مصطلحات ومفاهيم في “الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان”

الثلاثاء, July 19, 2016
كاتب المقالة: 

هدف هذا العرض لبعض المصطلحات والمفاهيم الواردة في كتاب “الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان” للدكتور عبد الوهاب المسيري, الصادر عن دار الفكر بدمشق إلى التركيز على بعض أساسيات حياتنا التي نتبناها بشكل تلقائي دون توصيف, قد نعجز عن وصفها في بعض الأحيان وقد نحيد عنها لأننا لا نعرف بالضبط ما هي تلك الأفكار, قد تلتبس علينا بعض المقولات التي هي ضد فلسفاتنا لأننا لا ندري ما هي فلسفتنا أصلًا.

ويهدف هذا العرض أيضًا إلى إعطاء القارئ موازين فكرية يزن بها أي فكرة تقابله, متمثلة في أي شيء في حياتنا بشكل عام, فلا ننخدع بالكلمات الوصفية فقط, ولكن نتعمق أكثر لنعرف بأنفسنا مدلولات الافكار وتوابعها.

ومن المصطلحات:

  1. المرجعية: هي الفكرة الجوهرية التي تشكل أساس كل الأفكار في نموذج معين, والركيزة النهائية له التي لا يمكن أن تقوم رؤية للعالم بدونها, والمبدأ الواحد الذي تٌرد اليه كل الأشياء وتنسب اليه ولا يُرد هو أو يُنسب إليها, هي المطلق المكتفي بذاته والذي يتجاوز كل الأفراد والأشياء والظواهر, الذي يمنح العالم تماسكه ونظامه ومعناه, وهي أعلى مستويات التجرد, تتجاوز كل شيء ولا يتجاوزها شيء.
  2. المرجعية النهائية المتجاوزة: نقطة خارج النظام الطبيعي متجاوزة له, هذه النقطة في الأنظمة التوحيدية هي الإله المنزه عن الطبيعة والتاريخ الذي يحركهما ولا يحل فيهما, وجوده هو ضمان أن المسافة التي تفصل الإنسان عن الطبيعة لن تُختزل ولن تُلغى.
  3. المرجعية النهائية الكامنة: تكون المرجعية النهائية كامنة في العالم وليست مفارقة له, تنظر إلى العالم باعتباره يحوي بداخله ما يكفي لتفسيره, دون الحاجة إلى اللجوء إلى أي شيء خارج النظام الطبيعي (المادي), ولذا لابد أن تسيطر الواحدية (كل شيء مرجعية ذاته) وكل النظم المادية تدور في هذا الإطار. ومن سمات المرجعية الكامنة؛ جعل الإنسان موضع الكمون, ووضعه  في مركز الكون, دون استخلاف من إله (جعل المرجعية  كامنة فيه دون الحاجة إلى مرجعية يرتكز عليها), ويمكن القول أن للمرجعية النهائية الكامنة صورتان:
  • مرجعية نهائية روحية: (تسمى أيضًا الحلولية الكمونية الروحية/ وحدة الوجود الروحية), يوجد إله ولكنه حل في مخلوقاته (توحد بها) وأصبحت لهذه المخلوقات صفة القداسة (أمثلة: حلول القداسة في شعب اليهود وأنه شعب الله المختار, فلا يُسأل عما يفعل فأفعاله مقدسة – أعلى درجات الحلولية في الفكر الصوفي).
  • مرجعية نهائية مادية: يتم الاستغناء تمامًا عن أي لغة روحية وتكون المرجعية للقوانين المادية فقط.

ومن الأمثلة على المرجعية النهائية المتجاوزة والكامنة لفعل معين؛ الكذب, فهو فعل مذموم, ولكن هناك من يمتنع عنه لأنه إن كذب, سيذهب للنار وسيحرم من الجنه (مرجعية متجاوزة), وهناك من لا يكذبون لأن الصدق منجاة, ولأن الكذب “ملوش رجلين” (مرجعية كامنة), في سياق آخر إن لم يكن الصدق منجاة, ويمكنه أن يغطي على كذبته جيدًا, ولن تكتشف أبدًا ربما يكذب, كم من أفعال في حياتنا نفعلها, ونريد إرجاع كل شيء لواقعنا, ونغفل أو نتغافل ذكر المرجعية المتجاوزة.

  1. الواحدية المادية: تَوحّد الإنسان بالطبيعة, بحيث يُرَد كله إلى مبدأ واحد كامن في الكون, ومن ثم فإن عالمنا المادي لا يشير إلى أي شيء خارجه, فقد تمت  إلغاء كل الثنائيات داخله (الخالق والمخلوق, الإنسان والطبيعة, الخير والشر, والأعلى والأدنى), وتم تطهيره تمامًا من كل القيم وتم اختزاله إلى مستوى واحد, يتساوى فيه الإنسان مع الطبيعة, وهو مستوى القانون الطبيعي/ المادي.
  2. الحوسلة: مصطلح نحته الدكتور المسيري, معناه تحول إلى وسيلة (وحذف الياء للسرعة), وهي تستخدم عندما يتم التعامل مع الانسان ليس بصفته البشرية, ولكن كأنه مادة استعمالية بعيدة كل البعد عن الخصوصية, أو القداسة, أو أي اعتبارات أخلاقية, مجرد وسيلة لشيء معين فقط, دون مراعاة أبعاد أخرى.
  3. الحداثة: هي الانتقال من المرجعية النهائية المتجاوزة الي المرجعية النهائية الكامنة, هي موت للإله, وجعل الإنسان في مركز الكون, حيث يتمحور حوله كل شيء, ويكون هو مرجعية كل شيء.
  4. ما بعد الحداثة: بعد سقوط المرجعية المتجاوزة, وجعل الإنسان هو مرجعية كل شيء, لم يوجد ما يمنع من أن يخضع الإنسان هو ذاته إلى القوانين المادية (الطبيعية), وجعل المرجعية المادية هي القادرة على تفسير كل شيء, وأن يكون كل شيء كامن فيها (موت الإله واختفاء المرجعية النهائية المتجاوزة هو في الحقيقة انهيار لإنسانية الإنسان).

بعض المفاهيم تؤخذ في الاعتبار:

  • الأفكار كالأطفال, لا تظل صغيرة وبسيطة أبدًا, ولكنها تكبر وتنمو مع الوقت, تكبر بتطبيقها ونقد القصور فيها, كما أن الفكرة لا تكون مستقلة بذاتها ولكنها تؤثر على أغلب نواحي النموذج الإنساني التي توضع فيه وتتأثر به, فالعلمانية علي سبيل المثال لا توجد بشكل متكرر في كل الدول, ولكن يكاد يكون لكل دولة النموذج العلماني الخاص بها.
  • عندما يقول الغرب: “الإنسان”, فهم لا يقصدون “الإنسان” في كل مكان وفي كل زمان, كما قد نفهم, ولكنهم يقصدون – في الحقيقة – الإنسان الغربي الأبيض فقط, جذور العنصرية تتمثل في أقدم فلسفاتهم, ففي الجمهورية لأفلاطون تكون الحقوق للسادة فقط, أما العبيد والنساء فلا حقوق لهم, ويظهر هذا جليًا أيضًا في الهجرات لأمريكا الشمالية أو لاستراليا, وكيف كان التعامل مع السكان الأصليين.
  • يتبنى الناس نمطًا معينَا من السلوك بشكل غير واعي, ولا يدركون في الغالب ماذا ستكون توابع سلوك معين مستقبليًا, لأن السلوكيات الفردية تتغير عندما تتراكم في السلوك الجماعي.
  • عند النظر لأيّ فكرة لابد أن ننظر لمرجعية المتكلم, فقد يقال كلام ونفهمه نحن بأسلوب مختلف تمامًا عن السياق الحقيقي الذي قيل فيه.
  • حتى يمكننا أن نعرف ما هو الآخر ونتمايز عنه لابد أن نعرف أولًا من نحن وما الذي يميزنا عنه.

هذه المفاهيم جاءت بالأساس لدراسة ووصف الواقع الغربي, ولكن طبقًا لنظرية أن المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب, ولأن النموذج الحضاري الغربي هو النموذج المسيطر, فقد تأثرنا وتسللت بعض تلك المفاهيم إلينا – بدون وعي – ساعد في ذلك عدم معرفتنا بما يميزنا عن الآخر.

النموذج المهيمن علي الحضارة الغربية هو “النموذج المادي”, وهذا لا يعني أنه النموذج الوحيد, ولكنه النموذج الأساسي والمؤثر.

إن رؤيتنا للواقع لابد أن تكون أكثر تركيبية وعمقَا, فلا يجب أن نسقط في النموذج المادي السطحي في التعامل مع الإنسان في الغرب والذي يتناول ويقتصر على جانب واحد فقط في دراسته للظاهرة الإنسانية.

ومن الكتب التي تتناول نفس الموضوع أو موضوعات في نفس السياق:

  • الحداثة وما بعد الحداثة  – عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي – دار الفكر بدمشق توزيع دار السلام
  • المرأة والدين والأخلاق – د. هبة رؤوف عزت ود. نوال السعداوي – دار الفكر بدمشق توزيع دار السلام
المصدر: 
يقظة فكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.