ماذا يعني لك رمضان؟ بقلم سحر مهايني

السبت, June 10, 2017
كاتب المقالة: 

إن أول ماتبادر الى ذهني حين وجه الي هذا السؤال هو القول : أهلًا رمضان ، أهلا بالحبيب الغائب ، أهلا بشهر الرحمة والنفحات الربانية ، اهلًا بشهر القرآن ،فرمضان هو شهر اختص به الله عز وجل عباده المؤمنين بالرحمة والأجر الكبير لأنهم تَرَكُوا شهوتهم وأمسكوا عن الطعام والشراب والمعاشرة الزوجية  - الحلال - امتثالا لأمر الله  ، من الفجر وحتى غروب الشمس في دورة إعداد وتاسيس ولمدة ثلاثين يوما لاستئناف حياة ما بعد رمضان على نحو أفضل ، نكون فيه اكثر صبرا وحلما وترفعا عن الشهوات  ، وأوضح رؤية وهدفاً.. نعم قد يستغرب غير المسلم الأمر ويجعله يتساءل :وهل الله بحاجة لان يترك عباده طعامهم وشرابهم -وخاصة في أشهر الصيف -ليتحقق من إيمانهم وطاعتهم له ؟؟؟؟؟!!!!! الجواب  : ان الله عز وجل لم يفرض علينا شيء لذاته ، فهو الغني عنا ونحن الفقراء اليه، وما كتب علينا الصيام الا لتحقيق هدف واحد هو" لعلكم تتقون"، ولا يدرك تلك الحقيقة إلا من عاشها في رمضان  ، وأنا هنا إذ أتحدث عن نفسي أقول إن أول ما أضافه  لي هذا الشهر  الكريم هو " ضبط النفس" وترك حاجات الجسد من اجل الارتقاء بالنفس والروح ،لتستشعر  القرب من الله عز  وجل ، وذلك بالإكثار من الصلاة والدعاء  ومدارسة كتاب الله .... 

نعم انا أترقب  شهر رمضان كما  يترقب أحدنا إجازته السنوية ، لأَنِّي بعد احدى عشر شهرا من الركض المستمر في العديد من مجالات الحياة  ، أشعر بالتعب والرغبة في أن أستريح وأهدأ مع نفسي في اجازة روحية أكون فيها مع الله ،أطوف برحاب كتابه الكريم وأنهل من كنوزه ،أعيد ترتيب حساباتي ، وأنظر في أولوياتي وأقف بصدق مع  ذاتي لمراجعة أخطائي والتعهد بإصلاحها لأكون إنسانة أفضل.... 

إن هذا الشهر المبارك  يمنحني سعادة كبيرة  ، أجد متعته في  لمة أفراد الاسرة على طاولة طعام واحدة وفي وقت واحد ، وأجد متعته في المزيد من التواصل بين  الأقارب والاصحاب ، حتى وان كان عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، بل إن اكثر ما يمنحني السعادة  هو أن أكون طرفا في سد حاجة الملهوف ...

ان المسلمين هنا في أمريكا يجتمعون في ساعة الأفطار  حول موائد الإفطار التي تقام  في ساحات المساجد ويشكلون مع بعضهم البعض مجتمعاً متجانساً، أيا كان العرق والوطن واللغة ، حتى ان كثيرا من الأمريكيين  الغير مسلمين يدعون الى المشاركة في مأدبة الافطار . فالطعام وسيط اجتماعي يقرب الانسان من أخيه الانسان... 

رمضان شهر إجازتي السنوية ، شهر راحة جسدي من ثقل الطعام وراحة قلبي بالتقرب من الله بمزيد من الطاعات والأعمال الصالحة التي أخدم  فيها المسلمين خاصة،  والناس عامة   ، سواء أكنت في سورية ام في أمريكا  ،  والخلق - كما يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - كلهم عيال الله وأحبهم الى الله أنفعهم لعياله )....

رمضان منعطف سنوي يمنحني الصفاء الداخلي والتناغم مع الذات والسلام مع النفس والآخر ، 

وكم أشعر حين يقارب الرحيل بالحزن شوقاً إليه والأمل في أن يرزقني الله ملاقاته من جديد..

اكتب الآن وعيوني تفيض بالدمع اذ هيجتني الكتابة على تذكر تلك الأيام الجميلة التي كنت أمضيها في بلدي سورية قبل الحرب وأجمل مافيها تلك الحركة الغير اعتيادية في الشوارع والازدحام الشديد قبل ساعة الافطار ولكن ما إن تصدح المآذن في المساجد بالأذان معلنة ساعة الافطار حتى يعم الهدوء  ، وتبدأ الاضواء تتلألأ في  المنازل لتنقل معها رائحة الطعام الزكية  في  أرجاء الحي ، وقد تفاجأ بجارتك وهي تدق الباب حاملة إليك طبق من الحلوى  اللذيذة 

أكثر ما أفتقده التفاف أبنائي وأحفادي حولي وحول جدهم على مائدة الافطار في دمشق ! ولكن الحرب فرقت شمل أسرتي  كغيرها من الأسر ، وأصبح كل واحد من أبنائي يعيش في بلد ، أما أنا وزوجي فقد قدمنا لأمريكا للسكن مع ولدي الذي يعيش  ويعمل فيها ويحمل جنسيتها ، وأصبحنا  نحن أيضا - أنا وزوجي - نحمل الإقامة الامريكية التي منحتنا فرصة المواطنة والاستمتاع بالحرية الدينية التي لمستها واضحة في المساجد العامرة بالمصلين ، وفي موائد الأفطار المعدة للصائمين ، بل اجمل مافي رمضان تلك العالمية ، وذاك التنوع الذي نراه في التفاف المسلمين على اختلاف اشكالهم وألوانهم  حول هدف واحد :  الصوم من اجل تحقيق "تقوى الله".

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: