مشكلة الأفكار لمالك بن نبي [الجزء الأول]

الثلاثاء, January 10, 2017
كاتب المقالة: 

المفكر الإسلامي الكبير مالك بن نبى هو أحد الرواد القلائل الذين اهتموا بمشكلات النهضة كطريق أوحد لرجوع الحضارة الإسلامية.و لقد صنف د.محمد الشنقيطي بعض من سلسلة كتبه عن مشكلات العالم الإسلامي من ضمن الكتب النوعية,وهي الكتب التي تقتحم أرضية جديدة في المضمون أو في المنهج أو في كليهما.لقد برزت في كتب مالك بن نبي أفكارا أصيلة تشخص مشكلات العالم الإسلامي وأيضا ابتكر مسارات جديدة لحل تلك المشكلات لم يتم التطرق إليها في مجال الفكر الإسلامي من قبل. وما هذا المقال إلا محاولة لتقريب فكر بن نبي عن طريق إبراز أهم ثنائيات فكره التي تتلامس مع واقعنا الحالي لتجعلنا نري مشاكلنا وحلولها من زاوية جديدة:

1- النماذج الثقافية:

يتحدث عن موقف الإنسان في عزلته عندما ينتابه شعور بالفراغ، وطريقته في ملء هذا الفراغ فهي التي تحدد طراز ثقافته وحضارته. فهناك طريقتان  لملء الفراغ:  فإما أن ينظر إلي الأرض ويملأ وحدته بالأشياء ويسعي للسيطرة عليها لامتلاكها أو يرفع بصره نحو السماء  ليملأ وحدته بالأفكار والبحث عن الحقيقية.

لذا فهناك نموذجان من الثقافة: ثقافة سيطرة ذات جذور تقنية وهي تتمثل في أوروبا (الثقافة الغربية) وثقافة حضارة ذات جذور أخلاقية وغيبية (الحضارة الإسلامية في نشاطها).

فالفكر الغربي يجنح إلي الدوران حول الوزن والكم ويصل إلي المادية عند الانحراف والمغالاة. بينما يدور الفكر الإسلامي في مداره الأصلي, حينما أعطاه القرآن اندفاعاته الأولي, حول حب الخير أو كره الشر. وحين يكون في أفوله فإن المغالاة تدفعه إلي التقليد الأعمى والافتنان بأشياء الغرب.

٢- الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة:

الأفكار المطبوعة: هي الأفكار المثالية والنموذج الأولي في ثقافة مجتمع ما. وعادة ما تكون عصية على التغيير بطول الزمن.

الأفكار الموضوعة: هي التعديلات التي تدخلها الأجيال علي الأفكار المطبوعة (الأصيلة) وتكون مستوردة وفعالة ولكنها ليست صحيحة للأسف.

فعند تبدل الأفكار المطبوعة  بأخرى موضوعة يحدث رد فعل من هذه المخذولة لتنتقم لنفسها فيصبح سلوك الفرد غير منسجم مع فكرته المثالية.

فيقول بن نبي: “أن عالم الأفكار اسطوانة يحملها الفرد  في نفسه عند ولادته. وتختلف هذه الاسطوانة من مجتمع لآخر ببعض النغمات الأساسية. إن اسطوانة كل مجتمع مطبوعة بطريقة تختلف عن اسطوانة مجتمع آخر, وتتناغم الأجيال والأفراد مع سلمها الأساسي وهم يضيفون إليها أنغامهم الخاصة بهم.

لقد تلقي المجتمع الإسلامي رسالته المطبوعة منذ أربعة عشر قرنا علي هيئة وحي, فانطبعت في ذاتية الجيل المعاصر لجيل غار حراء الذي أسمع السيمفونية البطولية (لدين الرجال) كما يدعو (نيتشه) الإسلام.

والمجتمع الإسلامي يدفع اليوم ضريبة خيانته لنماذجه الأساسية. فالأفكار حتي التي نستوردها ترتد علي من يخونها و تنتقم منه. يتمثل ذلك في اللحظة المؤلمة حيث تري المسلم منشطر الي شخصين: المسلم الذي يتمم واجباته الدينية و يصلي في المسجد. ثم المسلم العملي الذي يخرج  من المسجد ليغرق في عالم آخر”.

٣– الأفكار الميتة والأفكار المميتة:

الفكرة الميتة: هي فكرة موروثة أنتجتها الثقافة الإسلامية في عصر الأفول وليست صالحة للتطبيق لا في عصرها ولا في العصر الحالي.

فيقول: “هي الفكرة التي بها خذلت الأصول, فكرة انحرفت عن مثلها الأعلى و لذا ليس لها جذور في العصارة الثقافية الأصيلة”.

الفكرة المميتة:  هي الفكرة الوافدة من الثقافة الغربية، هي في الأصل ميتة في محيطها  ولم تعد مستعملة.

 ويقول عنها: “هي الفكرة التي فقدت هويتها وقيمتها الثقافيتين بعد ما فقدت جذورها التي بقيت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي”.

لذا فأن المجتمع المريض هو من ينضح الأفكار الميتة من جهة ويمتص الأفكار المميتة من جهة أخري.

وليس المقصود هنا أن نتساءل لماذا توجد عناصر مميتة في الثقافة الغربية ولكن لماذا تذهب النخبة المسلمة بالضبط للبحث هناك عن هذه العناصر؟ هذه هي المشكلة التي يتوجب طرحها. فهناك خيار في الواقع لأنه ليس العالم الثقافي الغربي كله مميتا. إذ أنه ما يزال يبعث الحياة في حضارة تنظم مصير العالم حتي الآن. وليس العنصر المميت الذي نصادفه في ذلك الوسط الثقافي إلا نوعا من النفايات, الجزء الميت من الحضارة.

لكن الأفكار الميتة تبدو أشد فتكا. ومن أجل أن نقتنع بذلك ينبغي أن نلقي نظرة علي الميزانية التاريخية للأفكار التي قتلت المجتمع الإسلامي, والتي تشكل أيضا الديون التي تخلفت عن عصر نهضة المجتمع الإسلامي وهو لم يتخلص منها علي ما يبدو.

الخلاصة:

المجتمع الإسلامي يعاني من انتقام نماذجه المثالية لعالمه الثقافي الخاص به من ناحية, ومن ناحية أخري من انتقام رهيب تصبه الأفكار التي استعارها من أوروبا, دون أن يراعي الشروط التي تحفظ قيمتها الاجتماعية. وقد أورث ذلك تدهورا في قيمة الأفكار وتدهورا في قيمة الأفكار المكتسبة. وقد حملا افدح الضرر في نمو العالم الإسلامي أخلاقيا وماديا.

إن هذه هي النتائج الاجتماعية لذلك التدهور والتي نصادفها يوميا في صورة غياب فاعلية وقصور في مختلف أنشطتنا الاجتماعية. فنحن اليوم نقاسي هذا التدهور المزدوج, فالأفكار المخذولة في هذا الجانب أو ذاك لها انتقام رهيب. و أن انتقامها المحتوم هو ما نعاني منه اليوم.

 

 

مشكلة الأفكار لمالك بن نبي [2/2]

استكمالًا للتحليق في فضاء نهضة المفكر الإسلامي الكبير مالك بن نبى نعرض  إليكم الجزء الثاني من المقال لكن مع التركيز علي أشهر ثلاثيتين في كتابه الأشهر مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي:

1. العوالم الثلاثة:

تتعايش طوال حياة الإنسان ثلاثة عوالم جنبا الي جنب هي الأشياء والأشخاص والأفكار. يتفوق أحدهما علي الآخرين تبعا للفرد ولنموذج المجتمع الذي يعيش فيه.

يقصد بعالم الأفكار: مجموعة المعتقدات والمسلمات والتصورات والمبادئ والنماذج، التي تحتويها عقول مجتمع ما في لحظة تاريخية ما، ويدخل في هذا العالم أيضًا كل أنماط التفكير والقيم والمشاعر والأحاسيس.

أما عالم الأشخاص: فيقصد به مجموعة العلاقات والنظم والاتصالات التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون هذا المجتمع فيما بينهم.

أما عالم الأشياء: فهو كل ما ينتجه هذا المجتمع من مبانٍ وشوارع وزراعة وصناعة، وغير ذلك من المنتجات والخدمات الملموسة [من الصحوة إلى اليقظة، د/ جاسم سلطان، ص(123)].

عندما يطغي عالم الأشياء تتحول كل قيم المجتمع من القيم الكيفية إلي كمية. يواجه العالم الإسلامي مشكلة طغيان الأشياء علي الأفكار, يترتب علي ذلك نتائج تأخذ أحيانا أشكالًا تدعو للسخرية حينما يحل الشيء محل الفكرة بطريقة ساذجة لينشئ حلولًا مزيفة لمشكلات حيوية.

بينما يترتب علي طغيان الأشخاص نتائج ضارة عندما يتجسد المثل الأعلى في شخص ما, فسائر أخطاء الشخص ينعكس ضررها علي المجتمع الذي جسد في شخصه المثل الأعلى. لذا فإن أساتذة الصراع الفكري يعرفون أن التعامل مع الوثن (الشخص) أسهل من التعامل مع الفكرة. يعرفون أن استغلال النفوذ أسهل مع الأشخاص منه مع الفكرة. والمهم بالنسبة لهم هو أن لا يدع الاطراد الثوري يتمحور حول فكرة.

المرحلة الحالية للمجتمع الإسلامي تشهد تداخلا بين طغيان الأشياء و طغيان الأشخاص على الأفكار. 

ويخلص مالك إلى لب مشكلة المجتمع الإسلامي وهي: أن المسألة ليست مسألة وسائل ولكنها مسألة مناهج وأفكار

2.مراحل الحضارة:

يري مالك أن المجتمعات في دورتها الحضارية تكون في واحدة من ثلاثة مراحل:

·         مرحلة ما قبل التحضر.

·         مرحلة التحضر والدورة الحضارية.

·         مرحلة ما بعد التحضر.

كل حضارة تمثل في الواقع من انطلاقها شرارة الفكرة الدينية في المجتمع الذي يكون “خام” حتى تبعث فيه الروح التي تنشطه. فالحضارة الغربية (وهي الحضارة المسيحية) بنيت على أساس ما قام به يسوع عليه السلام في بيت لحم في فلسطين.

عند تطبيق الدورة الحضارية على الحضارة الإسلامية يتبين أن المجتمع الإسلامي مر على هذه المراحل الثلاثة وهو يعيش الآن بعد دولة الموحدين مرحلة ما بعد الحضارة كما يظهر في الشكل التالي:

يجب التمييز بين مجتمع بدائي بكر يعيش مرحلة ما قبل الحضارة مذخورًا بطاقته الكاملة للانخراط فيها عندما تتوفر له شروطها، وبين مجتمع ما بعد الحضارة الذي كان قد حمل أعباءها، ثم خرج منها خائر القوى، محملاً بكل الرواسب والشوائب والمعوقات التي تصحب سقوط الحضارات وأفولها، وهي حال الأمة العربية الإسلامية اليوم.

يخلص مالك إلي نفس النتيجة السابقة لكن بطريق آخر بأن: مجتمع ما قبل التحضر وما بعد التحضر لا يفتقر للوسائل (الأشياء) إنما يفتقر للأفكار.

يتجلي بصفة خاصة بطريقة استخدامه للوسائل المتوفرة لديه: بقدر متفاوت في الفاعلية: وفي عجزه عن إيجاد غيرها.

فهناك فقر حقيقي في الأفكار تظهر في المجال السياسي والاقتصادي تظهر في العالم الإسلامي في الوقت الحاضر.

فإذا كان معرفة المشكلة هي أول طريق العلاج, فأننا ننهي المقال بقول مالك بن نبي: “لا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها”.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة