مسلمون أكثر فعالية في أميركا

الاثنين, February 11, 2013
كاتب المقالة: 

مشروع عدتُ به من رحلة إلى أميركا، استغرقت قرابة الشهرين أواخر عام 2012، عشت فيها حياة المسلمين المهاجرين، وشاطرتهم بعض نشاطاتهم، وتطارحت همومهم مع نخبة من مثقفيهم،وشاركتهم بعض تجاربهم الناجحة والمخفقة.

وانطلقت به من مخاوف جيفري لانغ التي عبر عنها في كتابه (ضياع ديني)، وقدَّم فيه إحصاءات ونسباً مئوية مخجلة ومحفزة في الوقت نفسه:مساجد المسلمين في أميركا،وكذلك منظماتهم ومؤتمراتهم الإسلامية، لا تستقبل أكثر من 20% من الجيل الأول من المسلمين المهاجرين،ونسبة ضئيلة جداً من الجيل الثاني،أما الجيل الثالث فهو غائب تماماً. أي أن " نحو 80% من المسلمين قد ولدوا في هذا البلد.. فلا بد أن نسأل: أين هم؟ لأنهم بوضوح غائبون عن مساجد الأمة،وعن التجمعات الإسلامية"(1) و" سبب ضياع 80% أن أسئلتهم واعتراضاتهم كانت تقمع بالسخرية والتخويف والصياح والعبوس والدوغماتية"(2). وعندما حطت بهم الرحال في الجامعة وجدوا فيها الملاذ الآمن لكي يقوموا بالتحليل النقدي العميق، فيما يفكرون فيه ويعانون منه"(3).

و" تأتي معاملة الجالية الإسلامية للمرأة، وخصوصاً مسألة العزلِ الجنسي، في قمة الشكاوى والتظلمات ضد الجالية الإسلامية، فكان الفصل الجنسي (بين الذكور والإناث) الذي يصر عليه مهاجرو الجيل الأول، من أكبر العقبات أمام قبول الإسلام في أميركا، وكان " من الاحتجاجات الشائعة؛عدم تشجيع النساء على صلاة الجماعة،وعزلهن في غرف منفصلة"(4).

****

فإذا عجز المسجد عن اجتذاب أكثر من 20% من الجيل الأول من المهاجرين، وقلة نادرة من أبنائهم من الجيل الثاني؛ محققاً بذلك مقولة الأمريكيين " لا يهمنا الجيل الأول من المهاجرين، ولا نبالي أن يحتفظوا بتقاليدهم،إنما يهمنا الجيل الثاني ومن وراءه ، ممن سوف يتأمرك تلقائياً، متجاهلاً لغة آبائه وقناعاتهم".

وإذا كنا مدركين أن إدارة شؤون المساجد بثقافات المهاجرين التقليدية، التي حملوها من بلدانهم؛ هي السبب الرئيسي في عزوف 80% من الجيل المهاجر وأكثر من 95% من أبنائهم وبني أبنائهم، فلماذا لا نترك للتقليديين مساجدهم،ونبحث عن ملاذٍ آمن لأبنائهم ولكل العازفين عن المساجد من الأجيال كلها؟!

 

الفرص المتاحة

قال جودت سعيد بعد عودته من رحلة لأميركا، حاضر فيها في جامعة جورج تاون عن (الدين والقانون): " إن أميركا تراودنا عن نفسها" تعبيراً عن القبول الكبير الذي قوبلت به محاضرته في أعرق جامعة في أميركا.

فإذا كانت مناهج البحث العلمي التي يتلقاها الطلبة من أبناء المهاجرين المسلمين وغيرهم من الأمريكان،هي السبب في ابتعادهم عن المسجد، الذي لا يجدون فيه جواباً على تساؤلاتهم، فلماذا لا تكون هذه المناهج ذاتها الوسيلة الناجعة لاجتذابهم؟! وهل تكون الجامعة، ومراكز البحث، ودورات التأهيل المهني، وتطارح الأسئلة عبر الإنترنت، وغيرها من الأنشطة الثقافية؛ هي الملتقى المكمل والمصحح لثقافة المسجد؟!

" نحن أولى بالشك من إبراهيم" يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.ويقول الله تعالى: )وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً( [الإسراء 17/36]،وقال إبراهيم: ) رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي( [ البقرة 2/260].

ولقد قدم لنا القرآن عدداً كبيراً من الآيات في الحوار، خصص جزءاً منها لآدابه) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ( [ الأنعام 6 /108].وذكر لنا من آدابه: التجرد،والصدق،والعلم،وإظهار الحق،والبعد عن المكابرة،والبعد عن التناقض،وطلب الدليل.

فلنترك المسجد التقليدي لأهله؛ نشاركهم فيه إقامة الصلاة، ونَدَع لهم ما اطمأنوا إليه من نشاط ضمن نسبة الـ 20% التي ترتاده ،ولنُقِم مساجدنا التي أراد الله تعالى لها أن تؤسس على التقوى،وأن تكون موئلاً لمن لفظوهم خارجها،ندير فيها ثقافة التعدد والاختلاف وقبول الآخـر والحوار معـه؛ ثقافـة السؤال والشك )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ( [يوسف 12/108].

 لقد شهدت في مسجد (ديبيوك) في ولاية أَيَوا ندوة عن الصلاة في الأديان السماوية الثلاثة، قدم فيها شاب يهودي، بطاقيته اليهودية،فكرة عن الصلاة عند اليهود،وقدمت فيها سيدة مسيحية فكرة عن الصلاة عند المسيحيين،ثم قدم فيها طبيب مسلم فكرة مطولة ومعمقة عن الصلاة في الإسلام، ثم أذن مؤذن بينهم لصلاة العشاء، فوقف الجميع،ومعظمهم من البنات الجامعيات غير المسلمات، بين يدي الله؛ يؤدون الصلاة- كما وصفها لهم- خاشعين. وتساءلت: هل تلقى هذه التجربة الرائعة قبولاً لدى كل أفراد الجالية الإسلامية؛ وهل يمكن تكرارها؟!

وبالطبع لم يطلب الإمام من الفتيات المسيحيات في تجربتهن لصلاة المسلمين، أن يرتدين غطاء الصلاة، ولا أداءها خلف الرجال من وراء ستار؛عملاً بقوله تعالى )وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ( [ التوبة 9/6].

وإذا كان تكرارها في المساجد مستهجناً،أو متعذراً، فما الذي يمنع من تكرارها في رحاب الجامعات والمراكز الثقافية أو في الهواء الطلق، استثماراً لحرية الصلاة في الإسلام في أي مكان:" جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"؟!

هل يمكن لهذه التجربة الفريدة أن تقاس بحلف الفضول الذي قال عنه الرسول:" لقد حضرت مع عمي حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم،ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت".

وهل يمكن لصلاة المرأة مع الرجال في المسجد – دون حجبها عنهم بستارة- أن تقاس على صلاتها الآن في بيت الله الحرام،وعلى حضورها خطبة عمر بن الخطاب في المسجد، واعتراضها على دعوته لتخفيض المهور، من دون إسكاتها، بذريعة أن صوتها عورة؟!

إن لدينا في الإسلام من بساطة العقيدة، وعالمية الرسالة وحرية العبادة،وعدم ارتباطها بالأحبار والرهبان؛ ما يلفت كل الأنظار إليها.

الجيل الثاني من المهاجرين في خضم ثقافة أميركية طاغية

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له      إياك إياك أن تبتل بالماء

يسافر الجيل الأول-وغالباً ما يكون من الشباب- إلى أميركا؛طلباً للعلم أو للرزق،وقد يعود إلى بلده بعد حصوله على الشهادة، أو إخفاقه في مشروعه للرزق، أو قد يستهويه زخرف  الحياة الأميركية فيمدد إقامته فيها بذريعة التخصص،ثم الممارسة بذريعة التدريب،ويسعى للحصول على الـ (جرين كارد)،تمهيداً للحصول على الجنسية بعدها.

وغالباً ما يقنعه أهله،أو يطلب هو إلحاقه بزوج ،تحصيناً له من الانحراف أو الانجراف إن كان متديناً، أو يبحث هو عن زوجة أمريكية مسيحية، بكل ما يثيره هذا الخيار من مشكلات حول دين الأولاد، أو يكتفي بعلاقات عابرة يرضي بها نزواته إن لم يكن متديناً ،وما أيسر هذه العلاقات في بلد بات يفتخر بإطلاق الحرية الجنسية ضمن منظومات الحريات العامة التي يتغنى بإطلاقها.

وأول ما يبحث عنه الوافد المتدين؛ مسجد يلتحق به لأداء صلاة الجمعة، إن وجد، أو يتعاون مع زملائه على إيجاده في شقة سكنية مناسبة، إن لم يكن موجوداً.

وبغض النظر عن المشكلات التي سيثيرها المسجد مع الجوار، أو الخلافات التي ستثور بين أهله حول إدارته؛ مذهبيةً كانت، أو جهوية، أو غير ذلك، فإن هذه الإدارة ستكون حتماً بحسب المعايير التقليدية المنبعة في بلدانهم الأصلية .

وعما قليل سيرزق أفراد الجيل الأول- الوافد أو المهاجر- بأطفال أميركيين؛ اكتسبوا شرف الجنسية الأميركية بالولادة: إنهم الجيل الثاني الذي ولد أميركياً، ولسوف تتولى أميركا تربيته،وتغذيته بثقافتها،وفطامه عن الثقافة الأم لوالديه.

سوف تستغرق فترة الفطام، فترة التحاقه بالروضة والمدرسة الابتدائية،وربما الإعدادية.ولسوف يُطلب من الأهل عدم التحدث إلى طفلهم بلغتهم الأصلية، لكي لا يفسدوا عليه لغته الأمريكية،ولسوف يسعد الأهل بطفلهم وقد أتقن لغة أميركا، وكل ما وراءها من ثقافة،تشمل العادات والتقاليد وأساليب التواصل والتفاهم التي نقشت في ذاكرته.

وإلى هنا، لا يزال الطفل يعيش شخصية مزدوجة بين البيت والمدرسة؛ ولديه القدرة على التوفيق بينهما،وتحقيق متطلباتهما. فهو يرافق والديه إلى المسجد ليلعب مع أقرانه فيه، ويحفظ الفاتحة، والتين والزيتون، وبعض السور القصار، لا يجاوزها إلى غيرها،ولا يفقه شيئاً من معانيها،وقد يؤدي الصلاة ويصوم رمضان مع والديه، ليبقيا شكلاً بلا مضمون. وطقساً بلا معنى.

وفي المرحلة الثانوية يكون الطفل قد بلغ سن الفطام:قد زودته المدرسة بمناهج البحث الحديثة المبنية على حرية الفكر والتعبير،وحق التساؤل والشك،وبثقافة المجتمع الأميركي وقيمه،المنفلتة من كل القيود.ولم يعد المسجد يعني له شيئاً، لأنه لا يجد عنده أي جواب على أسئلته سوى  ) بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ( [ الشعراء 26/74]. ولن يجديه البحث عن أسئلته بلغة قومه، فقد انقطعت صلته بهذه اللغة. ولم يبق أمامنا سوى الاستماع إلى سهيل يحكي لنا حكايته مع أبنائه يعتصره الألم: " ألِفت أن أكون قريباً جداً من أولادي كانوا دائماً أطفالاً مسلمين نموذجيين، وكانوا على نشاط واسع في مسجدهم.وكانوا جزءاً من كل عمل تقوم به الجالية". لم يستطع سهيل أن ينظر إلي وهو يتحدث عن ابنته،وتوقف ليستجمع نفسه. قال كم كانت رائعة الجمال نقية،وتبدو كملاك في حجابها، حتى إن آباء زميلاتها وأمهاتهن كانوا يتعجبون من جمالها،وإن العديد من الأصدقاء كانوا يأملون أن يقترن أحد أولادهم بها.

وكما يتوقع القارئ، أخذت الأمور تتغير. وعندما صار الابن في الثانوية وجد أبوه،ذات يوم، في جيبه علبة سجائر، فواجهه بذلك، فادعى أن العلبة لأحد طلبة المدرسة.وبعد ذلك بوقت قصير اكتشف أنه كان يكذب. فشعر بطعنة عميقة. فقال في نفسه مستغرباً:" كيف يكذب ابني علي؟".

ولكن سرعان ما تبين له أن الآتي أعظم. ففرض عليه  قيوداً قاسية،وتوترت علاقتهما.

أما علاقته مع ابنته فظلت قوية، ثم ذهبت إلى الكلية، وأخذت تبتعد عنه رويداً رويداً،وشرعت تتساءل عن الإسلام أكثر وأكثر،وكثيراً ما كانت لا ترد عليه إذا اتصل بها على الهاتف في الليل. قالت: إنها لا تستطيع المجيء إلى البيت في عطلة الربيع، لذلك ذهب سهيل بسيارته إلى الجامعة ليبحث في المشكلة. تبين أنها وقعت في حب فتى غير مسلم؛ التقته في الصف وسكنت معه.. شعر سهيل أن الدمار حل به. قال: إنه وصمها بكل اسم بائس في اللغة، بكلمات ما يمكن أن يقولها لأرذل متسكع في الشوارع.صرخ قائلاً: " كيف تفعلين ذلك بي؟"،ولم يعد يكلمها منذ ذلك الحين، بالرغم من محاولاتها الكثيرة للاتصال به.

أما ابنه فقد تخرج في المدرسة الثانوية منذ بضع سنين،وكان يتلقى سهيل من حين إلى حين مكالمات من الشرطة تستدعيه ليتسلم ابنه،بعد أن وجدوه ثملاً متسكعاً في المدينة. قال سهيل وكأنه يتوسل: " كيف يخونني أبنائي. أنا لا أستطيع حتى التحدث إليهم، بل لا أستطيع البحث معهم ،ماذا سأفعل؟"(1).

لن تستطيع أن تفعل شيئاً!! فقد زججت طفلك في أكثر الثقافات ديناميكية؛ حيث الإباحية والممارسات الجنسية تعد أمراً مقبولاً في ثقافة الطفل الأميركي التي تحثه على أن يبحث عن (البوي فرند) و الـ (جيرل فرند)، ثم يغض الطرف عن ضربه مواعيد الغرام منذ نعومة أظفاره في المدرسة الابتدائية ،وفي المجتمع حيث شرب الخمر مرحب به،والأزياء الفاضحة تعتاد البنت ارتداءها منذ الصغر،والتعري وكشف العورات يتم من دون أي تحفظ،والآباء يعامَلون بكثير من عدم المبالاة والوقاحة.لم يسلحه المجتمع بأي استهجان أو تحذير،بل أغدق عليه المكافآت، فصدق فيه قول الشاعر:

إن الشباب والفراغ والجدة      مفسدة للمرء أي مفسدة!!

كيف يمكن للمسلم أن ينأى بأطفاله عن عيد الميلاد،وشجرة رأس السنة وبابانويل، والهيلووين، وعيد الشكر، وعيد الحب؟!

هل يمكن لطفل مسلم- لم يلقَّح بلقاحات مضادة- أن يتجنب مشاطرة رفاقه كل هذه الموبقات؛ ما لم يكن مؤمناً بحرمتها، مقتنعاً بضررها،شاعراً بدونيتها،محتقراً للثقافة التي تنتجها،واثقاً من قدرته على تسويغ رفضه لها، مستعلياً على من يمارسها؟!

ومن المؤكد أن تزويد طفل مسلم بهذه المشاعر الإيجابية الفاعلة؛ لن تقوم به أسرة عادية؛منشغلة بهموم العيش،والتكيف مع الحياة الجديدة، مأخوذة بزخارف الحضارة الأميركية

وجاذبياتها.. لا بدله من منظمة إسلامية واعية؛ ترسم أهدافها،وتضع لها مناهجها وخططها للوصول إلى أطفالها المستهدفين،وتبتكر لها مؤسساتها الكفيّة في إطار القوانين الأميركية،وثقافة الحريات؛ المستقرة في الضمير الأميركي.

إن منظمة كهذه يمكن أن تكون نواة لتشكيل تجمع إسلامي أميركي؛يحاكي اللوبي الصهيوني ويتجاوزه؛ نظراً لقوة الحق الذي يرتكز عليه،وهشاشة الباطل الصهيوني الذي يتكلف ذاك اللوبي تمويهه وتزيينه،ونظراً – كذلك- لقوة العقيدة الإسلامية وإنسانيتها وانفتاحها على العالم،مقابل ضحالة العقيدة اليهودية،وحقدها على غير اليهود (شعب الله المختار)- بزعمهم.

المنظمة الإسلامية الفاعلة المرجوَّة

قد تكون المؤسسة المرجوَّة مدرسة أو معهداً إضافياً مكملاً؛ تُتخير له الأوقات المناسبة،وقد تكون مدرسة أو جامعة موازية، تدرس المناهج الأميركية،وتضيف إليها ما ينبغي لتكوين شخصية الطفل الأميركي المسلم،وقد تكون غير ذلك، فأهل مكة أدرى بشعابها.  

لست أجهل وجود مثل هذه المنظمة والمؤسسات الإسلامية في طول الولايات المتحدة وعرضها،لكن المنظمة ومؤسساتها التي أتوق لإيجادها وأدعو إليها، أريد لها أن تكون:

-أميركيةً من صلب أميركا؛ ليست منحازة عنها، أو دخيلة عليها، تتقيد بالقوانين الأميركية،وتنطلق من الثقافة الأميركية؛ تفرز الصالح منها لترسخه وتنميه، عن السيئ منها لتقوِّمه أو تنحيه.

-إسلاميةً:تقدم الإسلام إلى أميركا؛ رسالة يكون لها فضل رفع رايتها إلى العالم من جديد، بعد ما بهتت ألوانها بطول الأمد، واسترخت أيدي حامليها بسبب ما ألمَّ بهم من الوهن الحضاري )وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ( [ محمد 47/38].  

-تفاعليةً وتشاركيةً: تفتح أبواب السؤال والحوار على مصراعيه، وتشرك سائر أعضائها في اتخاذ القرار،وتحسين الأداء.

-تعدديةً تقبل الرأي والرأي الآخر؛وترحب بالاختلاف بوصفه وسيلةً لتنمية الأفكار،ويتسع صدرها للمختلف فلا تضيق به ذرعاً،ولا تنفيه.. تعمل بالقاعدة الذهبية" نتفق فيما اتفقنا عليه،ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".

-شبابيةً:تفتح ذراعيها للشباب؛ تبحث عنهم،تصغي إليهم، تشركهم في إداراتها،تشعرهم بأن المنظمة منظمتهم، تقع على عاتقهم مسؤولية تطويرها،وعليهم أن يستوعبوا فكر الآباء، ويضيفوا إليه ما سوف يسجله التاريخ باسمهم ،يتمثلون قولة إبراهيم لأبيه: )يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيّاً( [ مريم19/43]،وسيفخر الآباء بهم.

-وثيقةَ الصلة بأعضائها:تفتح بأسمائهم قاعدة بيانات، تتابع تطورهم، تتواصل معهم، تزودهم بالفرص المتاحة أمامهم، ترشحهم لشغل مناصب في اختصاصاتهم، تدعوهم لندواتها ومؤتمراتها، تزودهم ببيانات عن أعمالها، تستطلع آراءهم في قضاياها.

-عصريةً: تستخدم أحدث أدوات عصر المعرفة وتقنيات الاتصال، لبناء شبكة علاقات متينة ومستمرة ومتنامية.

 

إسلام أميركا حلم أم وهم!!

ما مدى قابلية  هذا المشروع للتطبيق؟!

إنني أدرك تماماً حالة العجز والكلالة التي آل إليها حال العالم الإسلامي،وغفوته التي طال أمدها.

وأعرف نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حولها: " لسوف تتداعى عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها" قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: " لا، ولكنكم يومئذ غثاء كغثاء السيل".

لقد سبق لي أن تقدمت بمشروعي بعنوان " لمكة كلمة لو تقولها!!" لتحقيق المقاصد  العليا التي شرع الله تعالى لنا الحج لأجلها، وعقدت له من الندوات التليفزيونية، والبرامج،والمطبوعات ما ذهب كله أدراج الرياح،وألحق مشروعي بمشروع عبد الرحمن الكواكبي قبل قرن من الزمان لعقد مؤتمر عام للمسلمين في (أم القرى).

وكذلك مشروعي الآخر بعنوان " أطلق يديك!! لست مكبلاً.. لديك الكثير مما يمكنك فعله" وذلك لوضع العالم الإسلامي على طريق الفاعلية،وتحويل المسلم من رقم مهمل تحت الصفر إلى أي رقم مهما صغر فوقه؛ إذا ضربته بمليار ونصف المليار من تعداد المسلمين في العالم، لشكل ثقلاً يُميل كفة الميزان.. هذا المشروع الذي أجد بواكير تنفيذ واعدٍ له في الربيع العربي.

وأعرف أن (الكلمة) التي فقدت قوتها ومعناها وفعاليتها في ظل أنظمة الحجر والاستبداد العربية والإسلامية ؛ سوف تستعيد فعاليتها شيئاً فشيئاً مع هذا الربيع.

 لكن مشروعي الجديد ميدانه: أميركا، بكل ما يعبق به مناخها الثقافي من حرية، وديمقراطية، وبحث عن الحقيقة، ومنهجية، والمستهدفون به، مهاجرون منحوها جيلاً متعطشاً للمعرفة، لا تربطه أو تربطهم صلة بالعوائق التي كانت تكبلهم في بلدانهم،وأنا هنا أتحدث عن الثقافة،ولا أتحدث عن السياسة، فاستثمارهم لمناخ حرية التفكير وحرية التعبير في أميركا، لتثبيت العقيدة الإسلامية في نفوس أطفالهم لن يعرضهم  لأي أذى في بلدانهم، ولن يزعج بعض من يحرص على النأي بنفسه عن الخوض في غمار السياسة.

أما عن الجانب السياسي البعيد لهذا المشروع:

فلسوف يحصد المسلمون تجمعاً إسلامياً فعالاً وقابلاً للنماء، من خلال تحول شباب أميركي متزايد إلى الإسلام إذا رأوا في المسلمين قدوة صالحة، على غرار ما فتح به المسلمون أندونيسيا.

وكلما ازداد عدد المسلمين وازدادت فعاليتهم، فإن ذلك سيترك أثره على اعتدال أميركا،وترجيحِها كفة العدل والعدالة في القضايا الدولية،ولسوف يخف تدريجاً تأثرها بالضغوط الصهيونية، وتضحيتها بمصالحها في العالم العربي والإسلامي من أجلها.

ولمن يزن الأمور بموازين القوة العسكرية والعتاد الحربي أقول: إن عصر التفوق العسكري قد ولى مع أفول عصر الصناعة،وبزوغ عصر المعرفة في بداية الألف الميلادية الثالثة،وأن الصواريخ الفكرية والثقافية ستكون أشد وطأة وأكبر أثراً من الصواريخ المادية، وأن لدى المسلم من تراثه وقيمه ما يعتز بتقديمه للثقافة الأميركية في عالمٍ آخذٍ  بالتقارب والتفاهم أكثر فأكثر- كما قال المستشار الألماني شرودر في كلمته عند افتتاحه معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004م-.

بنية المشروع

آ-أهدافه

1-توثيق الروابط بين المسلمين في أميركا:

-الطارئين لدراسة أو سفارة أو مهمة محدودة لمدة محدودة.

-المقيمين بموجب نظام (جرين كارد).

-الحاصلين على الجنسية الأميركية، من ( الجيل الأول).

-أبنائهم الأمريكيين (بالولادة) من الجيل الثاني وما بعده.

-المسلمين الأمريكيين الأصليين (الأفارقة).

-معتنقي الإسلام من الأميركيين وأبنائهم.

