتخيله قد انطلق بالإنسان منذ هبوطه إلى الأرض؛ ضمن سفينة عملاقة تخترق به ظلمات بحر لجي، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، وتعصف به رياح عاتية تريد أن تستدرجه إلى شاطئ الفساد وسفك الدماء، فيغالبها ويتابع سيره وفقاً لخارطة طريق رسمها له الخالق؛ مثبتة في غرفة القيادة وعلى جدران السفينة، توضح له هدف الرحلة المضنية المنشود.

وزوده ببوصلة تحدد له الاتجاه، وكتاب بمثابة دليل للرحلة، وشروط للمسابقة التي أزمع المشاركة فيها، والامتحان الصعب الذي قرر خوضه بمحض اختياره، وجهز السفينة بأجهزة رصد دقيقة، ولوحة إلكترونية تسجل نشاطه الفكري، وحصاده المعرفي من تجاربه، والحلول التي يبتكرها لمشكلاته، وحاسب يختزن المعلومات المتراكمة لديه، وفق أرشيف دقيق قابل للبحث والاسترجاع الميسر، بحسب تاريخ المعلومة، أو موضوعها، أو عنوانها، أو مؤلفها. ويفرز إبداعات الأمم - التي تضيف جديداً إلى الفكر الإنساني؛ يدفع بسفينة الحضارة الإنسانية قدماً في مسيرتها إلى الهدف المنشود- من النشاط الفكري المتثائب الذي يجتر أفكار الماضي، فيعيد ويكرر ولا يضيف جديداً إلى الرصيد المعرفي للإنسان، يستحق أن يسجل باسم مبتكره.

كما يميز الحاسب بمعايير التقدم ذاتها؛ الأفكار الحية من الأفكار الميتة والقاتلة.

ومنذ أن كان الإنسان مشروعاً للخلق- عرضه الله تعالى على الملائكة ليكون خليفة في الأرض يحمل أمانة إعمارها- أوجست الملائكة خيفة من قدرته على سلوك النجدين، وتوقعت منه الانغماس في حمأة الفساد وسفك الدماء، لكنه نجح في أول امتحان له في مواجهة الملائكة؛ امتحان المعلومات، فاستحق سجود الملائكة له، وأثبت جدارته بظن الله به ولكنه ما لبث وزوجه أن سقطا في الامتحان الثاني مع الشيطان، فأكلا من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، فبدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، غير أنهما سرعان ما حققا ظن الخالق، وتحملا معاً مسؤولية الخطيئة الأولى {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [لأعراف:23] وعرض الله {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[الأحزاب:72] وقال الله: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}[الانشقاق:6]

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4].

وهبط الإنسان إلى الأرض، لم يكن فيها شيئاً مذكوراً، فما فتئ يصارع؛ يخطئ ويصيب، يتقدم ويتأخر، ويتعلم من تجاربه وتجارب الآخرين؛ يتعلم من الغراب كيف يواري سوأة أخيه بعد أن قتله فأصبح من النادمين، ويتعلم من النمل والنحل، وما زال يتأمل ويستكشف ويضاعف معلوماته، بوتائر متسارعة أصبحت تقاس بآحاد السنوات بعد أن كانت تقاس بآلافها.

يموت الإنسان لكن الفكر لا يموت

كأني بالفكر هو الإنسان الذي أسجد الله له ملائكته، وقبل منه تصديه لحمل الأمانة، فسخر له الكون، وأوكل إليه عمارة الأرض، وكلفه بالبحث عن الحقيقة التي ضيعها إبان ارتكابه الخطيئة في السماء، فلا يزال يبحث عنها في الآفاق، ما إن يأنس بقبس منها يستضيء به حتى يشع له قبس أكثر وهجاً وأسطع نوراً يجري وراءه، وأكبر ظني أنه لن يجده نهاية المطاف إلا في السماء عندما يعود إليها بعد فراغه من أداء امتحان {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}[الملك: من الآية2] ، ومن السير في الأرض لمعرفة بداية الخلق، ومن التفكر في خلق السماوات والأرض {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} [آل عمران: من الآية191]، يعود إليها ليجدها مكتوبة في اللوح المحفوظ، كما كانت قبل أن يضيعها أول مرة..

كأني بالفكر الإنساني هو السلك الرابط بين الأجيال المتعاقبة، يمضي جيل لينهض جيل جديد يكمل المسيرة إلى الغاية، فلا تسقط الراية، ولا يتوقف عقل الإنسان عن إنتاج الأفكار وتنميتها، ويموت الإنسان ويبقى الفكر في ريعان الشباب، حياً لا يموت..

مات مالك بن نبي

لكنه ترك فكراً إنسانياً حياً، استوعب مسيرة الحضارة الإنسانية الشاملة، وأدرك اطراد تقدم سفينتها العملاقة المبحرة بالإنسان منذ خطواته الأولى عندما لم يكن شيئاً مذكوراً، تنتقل به من عصر الصيد فاستئناس الحيوان ورعيه، إلى عصر الزراعة فالصناعة فالمعرفة، ولا تزال ماضية به ربما إلى عصر الحكمة، عبر صراع مرير؛ لن ينتهي على هذه الأرض.

مثلما أدرك مالك تداول الحضارات بين الأمم داخل السفينة، فأمة تصعد دهراً إلى سدة القيادة والريادة، وأمة تهبط إلى قاع السفينة، حيث الوقود وشؤون التموين، وأمة تتقدم الصفوف لتحمل الراية، وأخرى تتخلف مقتنعة بدور التابع الكَلِّ على مولاه أينما يوجهه لا يأتِ بخير، وذلك في دورات حضارية؛ رصد حركاتها ورسم خطها البياني إبان صعودها فبلوغها الذروة، ثم الهبوط، مستفيداً ومطوراً نظرية ابن خلدون في نشوء الدول وانهيارها..

دوّن مالك بن نبي فكره تحت عنوان شامل اختاره هو (مشكلات الحضارة).. لم يكتب ما كتب بوصفه أديباً أو شاعراً أو فيلسوفاً، إنما كتب بوصفه صاحب قضية مهموماً بها، أحاطت به، وامتلكت مشاعره، فعاشها وسخر لها حياته، فاستمدت حيويتها من حياته، وحيَّ هو بها، فإذا هو حاضر بيننا، كلما ألحت علينا مشكلات الحضارة، يصرخ فينا: حيَّ على الفلاح!! حيَّ على النهوض!!

لقد أرقت مالكاً مشكلة المسلم؛ سكونه، كلالته، عجزه، خروجه من دائرة الفعل، غيابه عن العالم، قعوده عن أداء دور فاعل فيه، طول أمده، فراح يحفر حولها في الأعماق يبحث عن جذورها، يحاول اجتثاثها؛ يشخص أدواءها، فتتلخص لديه في أنها أزمة حضارته، فقد أفاق المسلم من غفوته ليجد نفسه على خط الانحدار إلى الحضيض، والعالم من حوله يتسلق إلى الذرا.. توهم أن وضعه قانون وحتمية تاريخية لا فكاك له منها. حاول مالك إقناعه بإمكانية الانعطاف لاستعادة دوره الحضاري، فراح يترنم بتاريخ الأجداد، ويجتر حلولهم وإبداعاتهم وبرامجهم، متوهماً أنه سيطير بزمانه إلى زمانهم بدلاً من أن يستخدم مناهجهم لإنتاج حلول لمشكلاته.

وعلى الرغم من كياسة مالك ولباقته ورقة أحاسيسه وحلاوة حديثه، لم يكن أحد في مجلسه يستطيع أن يسرّي عنه همَّ النهضة، أو يخفف من إلحاحها وسيطرتها عليه.. كانت كل كلمة، أو خبر، أو حادثة، أو حتى نكتة، كافية لتكون منطلقاً لربطها بقانون من قوانين التاريخ لنشوء الحضارات وأفولها، ثم توظيفها في سنة من سنن التغيير الاجتماعي، وبناء شبكة علاقات مجتمع التحضر.

كنتُ بين جمهوره الذي تحدث إليه في جامعة الخرطوم عام 1968- بُعَيْد ما دعي بالنكسة- عن عجز تكديس منتجات الحضارة عن بناء الحضارة،ولم أملك نفسي- وأنا الذي لم أعتد التصفيق في المناسبات- أن أجدني مندمجاً مع الآلاف الذين التهبت أكفهم بالتصفيق، إثر خاتمته التي قال فيها " لذلك فإن الأسلحة التي تكدست في أيدينا عام 1967، أبت أن تطيع غير صانعيها".

كان مالك يومها من بين من دعتهم جامعة أم درمان الإسلامية إلى مؤتمر أقامته بمناسبة انقضاء أربعة عشر قرناً على تنـزل القرآن، تقديراً منها لإسهامه الكبير في بحوث القرآن الكريم من خلال كتابه النفيس (الظاهرة القرآنية)، وكنت مع ثلة من الأصدقاء من أساتذة الجامعة، نعد لاستقباله، ونحن نعرف طبائعه ورغباته التي لا تستريح إلى فنادق خمسة النجوم، فأعدّت له الجامعة يومها – بسعي من الأستاذ محمد المبارك، رحمه الله تعالى – سكناً مستقلاً مجهزاً بكل الخدمات.. فإذا به في اليوم التالي يهمس في أذن صديقه المبارك: ألا يوجد في الخرطوم زاوية لشيخ منقطع للعبادة، يقبلني بين مريديه، فآوي إليها؟ فذكر الأستاذ المبارك اسم الشيخ الفاتح قريب الله، وكان عالماً متعبداً مشهوداً له بالصلاح، ورتب الأستاذ المبارك الأمر، وقضى مالك أياماً مع الشيخ ذكر أنها كانت أسعد أيامه.

وكنتُ في الستينات من القرن الماضي، قد كتبت له، وكان مديراً للتعليم العالي في الجزائر، أن الأستاذ جودت سعيد يقوم بتدريس كتبه في حلقاتٍ يعقدها في الجامع الأموي وجامع المرابط في دمشق، فلم أره مستبشراً كما رأيته في إجابته التي أشعرني من خلالها بغبطته في أن فكره قد أخذ طريقه إلى الشباب المسلم، الذي إنما كتب ما كتب من أجله، وكان وصول صوته إليه أغلى أمنياته..

ولم تكن علاقة دار الفكر بمالك بن نبي مجرد علاقة ناشر بمؤلف. لقد اعتمدت دار الفكر منذ تأسيسها عام 1957 على منهج يتوخى العلم والإبداع والتجدد والحوار؛ يبحث عن الآخر وسيلة لتنمية الذات، وعن الشباب واسطة لبناء المستقبل، وعن الفعالية طريقاً للتغيير، ورأت في فكر بن نبي ما يثري منهجها و يحقق تطلعاتها، فتبنته رسالةً هاديةً تحملها إلى جيل ما يزال ضائعاً في التيه؛ يتلمس سبل الخروج منه.

كان اتصالها الأول بمالك عن طريق أحد مؤسسيها الأستاذ محمد الزعبي الذي كان يدير مكتبها في القاهرة، وكانت دار العروبة فيها تتولى إصدار كتبه، فتولت دار الفكر توزيعها في سورية، وتوطدت علاقة دار الفكر بمالك؛ توافقاً في الأفكار، ووحدة في الرؤى، وتطابقاً في الأهداف، علاقة أخذت طابع الرسالة والهمّ المشترك، فكان طبيعياً أن تثمر العلاقة الفكرية اضطلاع دار الفكر بنشر أعماله؛ نشرت بعضها في حياته، ثم تابعت نشرها بموجب عقود وثقها الأستاذ المحامي عمر مسقاوي، الوصي الثقافي الذي اختاره لها.

بذلت دار الفكر قصارى جهدها في خدمة أعمال مالك، نشرتها في سلسلة تحت عنوان مشكلات الحضارة، وصنعت لها فهارس للآيات والأحاديث والأعلام، وللمذاهب والجماعات والشعوب، وللمعاهدات والمؤتمرات والمنظمات، وللكتب والمراجع والمصادر؛ وأخرجتها الإخراج اللائق، وطورتها في طبعة تلو الطبعة، واتخذت للإعلان عنها وترويجها كل السبل المتاحة.

لم تلق كتب مالك الرواج الذي يستحقه فكر تنويري يحدد اتجاه السير للضائعين، ويضيء سبيل الخروج للحيارى التائهين.. ظلت كتبه حبيسة أيدي بعض النخب الثقافية، محجوبة عن الجمهور الذي من شأنه أن يصنع التغيير.. محجوبةً بأراجيفَ وأوهامٍ يتولى كبر ترويجها كل من يهمه إطالة أمد نوم المسلم، وتعثره وغيابه عن ساحة الفعل والنهوض.. فهي تارة فلسفية معقدة تستعصي على الأفهام، وهي تارة غربية المصادر لا تستشهد بالنصوص المعتمدة.. هكذا غيبت أفكار مالك على يد إسلامي تقليدي ماضوي، تتصاعد ثقته بالأفكار كلما أوغلت في الزمن الماضي، ويحجبها عن الفكر الحي الذي نعيش، مثلما غيبت على يد حداثي، لا يعترف بفكر لا ينهل من معين الفكر الغربي، ولا يولي وجهه شطره، منطلقاً من قطيعة معرفية حاسمة مع تاريخه وثقافته..

لكن الأمر الآن بات مختلفاً.

فقد أخفقت مشاريع النهضة كلها؛ التوفيقية التي أرادت أن تعالج مشكلات القرن العشرين بآليات اجتهاد القرون السالفة ومناهج تفكيرها وتأويلها؛ فعانت من غربة في الزمان، والحداثية التي نأت عن جذورها لتطرح فكراً هجيناً، وتبذر في الأرض بذوراً مستعارة لم تلبث أن اجتثت من فوق الأرض، لم تفلح في أن تتجذر فيها أو يقر لها قرار، فعانت من غربة في المكان..

وقد استحكمت أزمة الحضارة الغربية، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وتفرد القوة العظمى بقيادة العالم، وعجز الفلسفة الغربية ومنطلقاتها المادية، عن تقديم حلول لأزماتها المتلاحقة؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية، عجزاً تجلى في تردٍّ أخلاقي غير مسبوق ، أفقد الإنسانية كل مكتسباتها التي أحرزتها عبر تجاربها المريرة في حربيها العالميتين خلال القرن العشرين، ولم يبق للإنسان الغربي من الحقوق والضمانات ما يفخر به، مما أظهر هشاشة البنيان الحضاري الغربي ومرتكزاته الفلسفية والأخلاقية.

هكذا نرى أن قد آن الأوان لفكر مالك التنويري النهضوي الحضاري أن يبلغ مداه، وأن اللحظة التاريخية المواتية لإقلاعه قد حانت، وأن وعي الإنسان في عصر العولمة والانفجار المعرفي، بات مستعداً لتلقفه:

والعشق فياض وأمة أحمد       يتأهب التاريخ لاستقبالها

تشعر دار الفكر الآن بمسؤولية كبرى إزاء هذه اللحظة التاريخية السانحة، وبالحاجة إلى الخروج بفكر مالك بن نبي من أيدي النخب الثقافية التي تدندن به في أبراجها العاجية، إلى أيدي الناس العاديين في المجتمع، فلا قوة لكلمة تعيش معزولة في الأبراج، لا تمشي بين الناس في الأسواق، ولن تتحول من إطار النظر إلى نطاق الفعل، إلا إذا ولجت قيمها في ضمائرهم، واستقرت في وجدانهم، لتتجسد في سلوكهم وعملهم، وما لم تفعل ذلك ظلت ظاهرة صوتية تؤوب بمقت الله {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف:3].

ومن أجل ذلك تتأهب دار الفكر لاستخدام كل الوسائل لإيصال هذا الفكر إلى أعمق الشرائح الاجتماعية؛ تعقد له الندوات والمؤتمرات والمسابقات، تبسطه لتقريبه إلى كل الأفهام، تنظم له دورات تدريبية تعيد صياغة حياة الإنسان المسلم وفق قواعده الكبرى. تقدمه للأطفال مستخدمة لذلك الوسائط المتعددة، وكل تقنيات الاتصال ووسائل الإعلام.

وهي إذ درجت على اتخاذ شعار سنوي لها تعمل في إطاره كل عام، ليسعدها أن تعلن من الجزائر، أن شعارها لعام 2006 هو (الإحياء الحضاري)، كما رسمه مالك بن نبي للإنسان المسلم، يقوِّم به نفسه ويحمله رسالة للآخرين.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: