لماذا الصلاة في الإسلام؟!

الخميس, February 22, 2018
كاتب المقالة: 

عنوان هذا المقال مقتبس من عنوان كتاب لمؤلفه" أحمد بسام ساعي"؛ سوريٌ من مواليد اللاذقية، وهو متخصص في اللغة العربية، وله العديد من الأبحاث والدراسات في شتى النواحي اللغوية والدينية والعقائدية وعلوم القرآن، كما أنهعضو في عدد من المجالس العلمية في بريطانيا وماليزيا. وبالبحث في مؤلفات " ساعي " نجد أنه مفكّر إسلاميٌ غير تقليدي؛ يتحرّى الكتابة في القضايا التي تكمن ما بين السطور في المجالات الفقهية والعقائدية.

سوف نتطرق، فيما يأتي، إلى واحدٍ من مؤلفات " ساعي " ، وهو كتابه بعنوان "إدارة الصلاة: إعادة اكتشاف الركن الثاني في الإسلام"، الصادر عن "دار الفكر" في العام 2015. يتألف الكتاب من (392) صفحة من القطع المتوسط، يتوزع عليها ثلاث قبب، يمكن للقارئ التجوال بين منابرها وحلقاتها، وما فيها من العلم والمعرفة، وهي:

القبّة الأولى: يتوفر تحتها فرصة التجوال للإجابة عن سؤال –تساؤل- يطرحه المؤلف بعنوان: "لماذا الصلاة"، وتضم هذه القبة (18) حلقة تتوزع على أربعة منابر، هي: الصلاة الواجب والحق، والصلاة والحياة، وتنوّع صلاتنا، والاستعداد للرحلة الكبيرة.

القبّة الثانية: وهي القبّة الأكبر حجمًا ومساحة، بعنوان: "أسرار الصلاة"، تضم (27) حلقة تتوزع على ستة منابر، هي: أسرار الجمعة والجماعة، والمعراج إلى الله، ولوحة القيادة والصعود، وأسرار لغة الصلاة، وأسرار الفاتحة والقراءة، وأسرار الجلوس الأخير.

القبّة الثالثة: وقد جاءت بعنوان: "الحصاد"، وهي القبة الأصغر حجمًا، حيث تضم (6) حلقات تتوزع على ثلاثة منابر، هي: العودة إلى الأرض، والرصيد، وسلّم الدرجات.

وينهي "ساعي "بمآلات" كتابه الذي جعله "يدرك حقيقة الصلاة وجوهرها، وطبيعة دورها التفاعلي مع النفس ومع الحياة، والأثر الذي يخرج به المصلي من صلاته، كما جعله يدرك أن الصلاة هي الحياة، وأن الحياة، بكل تفاصيلها وجزئيّاتها، هي نوعٌ، بل أنواعٌ مختلفة ومتلوّنةٌ من أنواع الصلاة، ليوجه نداءه إلى القارئ: لتكن حياتك صلاة (ص: 382).

يشير الكاتب-الباحث إلى أنه على مستوى المراجع والمصادر، اعتمد على الكتاب والسنّة، وأن اعتماده على السنّة النبوية كان أكبر؛ لأنها فصّلت عن الصلاة وأحكامها وأسرارها في آلاف الأحاديث ما أجمله القرآن في آيات قليلةٍ معدودة. كما أن منهجه لم يكن البدء بالآيات أو الأحاديث ليستمد منها أفكاره، بل كانت أفكاره هي التي تقوده إلى الحديث أو الآية التي تؤكدها وتجلوه، مما كان يثبت له تناغم النص الإسلامي مع النفس البشرية، ومع الفطرة إنسانية السليمة، بعيدًا عن الغوص في أحكام الصلاة والخلافات الفقهية بين المذاهب حولها؛ فكان الهدف "إعادة اكتشاف هذا الركن الثاني العظيم من أركان الإسلام" (ص: 21). 

ونظرًا لأهمية مواضيع هذا الكتاب، فقد وجدتُني مضطرًا لعرض أبرز ما وجدته من حلقات ومنابر القبّة الأولى، على أن يتم عرض القبتين الأخريين في فرصة أخرى عاجلة إن شاء الله.

لماذا إدارة الصلاة؟

للإجابة عن هذا السؤال، يذكّرنا المؤلف بما دأب عليه الناس على دراسة إدارة أعمال الدنيا؛ لكي يستثمروها خيرَ استثمار، وليجنوا منها ما شاؤوا من ربح، فلمَ لا يكون لأعمال الآخرة إدارتها، ووفق المآلات التي توصل إليها أعلاه، فهل من عملٍ كالصلاة أريد به خير الدنيا والآخرة معًا؟ (ص: 15).

الصلاة: تفوق الجهاد.. وهي واجب وحق وحياة

لقد وُجِدت الصلاة في الأديان كلها، وأما في الإسلام فإنها تحتلُّ عند الله ورسوله درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، وهي تفوق الجهاد والقتال والاستشهاد في ميادين المعارك والقتال، فالصلاة مدرسة لتخريج المجاهدين والمرابطين وكل من نذروا أنفسهم وأعمالهم وأولادهم لله تعالى؛ وذلك لأنها "الخزّان" الذي تنمو في أعماق مياهه جذور التضحية والفداء والنقاء والتقى، والتحرر من المادّة وخلوص النفس لله تعالى، وهذه جميعًا هي الأرضية التي تنطلق منها روح الجهاد وأفواج المجاهدين؛ مجاهدي النفس أولًا، ثم مجاهدي الدفاع عن الحق والأرض والعرض والكرامة... الخ.

لذلك، كان رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، يفضّلها على أي عبادة أخرى، ويستشهد الكاتب بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يكاد يصوم، وقال: "إنّي إذا ضعفتُ  عن الصلاة، والصلاة أحبُّ إليّ من الصيام" فإن صام صلى الله عليه وسلّم صام ثلاثة أيام من الشهر" (ص: 27-28).

من جانبٍ آخر، تبدأ الصلاة في الشرع كواجبٍ، ولم يرَ الصحابة ما يُخرج من الإسلام غير ترك الصلاة(ص: 30). والواجب يرتبط دائمًا في ذاكرتنا بالعبء، والعبء أمر ثقيل على النفس؛ ترى فيه عنصرًا آخذًا لا مانحًا، لأنه يحرمها من بعض حقها في الوقت والراحة (ص: 34-35).

عندما ينضج إيمان المرء، ويشتد عوده، يدرك قيمة الصلاة؛ فيتخذها "حقًا" من حقوقه اليومية، ومشروع مشاريعه الاستثمارية كلها، يتشبث به ويقاتل ليسترده ممّن يحاول انتزاعه منه، لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: "جُعِلَتْ قٌرّة عيني في الصّلاة" (ص: 36)، وعندما ننجح في الانتقال بمفهومنا للصلاة من مرحلة "الواجب" إلى مرحلة "الحق" نكون قد بدأنا أول خطوة في الطريق التي تقودنا إلى تحويل كل ما في هذه الحياة إلى "حقوق" - والحق لا يخلو من عنصر الواجب- نستمتع بممارستها ونتلذذ بحصادها([1])(ص: 38).         

الصلاة: خط الاتصال بيننا وبين الله

الإنسان دائم الحاجة إلى قوة عليا متفوقة يستند إليها إذا وقع في شِدَّةٍ، لا سيما إذا كان "يؤمن" بأن هذه القوة هي التي أعطته كلّ ما يملك في حياته، وأن بيدها موارد معيشته، وأن إليها مرجعه في النهاية لتكافئه أو تعاقبه على ما قدّم في هذه الحياة (ص: 45). ووفق هذا السياق، تكون الصلاة هي "الخط الساخن بيننا وبين الله سبحانه وتعالى"، وقد جاءت الصلاة مسبوقة بحركات تتلخص فيما يأتي (ص: 46-47):

1)    الإعداد والاستعداد: طهارةٌ، وضوءٌ، واتخاذ زينة وهندامٍ.

2)    الأذان: كلمات تمهيدية موجزة تسمى الأذان، يُختصر بها الدين كلُّه، وتدعوك إلى لقاء ربّ هذا الدين.

3)    الإقامة: التوجه مع الملايين إلى قبلة واحدة لها رمزيتها التاريخية والقدسية الفريدة.

4)    نحو القبلة: رفع اليدين وتوجيه الكفّين نحو تلك القبلة ونحن نردد "الله أكبر"؛ عبارة تنسينا كل ما وراءنا؛ لأن ما أمامنا الآن هو أكبر بكثير من كل ما تركناه خلفنا من أمور الدنيا وشواغلها.

5)    الخشوع: يلي ما سبق الوقوف بين يدي الله والعينين مثبتتان إلى الأرض بأدب وتهيّب وخشوع كبير.

6)    افتتاح الصلاة: بقراءة نص إلهيٍّ –سورة الفاتحة- وما فيه من أطيب الثناء والحمد لرب العالمين؛ لأنه الرحمن الرحيم، الذي نعترف بالخضوع له وبجلال امتلاكه لمقاليد ذلك اليوم العظيم "يوم الدين"، ثم تأكيد العبودية المطلقة له قبل أن نبدأ بطلب الرحمة منه والاستعانة به.

7)    تلاوة نصٍّ إلهيّ: إذ نختار بأنفسنا من كتابه العزيز نصّاً يجعلنا أكثر اقترابًا منه، وأزكى شعورًا بدفء دواره، وإيمانًا بقرب إجابته.

8)    الانحناء لله جل شأنه والارتفاع والسجود: إذ ننحني له سبحانه تسعين درجة لخضوعنا واستسلامنا، مع ترديد عبارات التعظيم والتسبيح، ويليه الارتفاع من جديد حامدين شاكرين، تمهيدًا للهبوط إلى الأرض وتعفير الجبهة بالتراب، ونحن نردد المزيد من كلمات الإعلاء والتنزيه والخضوع. ويتكرر ذلك قبل أن نصل إلى الجلسة الأخيرة.

9)    جلسة أخيرة: وهي الجلسة التي نضع فيها أنفسنا بين يديه سبحانه مطمئنّين مستسلمين، موجهين إليه التحيات والصلوات والطيبات، ومسلّمين على رسوله الكريم، ثم على أنفسنا وعلى سائر عباد الله الصالحين، لننتهي من كل ذلك بإعلان وحدانيته، وبتأكيد نبوّة نبيّه، وتأكيد عبوديّة هذا النبي الكريم، قبل أن نرفع إليه صلاتنا على النبي وعلى أبيه وأبينا وأبي الأنبياء، إبراهيم عليه السلام، وقد حملا لنا هذا السر العظيم الذي يفتح لنا خط الاتصال بربّ العالمين، ثم لنختم لقاءنا معه بالتسليمتين، وما قد يتلوهما من أدعية وأورادٍ وجلسةٍ هادئة رائعة، بين يدي ملك الملوك سبحانه.

الصلاة تدير حياتنا

تأتي الصلوات الخمس بمثابة مواعيد حدّدها الله سبحانه لك للالتقاء به والجلوس بين يديه سبحانه. وفيما بين مواعيد الصلاة تلك أعمال كثيرة أخرى لا بد من أدائها، ولا يعفى أحد من تأدية الصلاة، وأن (من نسيَ صلاة أو نام عنها فكفّارتها أن يصلّيها إذا ذكرها)([2]) (ص: 66).

تأتي صلاة الفجر في ركعتين اثنتين، التي تضعك في أجواء الشكر لله وأنت تنبعث من الموت المؤقت، حيث لم نخُض بعد مشاغل اليوم ومشكلاته وارتباطاته ومسؤولياته، وتأتي صلاة الظهر في أكبر عدد من الركعات([3])، التي تنشلك من زحمة المشاغل؛ لتعطينا شحنة مكثّفة من المضادات الحيوية التي تقينا شرّ ما نتعرض له في رحلة عملنا اليوميّ الشاقة، ومع اقتراب النهار من نهايته تبدأ الصلوات بالتقارب، وتحافظ على وتيرة عالية من عدد الركعات، فتأتينا شحنة جديدة من صلاة العصر، في أربع ركعات، التي توشك معها أن تودع نهارك، يسبقها أربع ركعات سنّة غير مؤكدة. ومع اقتراب الليل –مأوى الفتن والمغريات- تأتيصلاة المغرب، وهي صلاة نهاية النهار، بطول معتدل (بركعاتها الثلاث)، وهي تنبئ عن اقتراب صلاة العشاء؛ صلاة قريبة منها جدًا، وطويلة جدًا، تتقارب معها وتختتم لنا يومنا، والتي تأتي استعدادًا للموت المؤقت من جديد ومراجعة لعمل النهار ومحاسبة أخيرة للنَّفْس (ص: 84-86).  

ويتناسب عدد ركعات الصلاة، بفرائضها وسننها، تناسبًا طرديًا مع ازدياد خطورة الفتنة؛ فأقصره الفجر حيث لا يزال المرء في أول يومه ولم يخض في أوحال الحياة اليومية وفتنها، وأطولها الظهر، حيث يصبح المرء في عين العاصفة التي تهبّ علينا من شتّى جوانب حياتنا المادّية، ثم العشاء حين يحمل لك الليل في طيّاته ألوانًا من وساوس الشيطان ومزالق الفتن. وهكذا، تلعب الصلاة دورًا مهمًا في حياتنا، وفق مفهوم "الحق" البطيء والهادئ لها (ص: 71-72).

تنوّع الصلاة: الدرس الأول في الحضارة

تتنوع الصلاة في أوقاتها، وعدد ركعاتها، وبين فرضٍ وسنة (مؤكدة وغير مؤكدة وقبلية وبعدية) ووتر، وسرية وجهرية، وجماعية وفردية، والقراءات فيها وطرق قراءتها وحجم السور التي نختارها في صلواتنا، وأشكالها، وتبدّل النصوص مع تغير الحركات؛ فللوقوف تلاواته، وللركوع تسبيحاته، وللسجود تسبيحات أخرى، وللجلوس قراءاته وأدعيته وأذكاره (ص: 73-74).

كما أن هناك تنوعًا آخر في الصلاة، كصلاة الجمعة، وصلاة قيام رمضان (التراويح)، وصلوات التهجد، وصلاتي العيدين: الفطر والأضحى، وصلاة الخوف، وصلاة الجنازة، وصلاة التسبيح([4])، وصلاة الاستسقاء، وصلاة التوبة، وصلاة الحاجة، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستخارة، وصلاة الجمع والقصر (في سفر أو مطر أو حج)،   (ص: 87-88). 

وقد كان هذا التنوّع هو المدرسة الأولى التي يمارس فيها دماغ الطفل المسلم، بدءًا من عمر سبع سنوات، تدريباته الفيزيائية لتوسيع خلايا الدماغ وتهيئته للتفكير والحفظ والتحليل والابتكار والإبداع، وترتيب الأفكار، وهي مدرسة تتعلم فيها أدمغة الأطفال كيف ترتّب أفكارها، وتشعّب مسائلها، وتؤسس علومها وآفاقها الحضارية (ص: 73-74، 81).

كما أن في هذا التنوّع مدرسة للمرونة وقبول الآخر، فيما يعنيه من التكيف مع الزمن ومع البيئة، ومع الظروف التي يمكن أن تتنوع لدى كلٍّ منا (ص: 89)، فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، المعلم الأول في ذلك في النوافل من عباداته: فيتغير عددها، وتتغير أوقاتها، ويتغير طولها وقصرها وتقديمها وتأخيرها بحسب تغير الظروف الأحوال (ص: 91).

كما أن هناك وظيفة أخرى للصلاة وهي "الخشوع"، والعدو الأول للخشوع هو سيطرة عنصر الرتابة والتكرار والتلقائية، الألفة القاتلة على ميكانيكية الصلاة، وعدم استثمار التنويع في الصلاة، بحيث تفقد معناها الحقيقي (ص: 76-78).   

تعدد الأوضاع والحركات وتبدلها في الصلاة

لا شك في أن أداء الصلاة في الإسلام يختلف عن أداء الصلاة في أي ديانة أخرى؛ فقد تعددت فيها أوضاع الجسم. وفي تأويل ذلك يشير الكاتب إلى أن عقولنا أعجز من أن تصل إلى الحقيقة الكاملة والحكمة الإلهية وراء كل حركةٍ أو وضع نتخذه في صلاتنا (ص: 94)، إلا أنه "يجتهد" في أن يرد ذلك إلى تأويلات عدة، منها (ص: 93-94):

1)    توفر عنصر "التنويع" وتجنب خطر التكرار والرتوب والشرود.

2)    في الأوضاع المتبدّلة التي تصاحب القراءة، تدريب على استيعاب ما نقرأ، ولتصدق تطبيقاتنا وحركاتنا ما يخرج من شفاهنا؛ فيكون هذا بمثابة تأكيد منا على اقتران قولنا بفعلنا، وعلى ثقتنا الكاملة وإيماننا الصادق بما نقول.

3)    هناك نوعان من الحديث في الصلاة: النوع الأول: الحديث إلى الله بكلام الله (القرآن)، يقتضي وقوفنا التام أمام الله، والنوع الثاني: إلقاء التحية على الله ثم على رسوله الكريم قبل أن نلقي السلام على أنفسنا وعلى عباد الله الصالحين، وهو قمّة المواقف في الصلاة وأشدّها حميميّة واتصالًا بالله، ما يقتضي الاسترخاء التام والاستسلام والخضوع لمن نجلس بين يديه ونتوجه إليه بالتحية والتسليم.

4)    إن حركاتنا في الصلاة، على خصوصيتها المتناهية وروحانيتها المطلقة، تؤدي دوراً دنيوياً مادياً أيضاً، فهي تشمل كل مفصلٍ من مفاصل الجسم، ليس الرئيس منها فحسب كالظهر والصدر والذراعين والرجلين، بل الفرعي والصغير منها أيضاً كمفاصل الرقبة والكفين وأصابع اليدين والقدمين. أي أن المسلم يمارس الرياضة المزدوجة: الروحية والجسدية، ولمدة ساعة أو أكثر كل يوم، للخروج بثمرات فريدة تجمع بين الدنيا والآخرة.

الاستعداد للرحلة الكبيرة

يتطرق الكاتب تحت هذا "المنبر" إلى أربع حلقات اختصت بالأذان والوضوء والمسجد وفي انتظار الصلاة:

أولًا: الأذان: فرض الصلاة عمل جماعي، وما الأذان إلا إسباغ لهذه "الجماعية" على الصلاة، ودعوة لأفراد هذا العمل المشترك للاجتماع وأدائه معًا في زمن واحدٍ، ومكانٍ واحدٍ، وخلف رجلٍ واحدٍ، وما في ذلك من تقارب وتكاتف وتفاهم وتحابب بين أبناء الأمة الواحدة([5]) (ص: 109).

إن الأذان الذي قد جاء بكلمات قليلة محددة في أسلوب فريد، دون استخدام للأدوات أو الروابط اللغوية (مثل: إنّ، أو لقد أو الفاء... الخ)([6]) ، بمثابة صلاةٍ جهرية إعلامية تحريضية تعلن على الملأ كصلاة تمهيدية قصيرة، وتهيئ المؤمن لصلاته الطويلة التالية([7])(ص: 111-113). وقد كانت للمؤذن مكانته في الإسلام، ومن ثمّ كانت له شروطه ومسؤولياته التي تراعي هذه المكانة وتحافظ عليها(ص: 121).       

ثانيًا: الوضوء:. ما من دين ربط عقيدته وصلاته وعباداته وحضارته كلّها بالطهارة –طهارة النفس والجسد- والاغتسال والوضوء كما فعل الإسلام (ص: 124). والوضوء مشتق من الضوء؛ لأنه يبعث النور في الوجه وفي القلب معًا (ص: 129). والوضوء نوعان: داخلي مرتبط بطهارة النفس الداخلية، وما يتطلبه الأمر من نيّة التطهر مما علق بالنفس من أقذار تراكمت في داخلها من غلٍّ وحسد ودناءة ومعصية... الخ (ص: 125). وأما النوع الثاني من الوضوء فخارجي يتعلق بالطهارة والنظافة. وأما التّيمم فهو بمثابة رسالة لامائية إلى القلب كي يستعد للقاء الله (ص: 128).    

ثالثًا: المسجد: هو المكان الوحيد الذي ليس لأحدٍ أن يدّعي امتلاكه؛ فهو الذي يلتقي فيه المؤمنون على أتم طهارة خارجية بالوضوء وداخلية بنقاء النفس والعزوف عن الدنيا، مختص بذكر الله وتلاوة آياته ومناجاته، قبل الصلاة وخلالها وبعدها، لا يرتفع فيه صوت، ولا تعلو بين جدرانه حركة، إنه "بيت الله"(ص: 136-137)، قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 18). ولا يجوز لمن سمع الأذان التخلف عن الصلاة في المسجد، إلا لمن رُخِّص له بسبب خوف أو مرض أو مطر وطين (ص: 141). وللمسجد آداب يصعب حصرها في هذه العجالة، ولكن لا بد من الإشارة إلى النهي عن الشراء والبيع في المسجد أو إنشاد الضالة أو إنشاد الشعر، وتجنيبه الصبيان والمجانين(ص: 148-149).  

رابعًا: في انتظار الصلاة: إن الوقت الذي تصرفه للاستعداد للخروج إلى المسجد بمثابة صلاة، وفي الطريق إلى المسجد بمثابة صلاة، وانتظارك للصلاة بمثابة صلاة (ص: 154). وأجمل وصف نبويّ لجلساء المساجد: (إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا؛ الْمَلائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ، إِنْ غَابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ، وَإِنْ مُرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ. ثم قَالَ: جَلِيسُ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَخٍ مُسْتَفَادٍ، أَوْ كَلِمَةٍ مُحْكَمَةٍ، أَوْ رَحْمَةٍ مُنْتَظَرَةٍ) (ص: 155).

ختامًا،

لقد أمسك  "أحمد بسام ساعي" بأيدينا في جولة في ربوع الركن الثاني للإسلام، وهو الصلاة، التي تأتي بعد الركن الأول الذي يضمن لنا الآخرة، فتأتي الصلاة -الركن الثاني- تضمن للمؤمن الدنيا والآخرة معًا. وكما ذكرت في المقدمة، فإن جولتنا هذه لم تشمل قبّتي "أسرار الصلاة" و"الحصاد"، وإنما "كانت تحت قبة واحدة فقط "لماذا الصلاة؟"، والتي استخلصنا منها عظمة هذا الركن، وأثره في حياتنا، فرادى وجماعة، لما لها من دور في تهذيب النفس، وتنقيتها من الأدران التي تعلق بها، من حيث ندري أو لا ندري، فتأتي الصلاة لما فيها من أفعال وأقوال وحركات، وما يسبقها من إعداد واستعداد، لتغسلنا بالماء والثلج والبرد، وتجلي نفوسنا، وتريح بالنا.

لأننا اتفقنا مع الكاتب بأن "الصلاة حياة"، فإن حياة المواظب على الصلاة، والمستجيب دومًا لنداء الأذان بالمشي إلى المساجد -ما لم يكن له عذر يقعده- هي حياة آمنة مطمئنة مستظلة بظلال الرحمن جلّ في علاه، كيف لا والمساجد هي بيوت الله. وعليه، نقول: لقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة كل من حرم نفسه من ضيافة الله سبحانه في بيوته تلك!

فلسطين، بيت لحم، العبيدية، 29/06/2017م

 

 


[1] جميع الواجبات الدينية تتحول إلى حقوق في النهاية، وعلى المرء أن يبحث عن الحق وراء كل واجب؛ فالحج واجبٌ وهمةٌ وسفرٌ ونصَبٌ وتكاليف ومخاطر، والصدقة واجبٌ وسعيٌ وتكاليف، والصيام واجبٌ وفرضٌ وجوعٌ وعطشٌ ومصابرةٌ ومشقة (ص: 39).

[2] رواه مسلم، عن أنس بن مالك.

[3] تكاد صلاة الظهر تستأثر بنصف ركعات اليوم كله من السنن المؤكدة (ست ركعات).

[4] دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأداء صلاة التسبيح ولو مرة في العام أو في العمر.

[5] لم تتطلب السنن أو النوافل، وهي تؤدى عادة بشكل فردي، أذانًا ولا إقامة، رغم أنها صلوات أيضًا.

[6] جاء الأذان بلغة حياديّة لا تعود إلى ضمير محدد، إلا الشهادتان جاءتا بلغة فردية لما فيهما من معنى المسؤولية الفردية.

[7] يقول المؤلف: لو سئلت اليوم: كم نوعًا الصلاة؟ لأجبت: سرّيٌّ، وجهريٌّ، وعالي الصوت (الأذان)، وأن لكلٍّ من هذه الصلوات الثلاث دوره المهم والمتكامل في إدارة حياتنا وصلاح أمرنا (ص: 122

نشر في مجلة الإسراء. تصدر عن دار الإفتاء الفلسطينية. العدد 138، شباط وآذار/ 2018، ص ص: 20-30

 

المصدر: 
مجلة الإسراء
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.