مساحة للتأويل النصّي قراءة في رواية “مَزون” للدكتور طالب عمران

الاثنين, February 27, 2017
كاتب المقالة: 

يرتبط اسم الدكتور طالب عمران في سياق الإبداع الأدبي , بقصص وروايات الخيال العلمي , ولما كانت جذور التكوين العلمي تغذي الثقافة التراكمية للمبدع ,فلا ريب أن هذه الحال تنطبق على الدكتور عمران, وقبل أن يُتوهم من كلامنا نزوع الى إثارة مسألة الخيال العلمي وأثره في بناء النص الروائي , نبين للقارئ سؤال هذه الأسطر , وهو : لماذا لا تغادر أغلب النصوص العربية تخوم ذاكرة الخاص, حتى في الروايات التي تكسر في بناء أحداثها تقليدية سرد الحدث؟

والإجابة على السؤال الآنف الذكر تبدأ من العنوان الذي وسم به عمران روايته , وهو “مَزون” (1).‏

العنوان اسم لشخصية رئيسة في الرواية , وهي شخصية امرأة محاورة, استحضاراً و سرداً لشخصية رئيسة أخرى هي د.محسن , حامل شهادة الدكتوراه في التربية , والذي وفّق بعقد عمل في إحدى دول الخليج العربي, عمان , لتبدأ حياته ثورتها المالية المادية على واقع فقره ليس بينه وبين الفاقة بون شاسع.‏

هل من ارتباط على صعيد الدلالة بين الاسم “مَزون” وحالة ذلك الدكتور , ربما من هذا الفضاء المتخيّل يمكن أن نبدأ رحلة تأويل لما انتقيناه من مكونات الرواية.‏

مزون” اسم يوقظ في ذاكرتنا صورة المزنة والديمة والسحاب و.. ،حيث المطر, والخير, وتغير حال الأرض من جدب الى خصب, ود.محسن شخصية تقدمها الرواية غنية في الجوهر, إذا شهادة الدكتوراه =العلم=الحقيقة, فقيرة في المظهر , ذلك أن الراتب الوظيفي الشهري =الحياة البسيطة .‏

ثمة ثنائية ضدية , ظاهراً بين الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية ,وبالمناسبة لا يفوتنا أن نشير الى دلالة أن تكون إحدى الشخصيتين ذكراًَ والأخرى أنثى , إنه تناقض الظاهر وانسجام الباطن.‏

وترسيخاً لهذا التأويل نقف عند تعليل الكاتب لاسم شخصيته التي وسم بها الرواية , على لسانها .‏

مزون” إنه الاسم الذي أطلقه والدها عليها, فهو اكتساب من صنع البشر= الظاهر= العرض , ولم تشتهر بهذا الاسم , أما الاسم الذي اشتهرت به فهو (الغبيراء) الاسم الذي أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم على عُمان(2), =القداسة=الجوهر, إذا القداسة والجوهر لما اشتهر بين الناس بقوة غيبية , لا لما صنعه البشر, إنه الموروث الذي لا يتجاوز بسهولة ويسر.‏

كيف ربط الكاتب بين شخصية قادمة من سورية وشخصية مقيمة في عمان من دون سابق لقاء أو مراسلة واقعية؟ وهما بلدان تفصل بينهما , جغرافياً , مسافات شاسعة.‏

تأتي هنا وظيفة الذاكرة العربية التي اختزنت أشياءها واحتفظت بما خصت به متحف تكوينها تميزاً لها من غيرها, استحضر الكاتب ظاهرة الانتماء الى الماضي من خلال ربطه بين الشخصيتين بوساطة إبراز أثر البحث عن الأصل =النسب=الجذر في حياة الإنسان العربي , أياً كان رصيده المعرفي والثقافي والاجتماعي.‏

ومن جذور الماضي البعيد نبش الكاتب رابطاً يضفي على أحداث القصة شيئاً من واقعية الحدث ليقبلها المتلقي العربي , وهذا الرابط بين الماضي والحاضر هو “المخطوط” الذي تركه جد لحفيد نجيب سيأتي من بعده , وسيجد فيه كثيراً من المعارف والحقائق العلمية.‏

وللمخطوط في ثقافتنا العربية هالة لا تنكر, ربما كان أهل الاختصاص والعلم من أكثر الناس قدرة على رؤيتها.‏

إن ما قرأناه في بعض أحداث رواية “مزون” لا يعدد كونه تأويلاً لبعض الأحداث أو التقانات الفنية, بما لا يُعارض منطق القراءة التأويلية للنصوص, امتداداً و انفتاحاً , ورؤى يرصدها قارئ ما , وربما تنأى عن قارئ آخر, ولكل مجتهد نصيب.‏

جريدة الفداء

المصدر: 
جريدة الفداء
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.