مصطفى حجازي: علم النفس الإيجابي... إطلاق لطاقات الحياة (الجزء الأول)

الأربعاء, November 23, 2016
كاتب المقالة: 

يُعدّ الدكتور مصطفى حجازي أحد الأسماء الوازنة في الساحة الثقافية والعلمية في العالم العربي، فهو مفكر من وزن ثقيل، ومحلل نفسي أغنى الساحة الثقافية منذ وقت مبكر بكتاباته القيّمة والعميقة، نذكر منها: "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور، الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، الشباب الخليجي والمستقبل: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، الصحة النفسية: منظور دينامي تكاملي للنمو في البيت وفي المدرسة، حصار الثقافة: بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية، علم النفس والعولمة: رؤى مستقبلية في التربية والتنمية، إطلاق طاقات الحياة: قراءات في علم النفس الإيجابي. أمّا على مستوى الترجمة فيحقّ أن نذكر من أعماله: "الكلام أو الموت"، و"لماذا العرب ليسوا أحراراً"، والتحليل النفسي: علماً وعلاجاً، وقضية للمحلل النفسي المصري مصطفى صفوان[1]، "علم النفس التطوري" لدافيد باس، "معجم مصطلحات التحليل النفسي" لجان لابلانش وجان برتراند بونتاليس. في كتابه القيّم "إطلاق طاقات الحياة: قراءات في علم النفس الإيجابي" يدعو مصطفى حجازي الفاعلين في الثقافة والعلوم الإنسانية إلى أجرأة النظريات العلمية الغربية خاصة في مجال علم النفس حتى تصبح في خدمة الإنسان العربي عوض الاكتفاء بالترويج النظري لتلك العلوم، مع الوعي بحدودها مادامت قد نشأت في تربة مختلفة عن تربتنا. إنّ مهمة الباحث والعالم اليوم هي توظيف تلك المعارف لفهم خصائص إنساننا التي تكونت عبر تاريخ طويل من الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي لتصبح قادرة على خدمة قضايا إنمائنا.

يعرّف مصطفى حجازي علم النفس الإيجابي بأنّه فرع جديد من فروع علم النفس مازال في بدايته التي لم تتعد عشرين سنة (ظهر في سنة 1998 على يد مارتن سليغمان رئيس الرابطة الأمريكية لعلم النفس الإنساني)، ويسعى هذا العلم إلى اكتشاف الإيجابيات وأوجه الاقتدار وتنمية الإمكانات لدى الفرد والجماعة، وقد نشأ ردّاً على المبالغة في التركيز على أوجه الاضطرابات النفسية والعقلية خاصة في علم النفس المرضي الذي حوّل علم النفس عموماً في أذهان الناس إلى مرادف لما هوغير طبيعي وغير سوي، مع تجاهل أوجه القوة والعافية وطاقات النماء والانطلاق.

إنّ الأطروحة المركزية لهذا العلم هي أنّه في مقابل أوجه الاضطراب والقصور والتشاؤم واليأس لدى الإنسان، هناك أوجه للصحة والقدرة والتفاؤل والأمل الصانع للمصير، فعلاج الاضطراب لا يكفي، لأنّه يحتاج إلى تنمية طاقات الإنسان وفتحها بل تفعيلها أمام الإيجابيات.

يتكوّن الكتاب من ثمانية فصول تسعى إلى تقديم قراءات في علم النفس الإيجابي قصد الاستفادة من معطياته ومحاولة توظيفها في مشروع إطلاق طاقات إنساننا وإمكاناته.

يستعرض الفصل الأول الأسس التي قام عليها هذا العلم الجديد ومختلف منطلقاته وتوجهاته ومجالات اهتماماته الراهنة. وبما أنّ هذا العلم قد نشأ في أمريكا، أي في تربة حقق فيها المجتمع الكثير من الأساسيات التي توفر سعادة الإنسان وازدهاره اجتماعياً واقتصادياً، فقد خصّص المؤلف الفصل الثاني لإطلاق طاقات الإنسان العربي التي تعرضت للهدر والقمع سواء عند الكبار أو عند الشباب، حيث السلطة في المجتمع مازالت استبدادية لا تهتم بنوعية الإنتاج وقدرته التنافسية كما هو الأمر في الدول المتقدمة، وهذا ما جعل المؤلف يعتبر أنّ الغايات الأساسية لعلم النفس الإيجابي هي إطلاق تلك الطاقات من عقالها.

يبحث الفصل الثالث في مقومات علم النفس الإيجابي باعتباره تفكيراً قادراً على إيجاد الحلول وفتح السبل في مقابل التفكير السلبي الذي ينشأ عن الانسداد والعطالة والاستكانة، وينطبق ذلك على الأفراد والجماعات، كما يدعو مصطفى حجازي في هذا الفصل إلى الحذر من أخطار الاستسلام لهذا النوع من التفكير الذي يسيطر بسهولة على وعي الإنسان طامساً بذلك ما تتضمنه القضايا والوقائع من إمكانيات إيجابية.

الفصل الرابع خصصه مصطفى حجازي للبحث في التفاؤل والأمل الفاعل، انطلاقاً من تعريف التفاؤل وتحويله من بحث الطبع المتفائل إلى عرض أسلوب التفسير المتفائل ومقوماته وصولاً إلى التدريب على التفاؤل، هذه العملية الأخيرة تتمّ من خلال برامج معروفة تتصدى لنزعة التشاؤم المنتشرة في مجتمعاتنا، لذلك يكون التفاؤل هو سبيل النهوض إلى العمل.

يعالج الفصل الخامس موضوع الدافعية الجوانية الأصيلة في مقابل الدافعية البرانية التي تدفع الإنسان إلى التحرك والنشاط بتحفيز القوى الخارجية، أمّا الدافعية الجوانية فهي عبارة عن نزوع داخلي إلى الانخراط في مهمات تشكل تحدياً كبيراً لتحقيق أهداف محددة، ويحلل الفصل القضايا التي تطرحها هذه الدافعية وتدرجها وشروط تنميتها.

أمّا موضوع الفصل السادس فهو التلازم بين الاقتدار الإنساني وإطلاق الطاقات الحية وتفعيلها، وهذا التفاعل هو شرط ملزم للإمساك بزمام المصير والقدرة على صناعته، وتكمن أهمية الاقتدار في الحاجة إلى التمرد على العجز الذي فرضته الأنظمة الاستبدادية على الإنسان العربي من أجل ضمان استمرار سلطتها واستحواذها على البلاد والعباد.

ويعالج الفصل السابع إشكالية القيادة من منظور علم النفس الإيجابي، ويقصد بها القيادة التحويلية التي تنمي الإدارة عن طريق تدريب المديرين وإدارة الأنشطة الشبابية، مستعرضاً التحوّل من الرئاسة إلى القيادة التحويلية عبر إطلاق الفاعلية الذاتية والجماعية، ممّا يضمن التنمية المستدامة للمؤسسات والمجتمع.

أمّا الفصل الثامن فيحلل الانفعالات الإيجابية وتلازمها مع التفكير الإيجابي والتي تكون بدورها قابلة للتدريب، ممّا ينعكس إيجاباً على الصحة الجسدية والنفسية إضافة إلى بناء مقومات الفاعلية والاقتدار.

عموماً فإنّ هذا العمل الرائد يسعى إلى نفض الغبار قصد الخروج من التاريخ الراكض نحو الضوء وصناعة التاريخ الحي الذي يحدد المصير ويحقق إنسانية الإنسان. إنّ النظرة الإيجابية للذات وللعالم أصبحت شيئاً مطلوباً من أجل استعادة الثقة بالنفس الفردية والجماعية، قصد استدارك ما فات من تأخر وركود طال جميع مناحي الحياة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، خاصة مع طلائع الربيع العربي الذي سيساهم حتماً في تحريك هذا الاستدراك وبناء الذات من أجل الانطلاق في عصر التنوير العربي المأمول.

ويعتبر مصطفى حجازي هذا الكتاب امتداداً لعملين سابقين هما: "سيكولوجيا الإنسان المقهور" و"سيكولوجيا الإنسان المهدور"، حيث حاول فيهما الوقوف عند معيقات التنمية الذاتية والجماعية وسبل تحرير الإنسان العربي، من خلال استرداد حق القول والكلام للكشف عن الحقيقة الذاتية، وبالتالي التحرر من الاستلاب الذي تمارسه عليه المكبوتات النفسية التي هي الوجه الآخر للقهر السياسي والاجتماعي والثقافي. فعندما يتحرر الإنسان من الداخل يسترد ذاته الأصلية وينفتح على الرباط الإنساني ويعترف بالآخر انطلاقاً من الاعتراف بالذات، وهو أساس كلّ تحرير سياسي واجتماعي.

لقد ترسخت بنيات الاستبداد في هذه المجتمعات من خلال تحالف ثلاثي: التجريم والتحريم والتأثيم. أي من خلال الاستبداد السياسي والأصوليات الدينية والعصبيات القبلية. فالاستبداد السياسي يمارس التجريم من خلال أجهزته القمعية التي تحارب كلّ تمرد وخروج عن الطاعة. كما يتعزز هذا الاستبداد من خلال التحريم الديني الذي يسيطر على النفوس ويخضعها لسلطته. ويتكرس الاستبداد كذلك عبر حكم العصبيات العشائرية القبلية مقابل الحماية وتأمين المصالح. إنّ العلاقات الاستبدادية الناجمة عن هذا الثالوث تولد علاقات أخرى تنتشر في البيت والمدرسة والمسجد والعمل والنشاط العام لتنتج لا وعياً ثقافياً يساهم بدوره في ترسيخ الاستبداد.

لا سبيل أمام الإنسان العربي من أجل تخطي هذه المحنة سوى تبني مؤسسة العقل ومؤسسة العلم حتى يجد نفسه أمام فرصة حقيقية لتنوير ذاته بوعيه ولإنتاج علمانيته وحداثته، وإلا سيظل لصيقاً بمؤسسة البداوة ومؤسسة إفتاء الأحاديث وما ينجر عنها من استغلاق سياسي يستبدل المتعدد بالواحد الأوحد، وذلك حتى يتسنى لنا الخروج من النفق المظلم نحو شساعة المجتمعات العربية الموحدة التي تستثمر خيراتها لخدمة أبنائها، وتجاوز حالة التشتت والانقسام التي أفرزت كيانات متفرقة تهدر هويتها العربية كما تهدر أموال النفط خارج أرض العرب. إنّ معركة الإصلاح والتحول صعبة ومعقدة وفي الوقت نفسه تحتاج إلى مجهودات جبارة.

كتابات الدكتور مصطفى حجازي جديرة بالقراءة والـتأمل في القضايا المهمة التي تطرحها، والتي يمكن النظر فيها على ضوء ما تعرفه المجتمعات العربية اليوم من أحداث متسارعة يصعب على الباحث الراصد أن يتوقع نتائجها، لكن على الأقل يستطيع أن يتسلح بالمعرفة الدقيقة من أجل متابعة ما يجري بعيداً عن ضوضاء الإعلام والتحليلات المتسرعة والمستهلكة في الميديا الحديثة.

وفي هذا الحوار نحاول الإحاطة بوضع التحليل النفسي في المجتمعات العربية، مع الوقوف عند بنى الاستبداد (التجريم، التحريم، التأثيم)، التي تحول دون تحرير الإنسان العربي وتحقيقه لتنميته الذاتية والجماعية.

المهدي مستقيم: أريد في مستهل هذه المقابلة أن تحدثنا عن مجيئك إلى التحليل النفسي؟

ـ مصطفى حجازي: لا بدّ في البداية من توضيح. فعلى الرغم من مروري بتجربة تحليلية امتدت أكثر من ثلاث سنوات على يد محللين نفسيين مشهود لهم، إلا أنني لست محللاً نفسياً، وبالتالي فأنا لا أمارس التحليل العلاجي.

على أنّني مستوعب بقدر جيد لتقنيات التحليل نظراً للخبرة التي عشتها. كما أنّني مستوعب لنظريات التحليل النفسي الفرويدي واللاكاني. وقد قمت بترجمة أعمال تحليلية نفسية هامة أبرزها: معجم مصطلحات التحليل النفسي، كما أنجزت مؤخراً ترجمة العمل الهام للمحلل اللاكاني الأبرز مصطفى صفوان، بعنوان: التحليل النفسي: علماً وعلاجاً، وقضية. وهو يمثل ثمرة ممارسة امتدت أكثر من ستين سنة في التحليل النفسي العلاجي والتعليمي والإشراف على المحللين المتدربين في باريس. وهو من أهم الكتب التي تعرض لحركة التحليل النفسي الفرويدي وقضاياها وصراعاتها وطموحاتها وانشقاقاتها. كما يعرض لمسيرة لاكان الحافلة في تجديد قراءة فرويد وتأصيل أفكاره، وما تعرضت له حركته بدورها من سجالات وصراعات ومآزق.

ولكن بالإضافة إلى تدريس هذه الأدبيات التحليلية، إلا أنّ الأبرز في وضعي هو محاولة توظيف التحليل النفسي في كتاباتي التي تدرس خصائص إنساننا العربي. فمنذ بدء ممارستي للتعليم الجامعي تمثل همّي في تجنب إعادة إنتاج نظريات مستوردة بحالتها الخام، كما وضعت انطلاقاً من خصائص الإنسان والمجتمع الغربي الصناعي، ولخدمة فهمه وتأهيله وتسييره وصيانة طاقاته. وهو ما يمثل في تقديري الوظائف الأربع لعلم النفس. يقوم التحليل النفسي بوظيفتين من هذه الوظائف الأربع؛ وهما الفهم لخصائص هذا الإنسان وصيانة طاقاته من خلال التقنيات العلاجية. وعليه لا بدّ لنا نحن علماء النفس العرب من الإقلاع عن مجرد تكرار هذه النظريات واعتبارها تنطبق بحرفيتها على الإنسان العربي في واقعه وخصائصه. لا بدّ من دراسة جادة لكيفية تبيئتها لخصائص عالمنا وإنسانه. أمّا ما يبدو للقارئ من أنّني محلل ممارس فإنه يعكس محاولاتي لتوظيف هذا العلم في كتاباتي عن إنساننا، إضافة الى ما قمت بترجمته من أعمال.

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

رابط المقال :

المصدر: 
مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث
موضوع المقالة: