ما النقد الثقافي

الأحد, February 25, 2018
كاتب المقالة: 

كنتُ قد قرأت كتاب عبدالله الغذّامي "النقد الثقافي" مرتين: في المرة الأولى قبل عدة سنوات وقعتُ تحت تأثير هذا الكتاب والإعجاب به، بينما جعلت القراءة الثانية المتأخرة الكتابَ يفقد الكثير من وهجه، كما أنها كشفت لي الكثير من عيوب هذا الكتاب. ويبقى الغذّامي ناقدًا له بريقه الخاص وبصمته المميزة في تاريخ النقد العربي الحديث:
تظل مشكلة النقد العربي الحديث الأولى هي نقل المناهج الغريبة بعيدًا عن الإطار الفلسفي والاجتماعي الذي نشأت فيه هذه المناهج، وفي حالة النقد الثقافي نجد الغذّامي يتجنب عامدًا هذا الإطار محاولاً تأصيل إطار خاص بالبيئة التي يعيش فيها، وهو أمر مقبول من الناحية الأولية. بيد أنّ الغذّامي في محاولته تلك يقع في خطأ الخضوع للنسق، وهو الخطأ الذي قام كتابه على أساس نقده وكشف عيوبه. وصحيح أنّ الغذّامي تمرد على النسق الشعري والثقافي/ المؤسساتي، بيد أنه خضع لأنساق المؤسسة الدينية وحاول تملقها وإرضائها في سبيل تمرير خطابه النقدي، كما سنوضح فيما يلي:
لقد انبثق النقد الثقافي من الدراسات الثقافية التي نشأت في بريطانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة تحسّن ظروف العمال، فالدراسات الثقافية مرتبطة بتطورات المجتمع البريطاني في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية من مثل صعود الطبقة العاملة وتنامي تأثيرها على كل المستويات وحصول أبنائهم على فرص تعليم ممتازة وظهور كثير من الكتاب الذين ينتمون إلى هذه الطبقة وشيوع الأغاني الشعبية(1 ). وهي ظروف اجتماعية مغايرة تماما للبيئة التي يعيش فيها الغذّامي حيث الطبقة العاملة ليست من أهل البلاد، وإذا تحدثنا عن البيئة العربية ككل فإن أوضاع الطبقة العاملة فيها تسوء ولا تتحسن.
أمّا الخلفية الفلسفية للنقد الثقافي فهي الخلفية الماركسية( 2)، والغذّامي أبعد ما يكون عن هذه الخلفية، وهو لا يستطيع التصريح بهذا الإطار في مجتمع تحكمه السلطة الدينية. لذلك لجأ إلى التحايل على النسق الديني لتمرير خطابه، وخلال تحايله هذا كان يخضع لهذا النسق ويعبر عن رغباته. فنجده يخلق إطارًا مرجعيا مصطنعا فقط لإرضاء هذا النسق؛ وهو إطار مرتبط بالمؤسسة الدينية، فالغذّامي يحاول أن يبيّن أنّ هذا النوع من النقد هو الوجه الثقافي لعلم العلل كما في مصطلح الحديث النبوي " الذي يبحث عن علل في المتن أو في السند أو فيهما معًا، وفي ذلك جهود ضخمة نحتاجها كمثال نقدي حي ومجرب". والنقد الثقافي لا يعدو أن يكون تطبيقا لهذا العلم على الأدب، وهو يصف علم العلل بأنه "ممارسة متطورة ودقيقة وصارمة".
إن الغذّامي لا يكتفي بتجريد النقد الثقافي من خلفيته بل يضعه في إطار مناقض تماما للذي نشأ فيه. ونجد الغذّامي يتوغل في محاولته لإرضاء هذا النسق؛ فإذا استعرضنا أبرز الأسماء الشعرية التي نقدها بحدة وانقض على مشروعها الشعري (أدونيس، المتنبي، نزار قباني) وجدناها أسماء مغضوب عليها من المؤسسة الدينية. لذلك جاءت قراءات الغذّامي التطبيقية قريبة الشبه بالنقد الأخلاقي الذي عرفناه في النقد العربي القديم. 
كما أنّ الغذّامي يبدو وكأنه قد جهّز أحكامه بشكل مسبّق، ليأتي التنظير والتطبيق كمحاولة لتبرير هذه الأحكام. وهذا أمر تكشفه الأسئلة التي افتتح بها مقدمة الكتاب والأسئلة الأخرى التي افتتح بها بقية الفصول؛ إذ يكفي أن تحذف أداة السؤال كي تحصل على الإجابة، ولا يتجاوز المتن كونه محاولة لتبرير هذا الحكم. فالسؤال: "هل الحداثة العربية حداثة رجعية؟" يحمل إجابته: " الحداثة العربية حداثة رجعية"، والسؤال: "هل جنى الشعر العربي على الشخصية العربية؟" يحمل الإجابة: لقد "جنى الشعر العربي على الشخصية العربية". وأيضًا أمامنا السؤالان: "هل هناك علاقة بين اختراع (الفحل الشعري) و(صناعة الطاغية)؟ هل في ديوان العرب أشياء أخرى غير الجماليات التي وقفنا عليها –وحق لنا- لمدة قرون؟"، وهما سؤالان يحملان الإجابة ضمنا، وهي أسئلة افتتح بها الغذّامي كتابه( ) فإذا طبقنا الحذف فإنها تشكل الخلاصة الأساسية للكتاب.
إضافة إلى أنّ إصرار الغذّامي على النيل من رموز الحداثة (أدونيس ونزار قباني) وعلى تصويرهم كرموز لحداثة رجعية جعله يقع في تسطيح القراءة الثقافية، مما يدل –أحيانا- على عدم فهم لفكرة الحداثة. إذ إن المنجز الأساسي للحداثة الغربية يكمن في منح الإنسان مركزية الكون ونزع هذه المركزية من الإله، وداخل هذا الإطار نقرأ قول أدونيس: "أنا العالم مكتوبا، وأنا المعنى، وأنا الموت، وأنا سماء وأتكلم لغة الأرض، وأنا التموج، وأنا النور، وأنا الأشكال كلها، وأنا الداعية والحجة". وقوله: "اقتربي أيتها الرياح / اجتمعي إلي/ أخلق بك / أخلق منك". 
ولا نقرأه في دائرة الأنا المتضخمة كما عند المتنبي. فأدونيس يتحدث عن الإنسان الكلي الذي أصبح مركزًا للكون واستطاع التخلّص من خضوعه للغيبيات والارتباط بالسماء. وهو ما يبرر عنوان الديوان "مفرد بصيغة الجمع". كما أن نقده لأدونيس فيما يخص رجعيته واهتمامه بالأساطير والعالم السحري، فإنه لم يُذكر عن أدونيس أنه يؤمن بالغيبيات، بل هو يسير على درب شعراء الحداثة الذين أعادوا قراءة الأساطير القديمة وأعادوا إحياءها بما يتناسب مع هموم الإنسان الحديث وهواجسه. فأسطورة برومثيوس على سبيل المثال تمثّل رحلة الإنسان الحديث الذي تقمص هذه الأسطورة واستطاع أن يسرق شعلة المعرفة من السماء ويمنحها للناس.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.