2-تنمية معارفهم: عن الإسلام،ومصدريْه الرئيسيين (الكتاب والسنة)،وتاريخه..

-وعن العالم الإسلامي،وجغرافيته.

-وعن اللغة العربية (لغة القرآن).

3-التكيف مع البيئة الأميركية،وإيجاد الحلول لمشكلاتهم فيها؛ بما لا يتعارض مع الثوابت الإسلامية في (القرآن والسنة)؛ ومع الأخذ بالاعتبار:

-قاعدة التدرج للوصول إلى الهدف.

-قاعدة: اختلاف الأحكام باختلاف الزمان والمكان.

-قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات.

-قاعدة: أخف الضررين،وأهون المفسدتين.

4-استيعاب جميع أطياف العالم الإسلامي:

-من كل المذاهب والطوائف والأديان؛ على أساس المواطنة.

-من كل الأعـراق والأجناس والبلـدان؛ على ضـوء )وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا( [ الحجرات 49/13]

-من كل الأجيال: الوافدة والمتوالدة.  

5-احترام التنوع والتعدد والاختلاف:

-بوصفه هدفاً للخلق وأساساً للنمو والتطور )وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ( [ هود 11/118 -119].

-ونظراً لتفاوت طاقات البشر )ثُمَّ أَوْرَثْنا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ( [فاطر 35/32].

-والتفاهم على قاعدة )تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَواءٍ( [ آل عمران 3/64] للانطلاق من المتفق عليه،وتأجيل البت بالمختلف فيه حتى إنضاجه.

-ونبذ الفرقة والتشـرذم )وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ( [ آل عمران 3/105].

6-إعداد قاعدة بيانات:

-شاملة لكل الأصناف الواردة في المادة (1)

-قابلة للتحديث المستمر،والتفقد الدائم.

-مصنفة المعلومات، لتلبية كل المطالب الضرورية.

ب-نويّاته: عزائم صغيرة تتنامى لتكبر،وجهود ضئيلة تتضافر لتكثر، تُبذل في أماكن متفرقة وتتواصل لتعمر.

1-نظام بسيط يؤطر الفكرة،ويرسم مسارها،ويحدد أدواتها.. تصقله التجربة،وتنميه الممارسة.

2-جمعيات أو جماعات أو لجان تحت أي مسمى،تقوم في جامعات، أو مدن، أو حتى أحياءٍ تتبنى هذا النظام،وتنطلق في عملها على ضوئه.

3-اتحادات على مستوى المدينة أو الولاية تتواصل فيما بينها لتكوين اتحاد أكبر.

4-مواقع شبابية على شاكلة الفيس بوك والتويتر، مفتوحة على مصراعيها، لتبادل الأفكار وتنميتها على طريقة المصدر المفتوح؛ يسهم الجميع في إغنائها وتطويرها، فما تلبث أن تكبر وتكبر، وتثبت وجودها؛ مثل سائر مشاريع المصدر المفتوح، التي بدأت أحلاماً صغيرة،وانتهى بها المطاف مشاريع جليلة مثل: ويكيبيديا، وويكيلوجيا، ويمكن أن يحمل موقعنا اسم ويكيسلام، أو أي اسم آخر مقترح.

ج-لغته الأصلية: الإنجليزية، قابلةً للترجمة إلى العربية (لغة القرآن) المشتركة أولاً، ثم إلى سائر لغات العالم الإسلامي.

د-تمويله:

1-ذاتي من خلال العمل الطوعي،وخاصة على الشبكة العنكبوتية.

2-حصيلة المشاريع الاستثمارية للمشروع.

3-اشتراكات

4-تبرعات

هـ- بذرته الأولى: من دار الفكر

      1-تتولى فتح الموقع على  الفيس بوك بعنوان (ويكيسْلام)

      2-تتابعه وتديره وتصحح مساره.

 

 

(1)  ضياع ديني: جيفري لانغ، ص 218- دار الفكر دمشق ط1 /2007

(2)  المصدر السابق ص220

(3)  المصدر السابق ص 221

(4)  المصدر السابق ص223

(1) ضياع ديني ص 216-217.

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.